إخفاق الرهانات الصهيونية داخلياً يعمّق مأزق الاحتلال في لبنان
ذمــار نـيـوز || متابعات ||
16 مايو 2026مـ – 29 ذو القعدة 1447هـ
تقرير || محمد ناصر حتروش
لا تزال الجبهة اللبنانية تشهد تصعيداً متواصلاً رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار، في ظل استمرار الخروقات الصهيونية واستهداف المدنيين في لبنان، ما أدى إلى سقوط عشرات الشهداء والجرحى.
وفي المقابل، تواصل المقاومة اللبنانية التصدي للتوغلات الصهيونية في القرى الحدودية بكل بسالة، الأمر الذي يعرقل محاولات الاحتلال تثبيت وجوده داخل تلك المناطق، ويكبّده خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.
ويستفيد العدو الإسرائيلي من حالة التواطؤ الرسمي اللبناني تجاه الاعتداءات المتكررة، ما يشجعه على التمادي في ارتكاب المجازر، مع مواصلة الرهان على أدواته وعملائه في الداخل والخارج لتحقيق أهداف عجز عن فرضها خلال المرحلة الماضية.
ويؤكد الخبير في الشؤون العسكرية العميد عمر معربوني أن استخدام المسيّرات في المواجهة شكّل مفاجأة عملياتية، معتبراً أن ما يجري يمثل تحولاً ميدانياً كبيراً تتراكم نتائجه بصورة متسارعة.
وفي مداخلة له على شاشة المسيرة، يوضح العميد معربوني أن هذا التحول بدأ يترك تبعات سلبية مباشرة على وجود جيش العدو الإسرائيلي في جنوب لبنان، خصوصاً مع استهداف المعدات الحساسة والجنود بشكل يومي، مبيناً أن العمليات اليومية للمقاومة باتت تؤثر بصورة مباشرة على فعالية وقوة الحضور الصهيوني في الجنوب، ولافتاً إلى أن استمرار هذا المسار سيجبر العدو الإسرائيلي على التفكير بانسحاب جدي وحقيقي.
ويضع معربوني مقارنة بين المرحلة الحالية وفترة الاحتلال الصهيوني الممتدة بين عام 1982 وحتى الانسحاب عام 2000، لافتاً إلى أن المقاومة احتاجت حينها إلى 18 عاماً من العمليات المرهقة والمكلفة لدفع الاحتلال إلى الانسحاب، مؤكداً أن عدد القتلى الصهاينة خلال عام 1999 بلغ نحو 30 جندياً فقط، ومع ذلك اتخذ الاحتلال الصهيوني قرار الانسحاب من جنوب لبنان.
ويبين أن وتيرة العمليات الحالية تختلف جذرياً عن السابق، موضحاً أن المقاومة تنفذ حالياً عمليات يومية، بينما كانت العمليات في الماضي لا تتجاوز عمليتين أو ثلاثاً شهرياً، مشدداً على أن المقاومة تمتلك اليوم سيطرة عملياتية على مسرح المواجهة، من خلال اعتماد خليط متطور من التكتيكات العسكرية.
ويشير إلى أن الاستخدام الفعّال للتكنولوجيا من قبل المقاومة أسهم في إنتاج معادلة ميدانية جديدة تختلف عن مراحل المواجهة السابقة، موضحاً أن مشاهد هروب الجنود الصهاينة تحمل تأثيراً عسكرياً ونفسياً كبيراً، سواء على أداء الجنود أنفسهم أو على ما يعرف في كيان الاحتلال بـ”الجبهة الداخلية”.
وخلص إلى أن مجمل هذه التطورات يعكس انتقال المقاومة إلى مرحلة أفضل من حيث التحول العملياتي والميداني في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
وتشهد الساحة اللبنانية انقساماً حاداً وتبايناً واضحاً بين الموقف الرسمي للدولة اللبنانية وبين المقاومة، فيما يخص مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وتحقيق السيادة الكاملة للبنان، ففيما تقدم الدولة تنازلات سيادية للاحتلال الصهيوني، تصر المقاومة اللبنانية على التشبث بالسيادة الوطنية ومواجهة الاحتلال حتى دحره وإرغامه على الانسحاب من كافة القرى الحدودية في جنوب لبنان.
وحول هذا الشأن، يقول الكاتب والباحث الإعلامي حسين مرتضى: “إن الشرخ الداخلي في لبنان يتسع بين السلطة اللبنانية والمقاومة وبيئة المقاومة، وصولاً إلى الملفات السياسية والتفاوضية المرتبطة بالوضع الداخلي”، مضيفاً: “هناك ضوء أخضر يُمنح لكيان الاحتلال الإسرائيلي للاستمرار في عدوانه على لبنان، وبعض الجهات الداخلية تحاول تبرير ذلك بصورة غير مباشرة”.
وفي مداخلة له على شاشة المسيرة، يوضح مرتضى أن الهاجس المطروح داخلياً يتمثل في الخشية من ارتدادات خطيرة على الساحة اللبنانية، في ظل سعي سابق لخلط الأوراق وتوسيع دائرة المواجهة الداخلية، مؤكداً أن التصريحات الصهيونية تكشف رهان الاحتلال على اندلاع اقتتال داخلي في لبنان، مستشهداً بتصريحات لمسؤولين صهاينة قالوا فيها إن نزع سلاح حزب الله يجب أن يتم من الداخل اللبناني، وأن الحكومة اللبنانية مطالبة باستكمال هذه المهمة.
ويبين أن التقديرات الصهيونية مع بداية العدوان الأخير على لبنان كانت تقوم على فرضية تحقيق تقدم داخل الجنوب اللبناني من دون مواجهة مقاومة فعلية، منوهاً إلى أن مخطط العدو الإسرائيلي كان يتضمن تحريك بعض القوى السياسية داخل لبنان، إلى جانب الرهان على جماعات مسلحة مرتبطة بالحدود السورية، لاستكمال ما عجز الاحتلال عن تحقيقه ميدانياً.
ويشدد على أن ما يتحدث عنه يتعلق بـ”الهدف الاستراتيجي” المرسوم للبنان، وليس فقط بالتفاصيل الميدانية المرتبطة بالقصف أو التوغلات العسكرية، لافتاً إلى أن المشروع الاستراتيجي الصهيوني يعتمد على ثلاثة مسارات متكاملة: الدور الصهيوني المباشر، وتحرك بعض القوى السياسية اللبنانية، إضافة إلى دور الجماعات المسلحة انطلاقاً من الساحة السورية.
ووفقاً لمرتضى، فإن هذا المشروع فاشل، كونه عجز عن تحقيق أهدافه الاستراتيجية، رغم استمرار المراهنات المرتبطة بالداخل اللبناني.
ويكشف عن وجود توجه أمريكي طُرح خلال الفترة الماضية، مستنداً إلى تصريحات لوزير الخارجية الأمريكي، يقضي بإنشاء قوة داخل الجيش اللبناني تكون مهمتها منع حزب الله من التسلح أو استخدام السلاح، مؤكداً أن الطرح الأمريكي حاول تلطيف العنوان، إلا أن الهدف الحقيقي منه يتمثل في الدفع نحو اقتتال داخلي في لبنان.
ويفيد بأن الرهان كان قائماً على إسناد هذه المهمة إلى الجيش اللبناني، لكنه اعتبر أن هذا المسار فشل نتيجة رفض قيادة الجيش الانخراط في أي مهمة داخلية قد تهدد السلم الأهلي.
وخلص إلى أن المراهنات الحالية باتت تتركز على بعض الخلايا والمجموعات والجهات الداخلية، في ظل سقوط الخيارات الأخرى المرتبطة بالمشروع السابق.
