سياسيون وعسكريون: تصعيد التهديدات ضد ضاحية بيروت يواكب الفشل الكبير للاحتلال في الميدان

2

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
1 يونيو 2026مـ – 15 ذو الحجة 1447هـ

يصعد كيان العدو الإسرائيلي عدوانه على لبنان مع تهديدات أطلقها مجرم الحرب نتنياهو عن استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت.

وأكدت وسائل إعلام تابعة للعدو الإسرائيلي أن قرار قصف الضاحية أتى بعد تنسيق مع القيادة الأميركية، ما يعني توسيع دائرة النار، وإدخال لبنان في حرب أكثر عنفاً مما سبق ولا سيما خلال مرحلة اتفاق وقف إطلاق النار.

وفي قراءة لطبيعة تحركات العدو الإسرائيلي الأخيرة، يرى الخبير في الشؤون العسكرية العقيد أكرم كمال سروي أن حكومة العدو تحاول توظيف بعض التحركات الميدانية المحدودة في إطار معركة الصورة والرسائل السياسية، أكثر من ارتباطها بتحولات حقيقية في ميزان الميدان.

و يشير سروي في حديثه لقناة “المسيرة” إلى أن رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو سعى إلى تسويق دخول قوات الاحتلال إلى قلعة الشقيف بوصفه إنجازاً عسكرياً كبيراً، رغم أن الموقع يُعد معلماً سياحياً وأثرياً خالياً من أي وجود للمقاومة أو أي اشتباكات عسكرية، مبيناً أن المقاومة تلتزم بقوانين الحرب ولا تتخذ من المواقع الأثرية والسياحية مواقع عسكرية أو مراكز تمركز لقواتها، لافتاً إلى أن الاحتلال حاول استثمار مشاهد رفع علم العدو الإسرائيلي فوق القلعة لصناعة صورة انتصار إعلامية، في محاولة للتخفيف من وقع الخسائر والإخفاقات التي يواجهها على الجبهة الشمالية، وإظهار تقدم ميداني يمكن توظيفه في الخطاب السياسي والإعلامي الداخلي.

ويوضح سروي أن الصورة التي سعى الاحتلال إلى تسويقها سرعان ما تلقت ضربة ميدانية مباشرة، بعد تعرض قوات العدو الإسرائيلية الموجودة في محيط قلعة الشقيف لهجمات نفذتها طائرات مسيّرة تابعة للمقاومة، أسفرت عن مقتل وإصابة عدد من الجنود الصهاينة في المنطقة ذاتها التي حاول نتنياهو تقديمها بوصفها دليلاً على نجاح عملياته العسكرية، معتبراً أن هذه التطورات الميدانية تثبت محدودية الإنجازات التي يروج لها الاحتلال، وتؤكد استمرار قدرة المقاومة على فرض معادلاتها الميدانية.
بعد فشل جنوده في وقف هجمات المقاومة.. نتنياهو يتباهى بدخول قلعة سياحية خالية من المقاومة بينما يُقتل أفراد جيشه في المكان نفسه

وأضاف أن قلعة الشقيف لا تبعد سوى بضعة كيلومترات عن الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة، ما يجعل الحديث عن اختراق استراتيجي أو تحول نوعي في مسار المواجهة أمراً مبالغاً فيه، لا سيما في ظل احتفاظ المقاومة بقدرتها على استهداف قوات العدو المتوغلة في مختلف المناطق الحدودية.

وفيما يتعلق بالتهديدات الصهيونية الأخيرة ضد بيروت، أوضح سروي أنها تعكس حالة الانزعاج المتزايدة داخل المؤسسة العسكرية والسياسية التابعة للعدو الإسرائيلي نتيجة استمرار عمليات المقاومة، ولا سيما الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ التي طالت مستوطنات ومواقع عسكرية في شمال فلسطين المحتلة.

ولفت إلى أن المقاومة نجحت في إيصال رسائل ميدانية مباشرة إلى قيادة الاحتلال عبر مواصلة استهداف المستوطنات والقوات العسكرية، رغم أن الكيان الصهيوني كان قد برر عملياته العسكرية بهدف تأمين المستوطنات الشمالية وحمايتها، مؤكداً أن الوقائع الميدانية أظهرت عدم تحقق هذه الأهداف، إذ استمرت الهجمات وتوسعت لتطال مناطق جديدة داخل الأراضي المحتلة.

ويبيّن الخبير العسكري أن الاحتلال يواجه معضلة ميدانية حقيقية تتمثل في محدودية قدرته على التوسع داخل الأراضي اللبنانية من دون تكبد خسائر متزايدة، مشيراً إلى أن استراتيجية المقاومة لا تقوم على إنشاء خطوط دفاعية تقليدية ثابتة، وإنما تعتمد على استدراج قوات الاحتلال إلى مساحات أعمق، حيث تصبح أكثر عرضة للاستهداف المباشر.

وأكد أن أي تقدم إضافي لقوات الاحتلال لا يعني بالضرورة تحقيق مكاسب ميدانية صافية، بقدر ما قد يفتح المجال أمام المقاومة لتوسيع دائرة استهداف الجنود والآليات والدبابات، وهو ما يفسر، بحسب العميد سروي، لجوء الاحتلال إلى تصعيد خطاب التهديد ضد بيروت والضاحية الجنوبية، في محاولة لفرض معادلات سياسية جديدة وتعويض الإخفاقات التي ما زال يواجهها في الميدان.

صناعة صورة انتصار وهمية

ومن زاوية سياسية مرتبطة بمسار المفاوضات، يرى الكاتب والإعلامي عدنان غملوش أن ما يجري حالياً هو محاولة من قبل قوات العدو الإسرائيلية لتحقيق مكاسب ميدانية يمكن توظيفها كورقة ضغط في المفاوضات الجارية بين لبنان والعدو، مشيراً إلى أن التصعيد العسكري الأخير لا يمكن فصله عن الحسابات السياسية التي تحكم سلوك حكومة الاحتلال في هذه المرحلة.

ويوضح غملوش أن العمليات العسكرية والغارات الجوية ومحاولات التقدم البري، بما في ذلك الوصول إلى قلعة الشقيف، تندرج جميعها في إطار السعي إلى صناعة صورة انتصار يمكن تسويقها أمام الرأي العام الصهيوني، خصوصاً بعد الضربات التي تعرضت لها المستوطنات الشمالية وما أظهرته من استمرار قدرة المقاومة على التأثير في مجريات المواجهة.

ويشير إلى أن الاحتلال لجأ، عقب محدودية النتائج التي حققتها هذه التحركات الميدانية، إلى تصعيد خطاب التهديد ضد الضاحية الجنوبية لبيروت، معتبراً أن البيان المشترك الصادر عن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس يحمل رسائل ضغط واضحة تستهدف الحكومة اللبنانية وبيئة المقاومة في آن واحد.

ويؤكد غملوش أن الهدف الرئيس من هذه التهديدات يتمثل في دفع لبنان إلى القبول بالشروط الأمريكية والصهيونية المطروحة على طاولة المفاوضات، وفي مقدمتها ملف سلاح المقاومة والقضايا الأمنية المرتبطة بالحدود الجنوبية، لافتاً إلى أن الضغوط العسكرية تترافق مع ضغوط سياسية ودبلوماسية متزايدة تمارسها الولايات المتحدة سعياً لفرض أجندة محددة على الدولة اللبنانية.

ويوضح أن بعض الطروحات المتداولة تتصل بدعم الجيش اللبناني وتطوير قدراته العسكرية، إلا أن هذه الطروحات ترتبط، في جوهرها، بالنقاش الدائر حول سلاح المقاومة ومستقبل المعادلة الأمنية القائمة في لبنان، وما يمكن أن يترتب عليها من تغييرات في موازين القوى الداخلية.

ويصف غملوش المرحلة الراهنة بأنها من أخطر المراحل التي يمر بها لبنان، نظراً لتزامن الضغوط العسكرية مع المسارات السياسية والدبلوماسية، وما يرافق ذلك من محاولات لإعادة تشكيل التوازنات الداخلية بما يتوافق مع المصالح الأمريكية والصهيونية، مستفيداً من حالة التصعيد القائمة على الجبهة اللبنانية.

أوارق ضغط في المفاوضات

وبينما تركز القراءات السابقة على البعد الميداني والضغوط المرتبطة بالمسار التفاوضي، يربط الكاتب والباحث جواد سهلب بين تحركات العدو الإسرائيلي الراهنة والسياق السياسي الذي حكم التعاطي اللبناني مع الملف الحدودي خلال السنوات الماضية.

ويرى سهلب في حديثه لقناة “المسيرة” أن السياسات التي انتهجتها الحكومات اللبنانية المتعاقبة أسهمت، بصورة أو بأخرى، في توفير ظروف استغلها الاحتلال للمضي في مشروعه الهادف إلى تعزيز حضوره العسكري في المناطق الحدودية الجنوبية، موضحاً أن كيان الاحتلال يسعى إلى فرض السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي والمواقع الاستراتيجية في جنوب لبنان، بهدف تحويلها إلى أوراق ضغط يمكن استخدامها في أي مفاوضات مستقبلية، بما يمنحه موقعاً تفاوضياً أكثر قوة في مواجهة الجانب اللبناني.

ويلفت إلى أن الاحتلال يعتمد على ما وصفه بسياسة “الخطوة مقابل الخطوة”، من خلال ربط أي انسحاب محتمل من المناطق التي يتوغل فيها بتحقيق مكاسب سياسية وأمنية تتعلق بسلاح المقاومة والترتيبات الأمنية في الجنوب اللبناني، معتبراً أن هذه المقاربة تشكل جزءاً من استراتيجية صهيونية أوسع تقوم على توظيف الوقائع الميدانية لخدمة الأهداف السياسية.

ويضيف أن هذه السياسة ليست جديدة على سلوك الاحتلال، وإنما برزت في محطات سابقة من الصراع، سواء خلال الحروب التي شهدها لبنان أو في المفاوضات التي أعقبتها، حيث سعى الاحتلال بصورة متكررة إلى تحويل ما يحققه على الأرض إلى أدوات ضغط تستخدم في المسارات السياسية والدبلوماسية.

وفي المقابل، يؤكد سهلب أن المقاومة ما تزال تحتفظ بقدرات عسكرية كبيرة لم تُستخدم بكاملها حتى الآن، مشيراً إلى أن إدارتها للمواجهة تتم وفق حسابات ميدانية واستراتيجية دقيقة تأخذ بعين الاعتبار تطورات المعركة وأهدافها بعيدة المدى، وهو ما يفسر استمرار قدرتها على التأثير في مجريات المواجهة رغم التصعيد الإسرائيلي المتواصل.

ويبين أن استمرار عمليات المقاومة في جنوب لبنان يعكس، في جوهره، فشل الاحتلال في فرض معادلات جديدة أو تحقيق أهدافه المعلنة، على الرغم من حجم العمليات العسكرية والضغوط السياسية التي يحظى بها بدعم أمريكي.

ويكشف التصعيد العسكري للعدو الإسرائيلي مع تصاعد الضغوط السياسية والمسار التفاوضي القائم عن محاولة واضحة لتعويض الإخفاقات الميدانية لقوات العدو عبر فرض وقائع جديدة على الأرض وانتزاع تنازلات سياسية من الجانب اللبناني.

غير أن استمرار عمليات المقاومة وتواصل استهدافها لقوات العدو الإسرائيلية والمغتصبات الشمالية يشيران إلى أن موازين الميدان لا تزال تحول دون تحقيق الاحتلال لأهدافه، وأن مسار المواجهة يبقى مفتوحاً على احتمالات متعددة في ظل عجزه عن حسم المعركة عسكرياً أو فرض شروطه بالقوة.