من بيروت إلى هرمز.. أوراق القوة الإيرانية تربك حسابات واشنطن والكيان
ذمــار نـيـوز || تقارير ||
2 يونيو 2026مـ – 16 ذو الحجة 1447هـ
تقرير || محمد ناصر حتروش
تتمسك الجمهورية الإسلامية الإيرانية بشروطها العشرة التي طرحتها خلال مسار التفاوض مع الولايات المتحدة، رغم التلكؤ الأمريكي ومحاولات المماطلة والتنصل من الالتزامات المرتبطة بتلك الشروط.
وفي تطور جديد على صعيد المفاوضات، أعلنت طهران تعليق مسار التفاوض مع واشنطن على خلفية التهديدات الصهيونية بتوسيع نطاق العدوان على لبنان ليشمل العاصمة بيروت، مؤكدة أن وقف العدوان الشامل على لبنان يمثل أولوية لا يمكن تجاوزها ضمن أي تفاهمات أو ترتيبات سياسية مقبلة.
وتشدد إيران على أن الملف اللبناني يحتل موقعاً متقدماً ضمن أجندتها التفاوضية، معتبرة أن أي تقدم في مسار المباحثات يظل مرتبطاً بوقف الاعتداءات الصهيونية وضمان عدم توسيع دائرة التصعيد في الساحة اللبنانية.
وفي السياق، يؤكد الخبير في العلاقات الدولية محمد غروي أن التطورات الأخيرة تمثل تحولاً مفصلياً يفرض تداعيات مباشرة على الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، وذلك بعد أشهر من المحاولات الرامية إلى فصل الملف اللبناني عن مسار المفاوضات بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وواشنطن.
وفي حديث خاص لقناة المسيرة، يوضح غروي أن المجرم نتنياهو سعى خلال المرحلة الماضية إلى إخراج الملف اللبناني من الإطار التفاوضي الإيراني الأمريكي بهدف الاستفراد بلبنان، موضحاً أن هذه المقاربة تواجه تحولاً جديداً مع دخول إيران بقوة على خط الملف اللبناني وتأكيدها أن لبنان يشكل أولوية وخطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.
ويلفت إلى أن المواقف الإيرانية الأخيرة تعبر عنها قيادات سياسية وعسكرية بارزة، الأمر الذي يثبت جدية طهران في إبقاء الملف اللبناني حاضراً بقوة على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة، ويؤكد أن إيران تتمسك بموقفها القائل إن الملف اللبناني يشكل جزءاً أساسياً من مسار التفاوض وليس ملفاً منفصلاً عنه.
ويرى غروي أن الملف اللبناني يمثل أحد أبرز العوامل التي تعرقل التوصل إلى تفاهمات إيجابية بين إيران والولايات المتحدة، مشيراً إلى أن مسؤولين إيرانيين يؤكدون أن الأمن القومي اللبناني يعد جزءاً من الأمن القومي الإيراني، وهو ما يوسع من نطاق المقاربة الإيرانية تجاه لبنان ويتجاوز التصورات الأمريكية السابقة بشأن حدود الدور الإيراني فيه.
ويبين أن الولايات المتحدة تضغط منذ أشهر لإدراج ملف دعم إيران لحلفائها في المنطقة ضمن أي مفاوضات مقبلة، إلى جانب المطالبة بوقف الدعم المالي والعسكري لحركات المقاومة، إلا أن التطورات الأخيرة تظهر تمسك طهران بمواصلة دعم حلفائها سياسياً وعسكرياً وأمنياً، وتعاملها مع الملف اللبناني باعتباره جزءاً من أمنها القومي.
ويفيد أن إيران تناقش مع الولايات المتحدة ملفات وقضايا تتجاوز الإطار اللبناني المباشر، لافتاً إلى أن لجوء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى التواصل عبر وسطاء مع حزب الله بدلاً من التواصل مع السلطات اللبنانية يعكس تحولاً مهماً في المشهد السياسي القائم.
ويلفت إلى أن المسار الدبلوماسي اللبناني يتحول إلى إحدى أولويات الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ويصبح ورقة أساسية على طاولة المفاوضات مع واشنطن، في وقت تدخل فيه المنطقة مرحلة جديدة من المتغيرات السياسية والعسكرية مع عودة معادلات الردع التي أرستها قوى المقاومة إلى واجهة المشهد الميداني.
وخلص غروي إلى أن التطورات المتسارعة تؤكد أن مسار محور المقاومة يتجه نحو مزيد من التصاعد والتماسك، خلافاً للتقديرات التي تروج لها الولايات المتحدة وبعض الأطراف الإقليمية عبر وسائلها الإعلامية.
بدوره، يؤكد مسؤول العلاقات العامة لأنصار الله في فلسطين خليل نصر الله أن بعض الأطراف راهنت خلال المرحلة الماضية على تخلي الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن حلفائها وقوى المقاومة في المنطقة، إلا أن التطورات الأخيرة تثبت عكس ذلك وتؤكد استمرار التزام طهران بدعم حلفائها.
ويوضح، في حديث خاص للمسيرة، أن المحاولات الرامية إلى فك الارتباط بين إيران وقوى المقاومة تفشل رغم الضغوط السياسية والعسكرية والحروب المتواصلة على أكثر من جبهة، موضحاً أن الجمهورية الإسلامية تؤكد عملياً أنها لا تتخلى عن حلفائها ولا عن دعم قوى المقاومة في المنطقة.
ويبين أن الرسائل الإيرانية الأخيرة توصل للقريب والبعيد أن دعم الحلفاء ما يزال جزءاً ثابتاً من السياسة الإيرانية، لافتاً إلى أن طهران تلوح بإمكانية توسيع دائرة المواجهة إذا استمرت العمليات العسكرية في جنوب لبنان وقطاع غزة.
ويشير إلى أن المواقف الصادرة عن الحرس الثوري الإيراني، ممثلاً بمقر خاتم الأنبياء، تعكس استعداداً لاتخاذ خطوات عسكرية في مواجهة التصعيد الإسرائيلي، الأمر الذي يفرض معادلات جديدة ويؤثر بصورة مباشرة على المسارات السياسية والمفاوضات الجارية.
ويؤكد أن إيران تدفع باتجاه وقف شامل لإطلاق النار على مختلف الجبهات، وترفض حصر التهدئة في ساحة محددة، كما تسعى إلى إيجاد مسار موحد للتعامل مع ملفات المواجهة بما يحافظ على وحدة موقف قوى المقاومة في المنطقة.
ويرى أن الموقف الإيراني يضع الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي في موقف حرج، ويربك الحسابات السياسية والعسكرية القائمة، مشيراً إلى أن واشنطن تجد نفسها أمام واقع جديد تفرضه موازين القوة والرسائل الإيرانية المباشرة.
ويشدد على أن الإدارة الأمريكية تراجعت عن بعض مواقفها السابقة مع تصاعد احتمالات اتساع دائرة المواجهة، كما تعمل على رسم خطوط تتعلق بوقف استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت والعاصمة اللبنانية في إطار جهود التهدئة.
ويلفت إلى أن أصواتاً داخل الولايات المتحدة، من بينها شخصيات ونواب جمهوريون، تشكك في قدرة رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو على مواصلة التصعيد العسكري، مؤكداً أن التهديد باستخدام القوة واستعداد الجمهورية الإسلامية للتدخل المباشر يدفعان واشنطن إلى إعادة حساباتها.
ويشدد على أن التراجع الأمريكي يعكس إدراكاً متزايداً بأن استمرار التصعيد قد يفتح الباب أمام تدخلات أوسع وتطورات يصعب السيطرة عليها، مؤكداً أن الأحداث الأخيرة تظهر أن موازين القوة ما تزال عاملاً مؤثراً في فرض التفاهمات ووقف الاعتداءات الصهيونية.
من جهته، يؤكد الدبلوماسي الإيراني السابق الدكتور هادي أفقهي أن طهران تطرح خلال مسار الحوار والتفاوض مع الولايات المتحدة في إسلام آباد عدة شروط أساسية، مشيراً إلى أن من أبرزها أن يشمل أي اتفاق لوقف إطلاق النار جميع ساحات المواجهة في المنطقة، وفي مقدمتها الساحة اللبنانية.
ويوضح أفقهي أن إيران تشترط بصورة واضحة أن يكون وقف إطلاق النار شاملاً وغير مقتصر على جبهة دون أخرى، لافتاً إلى أن هذا الشرط يشكل أحد المرتكزات الرئيسية للموقف الإيراني في المفاوضات الجارية.
ويشير إلى أن المجرم ترامب طرح مبادرة لوقف إطلاق النار عقب فشله في تحقيق أهدافه تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مبيناً أن الوسيط الباكستاني أعلن موافقة ترامب على المقترحات العشرة المطروحة لتكون إطاراً للتفاوض في المرحلة المقبلة، إلا أن مسار التفاوض يشهد لاحقاً حالة من التنصل والتراجع والتلاعب بالالتزامات والمواقف المعلنة.
ويرى أفقهي أن طهران تستشعر عدم قدرة الرئيس الأمريكي على فرض جميع شروطه أو التزاماته على نتنياهو، مؤكداً أن التطورات اللاحقة تكشف وجود تباين بين المواقف الأمريكية المعلنة وبين قدرة واشنطن الفعلية على إلزام الاحتلال الإسرائيلي بتنفيذ أي تفاهمات أو اتفاقات يتم التوصل إليها.
إيران تربح معركة الممرات التجارية
ويؤدي الحصار الأمريكي المفروض على إيران ومضيق هرمز إلى اضطراب حركة الملاحة الدولية، الأمر الذي دفع متابعين إلى طرح تساؤلات حول انعكاسات الحصار على الاقتصاد العالمي وقدرة طهران وواشنطن على التكيف معه.
ويسلط خبراء اقتصاديون الضوء على المتغيرات التي أعادت رسم خرائط التجارة والنقل وانعكاساتها على الولايات المتحدة وإيران على حد سواء.
وحول هذا الشأن، يؤكد الخبير في الشؤون الاقتصادية يعرب خير بيك أن قطاع النقل يشهد ارتفاعات كبيرة في التكاليف، مشيراً إلى أن أسعار النقل تتضاعف بنحو عشرة أضعاف، مع توقعات باستمرار الارتفاع نتيجة فشل الولايات المتحدة في تأمين حركة السفن وخطوط الملاحة البحرية.
ويوضح خير بيك، في حديث خاص لقناة المسيرة، أن التغييرات التي تطرأ على مسارات النقل والتجارة البحرية تمنح إيران مساحة أكبر للمناورة وتزيد من قدرتها على مواجهة الضغوط الاقتصادية، لافتاً إلى أن التطورات الأخيرة تؤكد للولايات المتحدة أن أي إجراءات تتعلق بمضيق هرمز قد يكون تأثيرها على إيران أقل من تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الأخرى.
ويشير إلى أن اتساع مساحة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلى جانب علاقاتها المتينة مع دول الجوار، يعززان قدرتها على تجاوز الضغوط والعقوبات الاقتصادية، كما أن المسارات البديلة عبر بحر قزوين وروسيا والصين وباكستان توفر لطهران خيارات إضافية للتجارة والإمداد بعيداً عن الضغوط الأمريكية.
ويرى أن تنوع خطوط النقل والتجارة يقلل من فعالية أي حصار اقتصادي محتمل على إيران ويضعف قدرته على تحقيق أهدافه، مؤكداً أن الولايات المتحدة تبدأ باستشعار التداعيات الاقتصادية للأزمة من خلال مؤشرات أسواق المال وتصاعد الضغوط الغربية المطالبة بإيجاد حلول للأوضاع القائمة.
ويشير إلى أن أصواتاً اقتصادية أوروبية من ألمانيا وإيطاليا وفرنسا تدعو إلى ممارسة ضغوط جدية على واشنطن من أجل معالجة التداعيات الاقتصادية المتفاقمة، في وقت تتعامل فيه إيران مع المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية بثقة أكبر مستندة إلى تعدد البدائل واتساع خيارات الحركة التجارية.
ويتابع أن استهداف سفينة تابعة للولايات المتحدة بهدف منعها من العبور يعكس تصاعد الضغوط على حركة الملاحة المرتبطة بواشنطن، مؤكداً أن إيران تمتلك القدرة على التأثير في الممرات البحرية الحيوية والتحكم بأدوات اقتصادية مؤثرة في حركة التجارة والطاقة.
ويفيد أن الموقع الجغرافي لإيران وإشرافها على عدد كبير من الطرق البحرية والبرية يمنحانها قدرة كبيرة على إدارة البدائل الاقتصادية واللوجستية، مشيراً إلى أن أي مشاريع أو مسارات جديدة للتجارة والنقل في المنطقة يصعب تصور نجاحها من دون أن تكون إيران طرفاً محورياً ومركزياً فيها.
