المقاطعة تتصاعد من الشارع إلى المؤسسات.. ضغوط اقتصادية وسياسية متنامية على العدو

11

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
24 مايو 2026مـ – 7 ذو الحجة 1447هـ

في ظل تصاعد العدوان الصهيوني على فلسطين وامتداد جرائمه إلى أكثر من ساحة عربية، تتجه المقاطعة الشعبية والاقتصادية لتتحول من مجرد رد فعل عاطفي إلى أداة ضغط متنامية تتسع رقعتها يوماً بعد آخر، مدفوعة بحالة غضب شعبي متصاعدة، وبقناعة متزايدة بأن المعركة تتجاوز الميدان العسكري لتشمل الاقتصاد والاستثمار والتجارة وسلاسل التوريد العالمية.

وفي هذا السياق، يتصدر اليمن معركة الوعي بأهمية سلاح المقاطعة، وذلك من خلال المحاضرات المتواصلة للسيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي بشأن أهمية هذا السلاح لتفادي الشراكة في جرائم العدو الصهيوني والأمريكي، والوقاية من السموم التي يودعونها في المنتجات والبضائع التي يبيعونها للشعوب.

ومع تزايد الدعوات إلى مقاطعة الشركات الداعمة للكيان الإسرائيلي، بدأت آثار هذا الحراك تظهر على مستويات متعددة، من تراجع المبيعات والخسائر السوقية، إلى انسحاب صناديق استثمار كبرى، وتعاظم المخاوف داخل الأوساط الاقتصادية الإسرائيلية من اتساع دائرة العزلة الاقتصادية والأكاديمية والتجارية، في وقت تتنامى فيه الضغوط الشعبية في العالمين العربي والإسلامي، وحتى داخل الدول الغربية.

وفي المقابل، تتزايد الدعوات لتحويل المقاطعة إلى مشروع اقتصادي واستراتيجي طويل الأمد، يقوم على تعزيز الإنتاج المحلي، وبناء اقتصاد مستقل، وتقليص التبعية الاقتصادية للخارج، باعتبار أن المقاطعة تتجاوز كونها وسيلة لمعاقبة الاحتلال وداعميه، لتصبح فرصة لإعادة بناء الاقتصادات العربية والإسلامية على أسس إنتاجية أكثر استقلالاً وقدرة على الصمود.

وفي هذا السياق، يؤكد الخبير في الشؤون الاقتصادية الدكتور عماد عكوش أن المقاطعة الشعبية للمنتجات المرتبطة بالكيان الإسرائيلي أو الداعمة له تترك آثاراً مباشرة على الشركات الكبرى، خصوصاً الشركات الاستهلاكية التي تعتمد على الأسواق العربية والإسلامية، موضحاً أن تراجع المبيعات يؤدي تلقائياً إلى تراجع الأداء المالي والقيمة السوقية لهذه الشركات، ويدفعها لإعادة النظر في استمرار دعمها للكيان الإسرائيلي.

ويشير، في مداخلة على قناة المسيرة، إلى أن عدداً من الشركات بدأ بالفعل الانسحاب من الأسواق الإسرائيلية وسحب استثماراته، نتيجة الضغوط المتزايدة والخسائر المتوقعة، مؤكداً أن الهدف الأساسي يتمثل في تحويل المقاطعة إلى عمل مؤسساتي منظم قادر على جر المزيد من الشركات والصناديق الاستثمارية إلى الانخراط في سحب استثماراتها من الكيان الإسرائيلي.

ويوضح عكوش أن صناديق سيادية دولية، بينها الصندوق النرويجي والنيوزيلندي والهولندي، بدأت فعلياً بسحب استثماراتها من البنوك والشركات الإسرائيلية، معتبراً أن هذه الخطوات ترفع كلفة الاستدانة على الشركات الإسرائيلية وتجبرها على الاقتراض بفوائد مرتفعة، مما ينعكس سلباً على الأداء الاقتصادي والإنتاجي داخل الكيان.

ويضيف أن حملات المقاطعة أدت أيضاً إلى تراجع ثقة المستثمرين في الاقتصاد الإسرائيلي، ودفعت أوساطاً أكاديمية ونقابية وشركات وأصحاب رؤوس أموال إلى تقليص تعاونهم مع الكيان، مما يزيد من مستوى المخاطر الاقتصادية ويعمق أزمة الثقة بالاستدامة الاقتصادية الإسرائيلية.

ويتطرق إلى تداعيات المقاطعة على التجارة الخارجية، موضحاً أن الكيان الإسرائيلي يعتمد بشكل كبير على تصدير المنتجات الزراعية إلى أوروبا والولايات المتحدة، إلا أن تنامي المقاطعة دفع متاجر وشركات كبرى للمطالبة بتحديد منشأ المنتجات الإسرائيلية بشكل واضح، في ظل تزايد عزوف المستهلكين عنها حتى داخل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

ويلفت إلى مقاطعة بعض المرافئ في إيطاليا وبلجيكا للسفن الإسرائيلية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع كلفة الشحن والتأمين البحري وخسارة جزء من سلاسل التوريد التي كان يعتمد عليها الكيان، مؤكداً أن المقاطعة المؤسساتية التي تنفذها الدول والصناديق السيادية أكثر تأثيراً من المقاطعة الشعبية، رغم أهمية الأخيرة في إحداث فارق ملموس.

وعلى صعيد الاقتصادات العربية والإسلامية، يبيّن عكوش أن المقاطعة قد تخلق بعض الاضطرابات قصيرة المدى في سلاسل التوريد والعمالة، إلا أنها على المدى المتوسط والبعيد تمثل فرصة لتحويل الاقتصادات من نمط استهلاكي إلى نمط إنتاجي، عبر تعزيز الصناعات المحلية وزيادة الإنتاج الزراعي والصناعي وبناء سلاسل توريد مستقلة.

ويستدل بتجربة إيران التي دفعتها العقوبات إلى توسيع الإنتاج المحلي وتحقيق مستويات مرتفعة من الاكتفاء الذاتي، مؤكداً أن اليمن يمتلك بدوره مقومات اقتصادية وزراعية وطاقة متجددة تؤهله لتحقيق إنتاج محلي واسع إذا ما جرى تعزيز هذا التوجه.

وفي ختام مداخلته، يلفت الخبير الاقتصادي الدكتور عماد عكوش إلى أن الضغوط الأمريكية والعقوبات تشكل أحد أبرز العوائق أمام الأنظمة العربية التي تخشى فقدان الدعم الخارجي بسبب ضعف ارتباطها بشعوبها.

التجربة اليمنية في المقاطعة أنموذجاً:

من جانبه، يؤكد الكاتب والباحث السياسي الفلسطيني حمزة البشتاوي أن جرائم الاحتلال الصهيوني في فلسطين ولبنان ساهمت في توسيع رقعة المقاطعة الشعبية في العالمين العربي والإسلامي، مشيراً إلى أن كل تصعيد إسرائيلي يقابله اتساع أكبر في حملات المقاطعة.

ويوضح، في مداخلة على قناة المسيرة، أن المقاطعة ليست ظاهرة جديدة، بل تمتد جذورها في التاريخ الفلسطيني منذ إضراب عام 1936، مروراً بانتفاضة الأقصى عام 2000، وصولاً إلى حرب الإبادة الحالية على غزة، معتبراً أن اتساع المقاطعة يفتح “ثقوباً في جدران حماية الكيان الصهيوني”، ويعبر عن حالة وعي شعبي متنامية تجاه الجرائم الإسرائيلية.

ويشير البشتاوي إلى أن المقاطعة فعل فردي مباشر لا يحتاج إلى أطر حركية أو تنظيمية، مؤكداً أن التجارب التاريخية أثبتت تأثيرها السياسي والاقتصادي والإعلامي، لافتاً إلى أن التجربة اليمنية تميزت بكون المقاطعة فيها رسمية وشعبية في آن واحد، وهو ما منحها تأثيراً أكبر مقارنة بدول عربية أخرى.

وينتقد بعض وسائل الإعلام العربية التي قال إنها تحارب اتساع المقاطعة وتعمل كـ”أبواق صهيونية” بقرارات ممنهجة، مؤكداً أن آثار المقاطعة بدأت تظهر بوضوح من خلال حالات الإفلاس، وقرارات المقاطعة الأوروبية، ومنها القرار الهولندي والقرار الإسباني، إضافة إلى مقاطعة جامعات ومؤسسات أكاديمية للكيان الإسرائيلي.

ويوضح أن الحصار البحري الذي يُفرض على الكيان الإسرائيلي يؤثر في اقتصاد يعتمد بنسبة كبيرة على النقل البحري، في حين تقوم بعض الدول العربية بفتح جسور برية لتخفيف آثار هذا الحصار، مستنكراً انخراط تلك الدول والأنظمة في دعم الكيان الصهيوني بشكل مباشر بدلاً من مقاطعته.

ويقول إن بعض دول الخليج ما زالت تروج للبضائع الإسرائيلية أو ترتبط بشراكات مع شركات أمريكية داعمة للكيان، موضحاً أن بعض هذه الشركات قدمت دعماً مباشراً لجنود الاحتلال خلال حرب الإبادة على غزة، معتبراً أن بعض الأنظمة انتقلت من مرحلة “الخذلان” إلى مرحلة “الشراكة” مع الاحتلال.

وفي ختام مداخلته، يؤكد البشتاوي أن المقاطعة تمثل شكلاً من أشكال المقاومة، وأن تأثيرها بات واضحاً إلى درجة أن الإدارة الأمريكية تضغط لإلغاء قوانين مقاطعة الكيان الصهيوني في بعض الدول، كما يحدث في لبنان، معتبراً أن ذلك يعكس حجم القلق من تنامي هذا المسار واتساع تأثيره الاقتصادي والسياسي.