خبراء ومحللون عسكريون: أطماع الاحتلال “الاستيطانية” تتبدد أمام صمود المجاهدين جنوب لبنان
ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
16 مايو 2026مـ – 29 ذو القعدة 1447هـ
رغم فجاجة المخططات الصهيونية التوسعية وعجز جيش الاحتلال الإسرائيلي الفاضح عن إحراز أي تقدم مستقر في قرى جنوب لبنان الصامدة، تكشفت الأبعاد الحقيقية للعدوان المستمر منذ شهرين جنوب لبنان، حيث يسعى العدو جاهداً إلى تعويض فشله العسكري الذريع بمحاولة قضم الأراضي اللبنانية وتهجير سكانها بهدف إقامة مستوطنات صهيونية تصل إلى مجرى نهر الليطاني، إلا أن هذه الأطماع التهويدية المتبجحة تصطدم بوقائع ميدانية قاسية يصنعها مجاهدو المقاومة، مستمرة في إجهاض أحلام الاحتلال بالاستقرار، وتحويل توغله إلى جحيم يومي مستمر.
وفي هذا السياق يؤكد الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد مالك أيوب أن العدو الإسرائيلي لن يستطيع الاستقرار في جنوب لبنان، كما لن ينعم بالأمن في المناطق التي يحاول التوغل فيها بفضل ضربات المقاومة المبتكرة.
ويشدد في حديثه لقناة “المسيرة”، اليوم أنه وعلى الرغم من قتال العدو منذ شهرين على جبهة بطول 100 كيلومتر تقريباً لم يستطع احتلال أي قرية؛ مع إدراكه أن فكرة تثبيته لنقاط تواجد في قرى الجنوب تجعله هدفًا ثابتًا لصواريخ المقاومة الموجهة ومسيّراتها ومدفعيتها، ما يفسر حركته الدائمة كي لا يصبح هدفاً سهلاً.
ويشير العميد أيوب إلى أن العدو يسعى للسيطرة على التلال العالية ليحكم بالنار كل القرى المحيطة، وصولاً إلى مجرى نهر الليطاني حيث يعتبره حدوده الجديدة ضمن مخطط ابتلاع المنطقة.
ويشيد بصلابة وبسالة أبطال المقاومة اللبنانية الذين يقاتلون بأساليب إبداعية مذهلة رغم تفوق جيش الاحتلال الجوي وتسلحه الميداني، ورغم سياسة الأرض المحروقة التي ينتهجها في الجنوب؛ حيث جرف معظم القرى على الحافة الأمامية بشكل كامل، وأزال معالمها عن الخريطة.
ويرى أن رجال المقاومة يقاتلون بذكاء شديد في ظل ظروف صعبة جداً ودقيقة، حيث يعتمدون على أساليب القتال المرن بالظهور والتسديد ثم التخفي، متآلفين ومتماهين مع طبيعة الأرض الجغرافية وتضاريسها.
وتحدث العميد أيوب عن القفزة النوعية في الجهد الاستخباراتي للمقاومة وقدرتها على استهداف العمق المحتل والمستوطنات، قائلاً إن القفزة النوعية في أعمال رجال المقاومة كانت في استخدام أساليب حديثة ترصد تجمعات العدو، ليس ضمن الأراضي اللبنانية إنما في عمق مستوطنات الشمال؛ في ظل محاولة العدو قدر الإمكان التقليل من التواجد العسكري لجنوده على الأراضي اللبنانية، معتمدًا على مستوطنات الشمال كمنطلق للتقدم باتجاه الأراضي اللبنانية.
ويلفت إلى رصد المقاومة لتجمعات وتحركات العدو ومركباته وآلياته بطريقة سرية جداً، استعدادًا لاستهدافه عبر نصب الكمائن له على المسارات الرئيسية والفرعية، مستعينة بأجهزة رادات وكاميرات حرارية مزروعة على التلال المشرفة والحاكمة، لافتاً إلى طريقة استخدام المقاومة المُسيّرات الانقضاضية التي تنطلق مباشرة لاختيار الأهداف وفق معلومات استخباراتية مسبقة، تقوم على البحث عن الهدف المثالي، واصطياده من نقطة ضعفه؛ فإذا كانت مركبة أو مدرعة، يتم استهداف أجزائها قليلة التدريع لإحداث أكبر ضرر ممكن، وإذا كان الهدف تجمعاً بشرياً يتم استهداف وسطه، أما إذا كان العدو داخل الأبنية، فإن المسيّرة تقوم بأعمال التفاف لتدخل من النوافذ مباشرة لتصل إلى الغرفة التي يتجمع فيها الجنود، مستفيدة من ميزة التحكم عن بُعد والرؤية الواضحة لمسافة تصل إلى 15 كيلومتراً.
واختتم الخبير العسكري حديثه بتذكير اللبنانيين بتصريحات المجرم الصهيوني المتطرف إيتمار بن غفير بشأن خطط إجلاء الفلسطينيين من غزة والضفة وتأكيده على مخطط الاستيطان الصهيوني جنوب لبنان، محذراً من أن العدو أعلن صراحة رغبته في تطهير هذه المنطقة بالكامل من السكان لـ “إقامة مستوطنات على الأراضي اللبنانية”.
وأضاف: “هذه رسالة واضحة للمفاوضين اللبنانيين في واشنطن لكي يعلموا أن هدف العدو الإسرائيلي ليس الانسحاب، وإنما التخلص من سلاح المقاومة ليتسنى له احتلال الجنوب اللبناني بسهولة”.
سقوط أوهام “الاحتلال الآمن”
من جانب متصل، يؤكد المحلل والخبير في شؤون العدو الإسرائيلي، علي حيدر، أن المقاومة في لبنان نجحت في اختصار سنوات طويلة من استنزاف الاحتلال إلى أسابيع قليلة، قائلًا إن جيش العدو لم يعد قادرًا على الترويج لسيناريو “احتلال مستقر وآمن” جنوب لبنان، وهو المفهوم الذي بات مجرد ماضٍ وراء الظهر حسب تعبيره.
وأشار حيدر، في تحليلٍ له على قناة “المسيرة”، اليوم، أن الفعل المقاوم تجاوز في وتيرته وتأثيره مراحل العمل التراكمي السابقة التي كانت تستغرق سنوات لتنتقل من الميدان إلى مجتمع العدو ومؤسساته العسكرية والسياسية، مؤكداً أن مفاعيل العمليات وصلت اليوم مباشرة إلى أعلى هرم القرار السياسي والعسكري في الكيان الصهيوني، وهيمنت بالكامل على خطابه الإعلامي إلى جانب الاعترافات بالعجز على لسان كبار قادة جيشه.
وأوضح حيدر أن هذا الواقع الجديد أسقط سيناريوهات رئيسية كان يعتمد عليها الاحتلال، وأبرزها فرضية “الأمن والاستقرار” وعجز العدو عن إقناع مستوطنيه بإمكانية تكريس احتلال هادئ، بالإضافة إلى سقوط قدرة حكومة الكيان على التكيف مع حجم الخسائر البشرية والمادية الكبيرة التي تتلقاها في الميدان مقابل تحقيق أي أهداف استراتيجية كبرى.
وفي سياق متصل، انتقد المحلل السياسي الأداء الرسمي اللبناني، معتبراً أن السلطة السياسية الرسمية تمثل اليوم أبرز نقاط الضعف التي تواجه لبنان، متفوقةً على التحديات الجغرافية والديمغرافية وضيق الإمكانات المادية للبنان والتي يُستغل غيابها لتمرير سياسات معينة.
واتهم السلطة بانتهاج خيارات واضحة تؤدي إلى مزيد من “الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية”، والتمهيد للالتزام بمطالب الكيان الصهيوني، لافتاً إلى أن الاستراتيجية الرسمية تتعمد تجاهل عناصر القوة الميدانية وتكريس مقولة “لبنان ضعيف ولا حول له ولا قوة” بهدف تبرير غياب الخيارات البديلة، وتقديم مزيد من التنازلات للولايات المتحدة وصولاً إلى المخطط المرسوم بجعل لبنان “محمية أمريكية”.
وفي ختام تحليله، شدد الخبير اللبناني علي حيدر على وجود متغيرات إقليمية هامة تصب في صالح لبنان ومقاومته، متمثلة بالدعم والاحتضان الإيراني من خلال أوراق الضغط عبر بوابة مضيق هرمز والخليج في مواجهة واشنطن، وإصرار طهران على أن يكون المدخل الأساسي لأي اتفاق منطلقاً من الساحة اللبنانية، وهو ما يشكل عنصر قوة جوهري للبلاد بغض النظر عن المواقف الشخصية منه.
داعيًا إلى ضرورة الاستثمار في التناقضات الداخلية لكيان العدو والمأزق السياسي الذي يعيشه، معتبراً أن الحكمة تقتضي استغلال هذه الثغرات بدلاً من الاستمرار في سياسة تجاهل أوراق القوة الوطنية.
