مقاومة لبنان تُكرّس معادلة الفخ المميت وتُعيد العدو إلى عقدة الشريط الحدودي
ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
23 مايو 2026مـ – 6 ذو الحجة 1447هـ
تفرض المقاومة الإسلامية في لبنان، واقعًا استراتيجيًّا وعسكريًّا جديدًا، يتبدّى في تكريس معادلة شديدة الوضوح والخطورة، المنطقة الأمنية العازلة جنوبي لبنان هي فخ مميت لجنود العدو، ويعيد هذا المشهد القائم على استنزاف متراكم وممنهج لعصابات الاحتلال الإسرائيلي، إلى الأذهان وبقوة عقدة الشريط الحدودي التي طاردت قادة الكيان المؤقت وحفرت عميقاً في وعيهم في حقبة ما قبل عام 2000م.
ولكنها بمعطيات الميدان الاستشهادي والتقني، تعود اليوم بنسخة حديثة ومطوّرة؛ نسخة تستند إلى تكنولوجيا أسلحة القرن الحادي والعشرين اللامتكافئة، حيث تتماهى المسيّرات والمحلّقات الانقضاضية مع الحرب النفسية الرقمية لتصنع مأزقاً وجودياً لقوات النخبة الصهيونية خلف الحدود.
ومن زاوية التحليل العسكري، فإن ما تشهده الجبهة اليوم ليس مجرد تصدٍّ تقليدي، بل هو إعلان عن تفوق المقاومة في إدارة معركة الإعماء البصري والالكتروني والتدمير النقطوي، مقابل عجز صهيوني كامل عن حماية القوات والمستوطنات في آن معًا، واللجوء البديل المتوقع إلى سياسة الأرض المحروقة عبر غارات جوية هستيرية.
في العمق العملياتي والتكتيكي لليوم السبت، برزت عمليات المقاومة كمنظومة متكاملة توازن بين الاستهداف النقطوي الدقيق والاستنزاف التكتيكي طويل الأمد، مع تركيز جغرافي حاسم على محاور التوغل، وتدمير منهجي للقدرات النوعية للعدو، جنبًا إلى جنب مع شل حركة سلاحه الجوي المسيّر.
وترجمت المقاومة هذا التوجه بسلسلة ضربات نوعية بدأت عند الساعة 22:30 من ليل الجمعة، حين دكّ المجاهدون تجمّعاً لجنود العدو الإسرائيلي عند مجرى النهر في أطراف بلدة دير سريان بقذائف المدفعية، دفاعًا عن لبنان وردًّا على الخروقات المستمرة لوقف إطلاق النار والاعتداءات على القرى الآمنة.
ومع حلول منتصف الليل، امتدت يد المقاومة لتطال عين العدو في السماء، متصدية بصاروخ أرض-جو لمسيّرة صهيونية معادية من نوع “هيرون 1” في أجواء منطقة البقاع، ما أجبرها على الانكفاء والمغادرة فورًا، في رسالة واضحة مفادها أن الأجواء اللبنانية لم تعد مستباحة للاحتلال.
ولم يكد صباح اليوم يشرق حتى انتقلت المقاومة إلى مرحلة كي الوعي الفعلي وإعماء المنظومات الدفاعية التكتيكية للاحتلال؛ ففي تمام الساعة 09:00 صباحًا، استهدف المجاهدون منصّة قبّة حديديّة في ثكنة “بِرانيت” بمحلّقة أبابيل الانقضاضيّة محققين فيها إصابة مؤكدة، ليتبعوها بعد نصف ساعة فقط، باستهداف المنصّة الثانية للقبّة الحديديّة في الثكنة ذاتها وبالمحلّقة نفسها، محققين إصابة مؤكّدة أخرى.
كما استهدف المجاهدون منصّتي قبّة حديدية للعدو الإسرائيلي في ثكنة “راميم (هونين)” بمسيّرتي “أبابيل” الانقضاضية، وآلية هندسية للعدو في مدينة “بنت جبيل” بالمسيّرة ذاتها، وتدمير جهازًا فنيًّا لجيش العدو في موقع جل العلام، وآلية قيادية في الموقع ذاته وبنفس السلاح، ما أدى إلى احتراقها واحتراق آليتين بقُربها.
ويرى مراقبون أن هذا الاستهداف المزدوج لشبكة الدفاع الجوي يحمل دلالة عسكرية بالغة الخطورة، حيث يعكس قرار المقاومة بتدمير “المنصات الاعتراضية” تكتيكيًّا لتسهيل المرور الحر لأسراب مسيّراتها وصواريخها اللاحقة، وتحويل الجندي الصهيوني إلى هدف مكشوف تمامًا أمام كاميرات الإعلام الحربي.
وتزامن هذا العرض الميداني مع بث الإعلام الحربي لمشاهد مصورة توثق استهداف موقع “هضبة العجل” وثكنات “أفيفيم، راميم” (هونين)، “راموت نفتالي ومعاليه غولاني” بسربٍ من المسيّرات الانقضاضية بتاريخ 19 مايو، ومشاهد أخرى لعملية تدمير آلية هندسية تابعة لجيش العدو في “خلة الراج” عند أطراف بلدة “دير سريان” بمحلّقة انقضاضية بتاريخ 21 مايو الجاري.
ونشر الإعلام الحربي مشاهد استهداف آلية قائد “اللواء 300” الصهيوني لتكتمل الصورة القيادية للميدان بالصوت والصورة العسكرية والفرقعة النفسية، بنشر فاصل بعنوان: أبابيل المقاومة الإسلامية فوق مستوطنة “شوميرا” شمالي فلسطين المحتلة.
كما أن المعطيات الميدانية المتلاحقة تكشف عن نضوج تكتيكات المقاومة التي باتت تُعرف بـ “حرب العصابات عالية التقنية”؛ فلم يعد الأمر مقتصرًا على الصواريخ والعبوات التقليدية، وإنّما انتقل الجهد العسكري نحو استخدام المحلّقات الانقضاضية وأسراب المسيّرات المعتمدة على تقنية الألياف الضوئية، وهي تقنية تمنح السلاح دقة إصابة تصل إلى 100%، وتحوّله إلى سلاح قنص جوي يطارد الدبابات والآليات والجنود فردًا فردًا، متجاوزًا كافة منظومات التشويش الحربي.
ويتكامل هذا التكتيك الهجومي مع تكتيك آخر يتمثل في الحرمان من القيادة والسيطرة، عبر رصد وقصف المراكز القيادية المستحدثة للعدو فور إنشائها في مناطق التوغل كما جرى سابقًا في البياضة، ما يتسبب بإرباك شامل للقوات المتموضعة ويقطع أوصال إدارتها للعمليات البرية.
في المقابل، تظهر تكتيكات العدو عاجزة وقاصرة، ومبنية على مستويين اثنين، هما؛ الاعتماد الكلي على الغطاء الجوي التدميري العنيف، والمحاولة البائسة لإنشاء تموضعات داخل القرى المحتلة مثل “البياضة ومارون الراس” عبر نصب خيم ومراكز مستحدثة، ظنًا منه أن الجغرافيا أو ركام الأبنية المدمرة قد يوفر له حماية، ليتفاجأ بأن الرصد الدقيق للمقاومة يحوّل هذه التموضعات إلى مقابر جماعية تقتحمها المسيّرات الانقضاضية من النوافذ والأبواب المشرعة.
ووفقًا لوسائل إعلام العدو؛ فإنّ الفشل الذريع والمزمن في حماية القوات الغازية والمستوطنات الشمالية على حد سواء، وجد صداه الصاخب والواضح داخل البنية الفكرية والعسكرية للكيان المؤقت؛ فقد اعترف المحلل العسكري لصحيفة “معاريف”، الصهيوني “ألون بن دافيد”، بالأزمة الاستراتيجية المستعصية التي تعصف بجيش الاحتلال، واصفاً ما يجري بأنه تكرار لـ “مسيرة الحماقة”، ومؤكّدًا أن القيادة العسكرية الحالية تقع في الخطيئة التاريخية ذاتها لحقبة التسعينيات، حيث “تحولت المنطقة الأمنية الجديدة إلى مصيدة وفخ مميت لا يحمي الشمال، بل يجعل من الجنود مجرد دروع بشرية للمستوطنين”.
وكشف “بن دافيد” عن تفوق استخباري وتكتيكي مرعب للمقاومة، مستشهدًا بكمين محكم بعبوة ناسفة استهدف قوة صهيونية خاصة مشكلة من وحدتين في منطقة الليطاني، حيث نجح مجاهدو المقاومة في مراقبة القوة بدقة متناهية، وتحليل مسارها، وزرع وتفجير العبوة في التوقيت القاتل.
وأقر المحلل الصهيوني بفشل فكرة “المنطقة العازلة” التي لم تستطع حماية المستوطنات حتى من الصواريخ المضادة للدروع، كما حدث في مرتفع “الحمامص” على بعد 300 متر فقط من مستوطنة المطلة.
الأخطر من ذلك، بحسب اعترافاته، هو الرعب النفسي وكي الوعي الذي تبثه مسيّرات الألياف الضوئية للمقاومة، حيث يشعر الجندي بأنه مستهدف بصورة شخصية وملاحق كالفريسة، محذرًا من تحول الجنود الصهاينة إلى مرحلة التوسل والبكاء لإنقاذ حياتهم أمام كاميرات المقاومة، على غرار المشاهد المألوفة في جبهات القتال في أوكرانيا.
ولم تكن الأوساط الإعلامية والميدانية للاحتلال بعيدة عن هذا الاعتراف بالهزيمة الاستراتيجية على مدار الساعات الـ24 الماضية؛ إذ ضجت وسائل الإعلام العبرية بأخبار صفارات الإنذار التي دوت في “كريات شمونة وكفار جلعادي”، وكذا “المطلة” في “إصبع الجليل”، خشية تسلل الطائرات المسيّرة، وأكّدت إذاعة جيش العدو رصد نحو 10 انفجارات لمحلّقات مفخخة في المنطقة الحدودية.
واعترف المتحدث باسم جيش الاحتلال بمصرع جندي وإصابة ضابط وجندي أحدهما بإصابة خطيرة جراء هجوم بمسيّرة لحزب الله في جنوب لبنان أمس الجمعة، وانفجار مسيّرة في كريات شمونة منطقة “أدميت”، وأخرى مفخخة في موقع رأس الناقورة الاستراتيجي تسببت باندلاع حريق واسع، معلنًا عن فتح تحقيقات في فشل أنظمة الكشف والرصد في تفعيل الإنذارات.
وعلق المحلل الصهيوني “آفي أشكينازي” في صحيفة “معاريف” بمرارة قائلاً: “يتمركز الجيش وراء الحدود، ولكن هنا ينتهي كل شيء، فذلك لم يغير الواقع الاستراتيجي”، مقرًا بأن حزب الله لا يزال يمتلك زمام المبادرة الكاملة ويطلق الطائرات والصواريخ متى شاء بالعدد والاتجاه اللذين يريدهما، في حين نقلت “يديعوت أحرونوت” عن أحد المستوطنين في رأس الناقورة صرخة عجز لخصت المشهد: “المنطقة هنا تُصنف عسكرية، وحزب الله يعتبرها كذلك ويهاجمها بالمحلّقات، ونحن عالقون هنا وسط هذا الجحيم”.
وأمام هذا التهاوي الميداني الشامل للعدو، وجد الاختلال الصهيوني نفسه عاجزًا عن الرد البري، فلجأ كعادته التاريخية الجبانة إلى استخدام القوة التدميرية المفرطة والنيران الجوية والمدفعية الهستيرية كغطاء لتعويض خسائره الفادحة واستهداف البيئة الحاضنة للمقاومة.
وشن الطيران الحربي الصهيوني، خلال الساعات الـ48 الماضية، غارات عنيفة شملت أكثر من 21 بلدة في الجنوب اللبناني، امتدت من “المنصوري ومجدل زون” في القطاع الغربي، وصولاً إلى “تبنين والخيام” شرقًا، وصعودًا نحو مدينة “النبطية” ومحيطها، بالإضافة إلى غارات في العمق استهدفت “جرود بريتال – الخريبة” في البقاع.
وتزامن هذا العدوان الصهيوني مع تحليق مكثف للطيران المسيّر الذي نفذ غارات استهدفت 8 مناطق جنوبية، تركزت في قضاءي “صور والنبطية”، حيث ركز الاحتلال على ملاحقة الأهداف المتحركة التي تبين أن معظمها يتبع لطواقم الإسعاف والدفاع المدني، في محاولة يائسة وشائنة لقطع الشرايين الإغاثية وشل حركة المقاومة.
ولم يسلم الجنوب من القصف المدفعي الذي طال أكثر من 20 بلدة، في سعي صهيوني بائس لإنشاء ستائر نارية تمنع التحركات المدنية، لكنها في محصلة اليوم العسكري الطويل، أخفقت في كسر إرادة الميدان أو ثني المقاومة الإسلامية عن إتمام حياكة شباك مصيدتها التكنولوجية التي تحوّل جغرافيا الجنوب اللبناني إلى مقبرة كبرى لآليات وجنود الاحتلال.
