مسيرات غضب يمانية تعيد أعداء الإسلام إلى مربعهم الأول

0

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
19 مايو 2026مـ – 2 ذو الحجة 1447هـ

تقرير || وديع العبسي

في التفاصيل التي ترسمها ملامح الوجوه وهي تحتشد بصورة هادرة في ميادين الحرية، وفي الجهد الذي يبذله المُسن والمُقعد والجريح، وفي اجتهاد الطفل وهو يحاول أن يماثل حركة وتعابير من هم أكبر منه سنّاً، رسم اليمنيون -بكل فئاتهم في ميدان السبعين بالعاصمة صنعاء، وباقي ساحات العزة على مستوى المدن والقرى وحتى المربعات السكنية- لوحة الحميّة والغضب لكتاب الله عز وجل.

منذ اللحظة الأولى للفعل “السخيف” الذي ارتكبه أحد فاقدي القيم من المتأثرين بالمدرسة الإبستينية، هبّ أبناء الإيمان والحكمة يكتبون رسائلهم خلال وقفات ومسيرات وندوات وفعاليات، بلغت ذروتها في الاحتشاد المليوني الذي جاء استجابة لدعوة السيد القائد.

جاءت سرعة الاستجابة، و”ضخامة” التجمع لتؤكد ما أكده اليمنيون وسيظلون، بأن لا حياد، ولا تأجيل، ولا تنميق للموقف المتخاذل عندما يعني الأمر ثوابت الدين والعقيدة، وعندما يعني الأمر محاولات عدوانية لفصل المسلمين عن هويتهم الإيمانية، وعندما يعني أقدس المقدسات البشرية. وهي رسالة تؤكّد أن الشعب اليمني -بما يشهد له التاريخ من مواقف خالدة مع الحق منذ فجر الإسلام- سيبقى حاضراً بمواقفه في معركة الدفاع عن الأُمَّة ومقدساتها، رافضاً للخضوع والانكسار.

القرآن الكريم كتاب حياة وناظم لكل مفاهيم التعايش، بالصبغة التي تمنح وتحفظ للإنسان عزته وكرامته ليصير المساس به مساساً بهذه العزة والكرامة، ومحاولاتٍ “وقحةً” لفصل المنتمين له عن هذه الثقافة القرآنية. والأكيد أن جهل الكثير من العالم بمضامين كتاب المسلمين هو ما يجعلهم يتوارون خلف السلبية واللامبالاة، على غير اليهود الصهاينة والمتصهينين، الذين يزعجهم كل هذا السمو الذي يرسخه القرآن الكريم للقيم الإنسانية، ويجعل من المسلمين قادة للشعوب ضد قوى الكفر والضلال و”سخافات” المتأثرين بهم والمسلوبين بنموذجهم.

القيام بمهام الشيطان في إضلال الأمم
خروج “الإثنين” عكس استثنائية الموقف والشعارات، بهذا الحشد الكبير والهادر، وبهذا التأكيد بأن القرآن الكريم وما يدعو له، هي محددات وموجهات برامج العمل للمسلم، وهي ليست خططاً سنوية أو خمسية، وإنما خطط لكل وقت تحاول فيه قوى الشر أن تفرض لها حضوراً مستداماً للقيام بمهام الشيطان في إظلال الأمم والشعوب وتخديرها بسفاسف الأمور، ليتربع اليهود الصهاينة على رأس الهيمنة وسلب البشر إرادتهم.

ظهرت المسيرات بمستوى العنوان الذي رفعته، منتصرة للقرآن الكريم والأقصى الشريف، ومجددة لإعلان التضامن مع فلسطين المقاومة ولبنان الشموخ، ومؤكدة على النفير والجهوزية في مواجهة قوى الظلام. إنهم حالة استثنائية، في زمن التراخي والتماهي والانبطاح مع قوى محور الشيطان. تأتي وقد أدرك اليمنيون المخطط الغربي الإمبريالي في السيطرة على الشعوب ومصادرة قرارها ونهب ثرواتها، فرفعوا راية الرفض لواقع الوصاية والهيمنة الذي تعيشه غالبية الدول العربية والإسلامية.

ويزعج أعداء الإسلام هذه النفرة المستدامة التي وإن خفتت في واقع كثير من المسلمين بفعل تأثير التخدير الماسوني الصهيوني وسطوة الأنظمة، فإنها بلا شك قابلة للانفجار في أية لحظة، وحتى ذلك الحين يبقى اليمنيون عنواناً لمن أراد لنفسه واقع العزة والنجاة من سخط الله سبحانه، يسارعون إلى تلبية دعوة الداعي.

ضد دنس المنظومة الصهيونية
هو الشعب الأبي الذي قال “لا” للغطرسة والاستكبار، و”لا” لاستباحة الأرض والإنسان والمقدسات، وأتْبَع ذلك بمسار جهادي امتلك أمره وقراره بخصوصيته وثوابته، دون الخوف في ذلك لومة لائم، فواجه الغطرسة، وصنع السلاح النوعي والأول على مستوى المنطقة، وأبدع في التكتيكات التي أبهرت العالم بأسره، كما كان المستقل في اتخاذ المواقف الرافضة للخنوع أمام تكرار المحاولات الاستفزازية.

يأبى الشعب اليمني التماهي مع محاولات “تطبيع” مشهد الإساءة إلى المقدسات، وفي غير مرة كان السيد القائد دائماً يعرّي خفايا كل تلك المحاولات أكان بالإساءة إلى القرآن الكريم، أو رسول الإنسانية محمد بن عبدالله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، أو المسجد الأقصى الشريف. ولأن كل ذلك بذاته ثوابتُ في نفوس اليمنيين فقد جاء تفاعلهم تلقائياً، ومعبراً عن نزعة الغيرة على هذه الثوابت من دنس المنظومة الصهيونية.

ولا ينظر الشعب اليمني خلفه حين يخرج للتعبير عن موقفه، ولا يقيس موقفه على ما عليه باقي الشعوب، فيقينه أن التدجين قد أعمل أثره في نفوس غالبية الشعوب. يأبى عليه الانتظار، فمعادلة اليهود هي كما أشار السيد، أنه كلما تأكد الخنوع واستبانت السلبية والخوف، وكلما تبيّن للعدو أن الأنظمة وشعوبها باتت “مردوعة” بفعل الخوف والتهيّب فلا تتجرأ على اتخاذ أي موقف “مزعج” له، تمادى في صلفه.

استنهاض هِمة الأمة وغيرتها
يؤكد السيد القائد أن الحرب على القرآن الكريم هي امتداد للحملة الأمريكية الإسرائيلية ضد الأُمَّة الإسلامية، وأن ما يُرتكب من انتهاكات بحق المقدسات الإسلامية، وفي مقدمتها المسجد الأقصى والشعب الفلسطيني، ليس إلا وجهاً من وجوه المشروع الصهيوني الرامي إلى إخضاع المنطقة، ومسخ هُويتها، وإبعادها عن مصدر قوتها الحقيقي.. القرآن الكريم.

وهذا القول السديد كافٍ -بكل الزوايا- لأن يستنهض في الأمة همتها وغيرتها ونخوتها وضميرها للتحرك العارم ولو بالمسيرات الغاضبة، فالأمر -وإن كان أولياً- بمقدوره تأكيد رسالة التحذير بأن الخطوة لن تبقى في حدود الحشد، وإنما إعلان الاستنفار والتحرك لفرض واقع جديد ينحسر فيه هذا التأثير الصهيوني، ودفاعاً عن مقدسات المسلمين.

كما يأتي وجوب مثل هذا التحرك في هذا الوقت، نظراً لما صار عليه العدو من “تبجح” في إظهار عدائيته للإسلام والمسلمين ومقدساتهم، وتكرار حادثة الإساءة للقرآن الكريم، والاستمرار في تدنيس الأقصى الشريف، وكذلك إظهار نواياه تجاه العرب والمسلمين، وبدء التحرك العملي تجاه تحويل الحلم التلمودي بالكيان الإسرائيلي الكبير إلى واقع، وتحويل الأمة على إثر ذلك إلى أقليات في أرضهم، يعيشون في ظله ويأتمرون بأوامره، ما يُظهر حجم الخطر.

يؤكد السيد القائد أن أخطر ما في المرحلة الراهنة أن العدوّ الصهيوأمريكي لم يعد يخفي نواياه، هَا هو يعلنها صراحة تحت عناوين مثل “إعادة تشكيل الشرق الأوسط”، و”إسرائيل الكبرى”، مستنداً إلى الهيمنة الأمريكية والدعم الغربي الكامل لكيان الاحتلال.

تأجيج قلق أعداء الإسلام
يعزز الخروج المليوني حالة القلق التي يعيشها العدو الأمريكي الإسرائيلي وإدارة الغرفة الصهيونية في واشنطن بتأكيد اليمنيين الثباتَ على مبدأ الرفض للمشروع الماسوني، ويزداد وقع القلق مع تشكل قناعة مخيفة مفادها أن النفرة الاستثنائية حين تأتي غيرة على المُقدّس الديني، فإن التأثر بها على مستوى العالم أمر وارد. زد على ذلك أن اليمن قدم نموذجاً محفزاً، حين كسر فعلياً حاجز الخوف وخرج “بكل أريحية” لجهة تحسس الحسابات، ليكتب الرسالة “المزعجة” والمعززة من مخاوف العدو الأمريكي الصهيوني من هذا الشعب، فالبلد المحصن من مخططات التدجين، ومالك القضية، والمكتسي بثوب الإيمان، بإمكانه مناهضة مشاريع أعدائه.

ووفق النظرة الأمريكية و”الإسرائيلية”، فإن الشعب اليمني وهو يخرج كلما دعته المسؤولية إلى ذلك، لا يعنيه قمم ولا بيانات فارغة إلا من الحبر ورسم الكلمات، أدرك أن المؤتمرات باتت -بشكل أو بآخر- خطوة عملية لامتصاص أي غضب قد يعتمل في الشارع العربي والإسلامي، بدليل أن كل القمم التي شهدتها الأمة لم تغب عنها القضية الفلسطينية، لكنها ظلت ولا زالت تراوح نفس المكان بعبارات الإدانة والاستنكار التي يعقبها العدو المحتل دائماً بارتكاب العنف والمجازر.

الأمة تبقى معنية بكسر عزلتها
هذا هو الشعب الذي ساند -وبكل بسالة- الشعبَ المستضعف في غزة وكل فلسطين، بينما كان لا يزال يعاني آثار الحقد الإمبراطوري الذي شن عليه عدواناً ظالماً طيلة ثمان سنوات، وقدم بسبب موقفه الكثير من التضحيات من أبنائه ومن استقراره، ليأتي الفعل في معركة “الفتح الموعود والجهاد المقدس” مترجماً للقناعات. هو شعب لا “يفتُر” من الخروج ليعلن للعالم أنه في عالي الجهوزية لمواجهة قوى الاستكبار، طالما تجاوزت حدّها، واستمرأت التصور بأن أمة العرب والمسلمين خانعة متكلسة ولا تقوى على شيء.

الأمة أيضاً تبقى معنية بكسر عزلتها عن الانتصار لقضاياها، والدفاع عن استقلالها ومقدساتها. وفي مقابل هذا الخطر، حمّل بيان السيد القائد -الجمعة- الأُمَّة الإسلامية مسؤوليتها الدينية والإنسانية والأخلاقية، مؤكّداً بأنها إذَا لم تتحرّك دفاعاً عن قرآنها ومقدساتها وكرامتها، فإنها تفتح الباب واسعاً أمام الأعداء لاستباحتها وإذلالها.