من غدير خُم إلى صمود اليمن في وجه الاستكبار

7

ذمــار نـيـوز || مـقـالات ||
3 يونيو 2026مـ – 17 ذو الحجة 1447هـ

بقلم// أفنان محمد السلطان

الولاية في المنظور الإيماني والثقافي ليست مجرد سلطة سياسية جافة أو حُكم مفروض استبدادي ،بل هي امتداد للرسالة الإلهية ونظام قيادي وتربوي يهدف إلى حماية الأمة مما قد يحيدها عن طريق الهداية ويهوي بها في هاوية الضلال ،وتوجيه الناس نحو كمالهم الإنساني والديني، وضمان استمرار الهداية في مسارها الصحيح.
فمصدر الأمر: مصدر الولاية هو الله سبحانه وتعالى مطلقاً؛ فهو الولي الحقيقي والمشرّع الأساسي. وقد جاء الأمر الإلهي صريحاً في القرآن الكريم، وتجلى ذلك في قوله تعالى:
​{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} (المائدة: 55).

​وبعد ولاية الله تكون ولاية رسوله الكريم ومن بعده الامام علي عليه السلام فهي سلسلة مترابطة، وكل الروايات تجمع أن من تزكى بخاتمه وهو راكع هو الامام علي عليه السلام ف لم يكن الاختيار قائماً على المحاباة أو القرابة، بل بناءً على مؤهلات وكمالات استثنائية صاغتها التربية النبوية المباشرة. فالإمام علي (عليه السلام) نشأ منذ نعومة أظافره في حجر النبي وتربى على يديه حتى أصبح مدينة علم رسول الله (صلىَ الله عليه وآله وسلم)

وعلي الكرار هو صاحب العطاء والتضحية الأكبر في تثبيت دعائم الإسلام (يوم الهجرة، بدر، أحد، الخندق، خيبر).

​الأعلم والأقضى والأقرب إلى الفهم النقي للقرآن والرسالة، مما يجعله النموذج الأمثل لجسد الأمة وروحها بعد غياب النبي.

​فلم يكن البلاغ ليوم الولاية بلاغًا عاديًا ؛ بل تم التبليغ في حدث تاريخي مشهود في 18 من ذي الحجة (عام حجة الوداع)، في مكان يُدعى “غدير خم”. حيث جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم آلاف المسلمين العائدين من الحج، وخطب فيهم خطبة بليغة، ثم أخذ بيد الإمام علي ورفعها حتى بان بياض إبطيهما، وقال إعلانه الشهير:
​”من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله”.

ولأهمية يوم الولاية قرن الله سبحانه وتعالى أمر الولاية بكمال تبليغ الرسالة ، وقد ربط القرآن الكريم بين إعلان الولاية وبين كمال الدين وتمام النعمة ربطاً مصيرياً. قبل التبليغ، نزلت الآية الحازمة:
​{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} (المائدة: 67).
​وهذا يشير إلى أن الرسالة بدون تحديد “المرجعية القيادية” والامتداد الطبيعي لها بعد النبي ستكون عرضة للضياع والشتات والارتداد. وبعد التبليغ مباشرة في الغدير، نزل قوله تعالى:
​{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (المائدة: 3).
​هذا الاقتران يعني أن الولاية هي الحصن الضامن لبقاء الشريعة نقية، والغطاء الذي يحمي الأمة من التفكك بعد رحيل قائدها العظيم.

​فالأثر العام لمبدأ الولاية : التولي الصادق يثمر العزة، والحرية، والكرامة، والوعي في مواجهة الطواغيت والمستكبرين
كما أ نه يمنح الأمة هوية إيمانية صلبة ترفض الخنوع والاستسلام.

كما يترك أثره ​في الواقع اليمني: حيث يتجلى هذا الأثر بشكل واضح وملموس في:
​الصمود الأسطوري والقدرة على مواجهة التحديات الكبرى والحروب والحصار الاقتصادي بروحية إيمانية مستمدة من تضحيات الإمام علي وثباته.

فكان مبدأ الولاية هو الدافع الأول لرفض الوصاية الخارجية والتمسك بقرار عزة الشعب اليمني وكرامته.

فالشعب اليمني يرتبط أرتباطًا وثيقًا بآل بيت رسول الله، وهو ارتباط تاريخي متجذر أسسه الإمام علي نفسه عندما أرسله النبي إلى اليمن فأسلموا على يديه.

​إن تجاوز مسألة الولاية والامتداد القيادي الشرعي أدى إلى أثمان باهظة دفعتها الأمة على مر التاريخ، وتتجلى في:
​التشتت والفرقة و غياب المرجعية الموحدة الجامعة للأمة أتاح الفرصة لظهور تيارات متناحرة ومذاهب متصارعة.

تسلط الطواغيت والمفسدين وذلك بسبب ثغرة غياب القيادة المؤهلة أفسحت المجال لتولي قيادات أخرى أدت إلى الضلال.

​التبعية حيث تعيش أجزاء واسعة من الأمة اليوم حالة من الهوان والتبعية لقوى الاستكبار العالمي (كأمريكا والكيان الصهيوني)، بسبب الابتعاد عن منهج القيادة الإيمانية التي تأمر بالعزة والجهاد.

ف ​إحياء هذا اليوم ليس مجرد استدعاء لحدث تاريخي مضى، بل هو محطة استراتيجية وتربوية بالغة الأهمية لـ:
​تجديد العهد والولاء: إعلان التمسك بالمنهج الإلهي والقيادة الربانية في مواجهة مشاريع التضليل وكذلك ل ​تحصين الأمة و توعية الأجيال الناشئة، وبخاصة من خلال المحافل النسائية والتربوية، بأهمية الوعي السياسي والإيماني، وحمايتهم من الثقافات المغلوطة.

والأهم هو ​استلهام الدروس التزود من سيرة الإمام علي (عليه السلام) في الشجاعة، والعدالة، والزهد، والتحرك المسؤول لخدمة المستضعفين وإعلاء كلمة الله.