توترات “هرمز” و تأثيرها على الأمن الاقتصادي العالمي

3

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
19 أبريل 2026مـ – 2 ذو القعدة 1447هـ

تأثرت الأسواق العالمية بأزمة اقتصادية غير مسبوقة لم يشهدها العالم منذ ثلاثينيات القرن الماضي (عندما ضرب الكساد الكبير العالم)، وذلك نتيجة العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران وتداعياته التي لم يقتصر تأثيرها على دولة أو إقليم، وإنما امتدت لتشمل كل دول العالم تقريبا.

وأدى إغلاق مضيق هرمز كنتيجة مباشرة من نتائج العدوان إلى تصاعد الضغط على الأسواق العالمية، في وقت لم تعد فيه تداعيات الأزمة مقتصرة على النفط والغاز، بل امتدت إلى المواد الخام الاستراتيجية، ما ينذر بتحولها إلى نمط جديد من الحرب التجارية المرتبطة بسلاسل الإمداد.

وسجّلت أسواق السلع ارتفاعات ملحوظة في أسعار المعادن الحيوية، التي تُعد مكوّناً أساسياً في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا المتقدمة، الأمر الذي عزّز المخاوف بشأن أمن الإمدادات وزاد من هشاشة الأسواق العالمية.

وتدخل هذه المعادن في طيف واسع من الاستخدامات، بدءاً من بطاريات السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح، وصولاً إلى رقائق الذكاء الاصطناعي والأنظمة العسكرية المتطورة، ما يجعلها من الركائز الأساسية في سلاسل الإنتاج العالمية.

ارتفاع أسعار النفط وأجور النقل

وسُجل في كل الدول العربية، حتى المنتجة للنفط، ارتفاع في أسعار النفط وأجور النقل العام والشحن التجاري للخضروات والحبوب والمنتجات المستوردة بين المدن والموانئ والأسواق.

وكانت مصر الدولة الأولى التي تُعلن عن رفع أسعار الوقود وأسطوانات البوتاجاز وغاز تموين السيارات غداة اندلاع الحرب (العدوان على إيران)، وارتفعت بعدها أسعار الخضروات والفاكهة والحبوب والزيوت النباتية وبعض المنتجات المستوردة ، وفق قناة بي بي سي.

وفي الأردن، ارتفعت أسعار المحروقات أيضًا ومعها تكاليف النقل والكهرباء وأسعار السلع الأساسية، مثل الخبز وبعض المواد الغذائية والمنتجات الاستهلاكية.

وفي لبنان، الذي يعاني أصلاً من أزمة اقتصادية حادة، أدى ارتفاع أسعار الوقود عالمياً إلى زيادة كبيرة في تكاليف النقل والكهرباء، وأسعار المواد الغذائية والسلع اليومية في الأسواق.

وفي المغرب، شهدت أسعار الوقود ارتفاعاً ملحوظاً أدى إلى زيادة تكلفة النقل والشحن الداخلي، وانعكس ذلك على أسعار الخضروات والمواد الغذائية في الأسواق المحلية.

وفي الأراضي الفلسطينية، ارتفعت أسعار البنزين مع بداية العدوان. وفي موريتانيا اضطرت الحكومة إلى زيادة أسعار الديزل بسبب ارتفاع تكلفة استيراد الوقود.

وفي العراق، انخفضت صادرات النفط بشكل حاد، وتسبب إغلاق مضيق هرمز في منع وصول السفن الكبيرة إلى موانئ التصدير جنوبي البلاد، وتوقف معظم شحنات النفط العراقية منها.

وفي دول الخليج، وعلى الرغم من كونها دولاً منتجة للنفط، ارتفعت أسعار بعض السلع المستوردة والمواد الغذائية نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، خاصة في ظل المخاوف المرتبطة بالملاحة في مضيق هرمز.

كما تأثرت أسواق كثير من الدول، ففي الولايات المتحدة أجج العدوان مخاوف المستهلكين بشأن التضخم بعدما قفزت أسعار البنزين بالتجزئة إلى حوالي أربعة دولارات للغالون.

وفي بريطانيا، تواجه وزيرة الخزانة، راشيل ريفز، خيارات صعبة لتمويل الدعم المقدم للأسر البريطانية، وتوقع معهد الدراسات المالية في لندن أن تواجه الوزيرة عجزا كبيرا في نفقات العام المالي الجديد، وتضطر إلى زيادة الإنفاق العام بنحو 20 مليار جنيه إسترليني نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة.

وفي فرنسا، تعاني الموازنة العامة للحكومة من عجز كبير بلغ نسبة 5.1% من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية عام 2025، يصاحبها انعدام أي احتياطيات مالية لتوظيفها في تقديم مساعدات واسعة النطاق لتخفيف أسعار الطاقة، ومع ذلك أعدت الحكومة إجراءات لمساندة قطاعي الزراعة والنقل بالشاحنات بتكلفة 70 مليون يورو.

وفي إسبانيا، وافق البرلمان الإسباني على حزمة من التخفيضات الضريبية بقيمة 5 مليارات يورو للحد من آثار ارتفاع أسعار الطاقة، وتشمل خفض ضريبة القيمة المضافة من 21% إلى 10% على الكهرباء والغاز الطبيعي والوقود.

90 % من نفط آسيا يمر عبر هرمز

وفيما يتعلق بالدول الآسيوية، فإن المسألة تبدو أكثر تعقيداً، حيث تتلقى حوالي 90% من نفطها الخام عبر مضيق هرمز، والنسبة الأكبر من شحنات الغاز، وتستحوذ الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وحدها على ثلاثة أرباع هذه الشحنات، بحسب موقع “ساوث شينا مورنينغ”.

ووفق موقع “العربي الجديد” ، فإن الحصار المطول لا ينعكس حصراً على شح المواد البترولية، بل يمتد إلى تشغيل الطاقة ويشمل الصناعات في جميع أنحاء منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

وقد حذرت شركة “فيتش سوليوشنز” للاستشارات، من أن “تعرض منطقة آسيا والمحيط الهادئ يتركز في النفط الخام والمنتجات البترولية المكررة، مما يؤثر بشكل مباشر على تكاليف مدخلات التصنيع والنقل وتمويل التجارة”.

وقال مستشار المخاطر الجيوسياسية في جنوب آسيا في شركة “تينيو” الاستشارية، أربيت تشاتورفيدي، إنه حتى لو خصصت واشنطن أحكاماً خاصة للهند، فمن غير المرجح أن تغطي هذه الأحكام كامل احتياجات نيودلهي من الطاقة.

إلا أن صدمة الطاقة على الصين لا تزال أقل وطأةً مقارنةً بالدول الآسيوية الأخرى وفق “سي إن بي سي”.

فيما تواجه كل من كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة، التي تعتمد جميعها بشكل كبير على الغاز الطبيعي المسال القطري، انقطاعاً في الإمدادات بعد تضرر منشآت الإنتاج.

وقال نائب رئيس أسواق السلع النفطية في شركة “ريستاد إنرجي” ، جانيف شاه ، إن الدول الآسيوية التي تبحث عن خام بديل ستضطر على الأرجح إلى اللجوء إلى منتجي النفط في “حوض الأطلسي” مثل الولايات المتحدة وكندا وأميركا اللاتينية.

وبات من الواضح أن تداعيات العدوان الأمريكي والصهيوني على إيران ستمتد لتشمل آثارا اقتصادية ومعيشية واسعة على المجتمعات العربية وغير العربية.

ومع استمرار حالة عدم اليقين، تبقى قدرة الدول العربية على إدارة هذه التداعيات مرهونة بمدى استقرار الأوضاع الإقليمية وفعالية سياساتها الاقتصادية للتخفيف من آثار الأزمة.

مضيق هرمز و20 % من نفط العالم

ويعد مضيق هرمز الواقع بين إيران وسلطنة عمان، أهم شريان لضخ الطاقة في شرايين الاقتصاد العالمي؛ إذ يمرّ عبر هذا الممر البحري الضيق ما يقارب خُمس نفط العالم يومياً، حيث تمر فوق مياهه بواخر تحمل ما بين 18 و21 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يعادل نحو 20% من الاستهلاك العالمي.

عامان… لاستعادة إنتاج الطاقة المفقودة

وفي ذات السياق، قال مدير وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول، إن استعادة إنتاج الطاقة التي فُقدت في الشرق الأوسط نتيجة الحرب ستستغرق نحو عامين.

وأضاف بيرول في مقابلة مع صحيفة “نويه تسوريشر تسايتونغ” السويسرية ، ونقلت وكالة رويترز جزءا منها ، “سيختلف ذلك من بلد لآخر. في العراق، على سبيل المثال، سيستغرق الأمر وقتا أطول بكثير مما هو عليه في السعودية”.

وتابع “على أي حال، تشير تقديراتنا إلى أن الأمر سيستغرق عامين تقريبا ‌‌للوصول إلى مستويات ما قبل الحرب”.

وأشار بيرول إلى أن تقديرات السوق تستهين بتداعيات إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة.

وأوضح أن شحنات النفط والغاز التي كانت في طريقها إلى وجهاتها قبل الحرب وصلت الآن، مما يخفف من حدة نقص الإمدادات.

واستدرك “لكن لم يتم تحميل أي ناقلات جديدة في مارس. لم تكن هناك أي شحنات جديدة من النفط أو الغاز أو الوقود إلى الأسواق الآسيوية”.

وأكد بيرول أن “الفجوة تزداد وضوحا الآن. إذا لم تتم إعادة فتح مضيق هرمز، فعلينا الاستعداد لارتفاع كبير في أسعار الطاقة”.

وردا على سؤال حول ما إذا كانت وكالة الطاقة الدولية ستجري عملية سحب جديدة من احتياطيات النفط المخصصة لحالات ‌‌الطوارئ بعد تحركها في مارس، قال بيرول إن الوكالة مستعدة للتحرك فورا وبكل حزم.

وأوضح بيرول “لم ‌‌نصل ‌‌إلى هذه المرحلة بعد، لكن الأمر قيد الدراسة بالتأكيد”.

مستويات الدين العام بلغت أرقامًا قياسية

من جانبه، حذر صندوق النقد الدولي من أن نحو 45 مليون شخص إضافي قد يواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي إذا استمرت الحرب وواصلت تعطيل شحنات الأسمدة.

ويتسابق الصندوق والبنك الدوليان للاستجابة للأزمة ودعم الدول الضعيفة، في وقت بلغت فيه مستويات الدين العام أرقامًا قياسية وأصبحت الميزانيات محدودة، وفق ما ذكر موقع قناة الغد.

وقال الصندوق، إنه يتوقع طلبًا على دعم طارئ في الأجل القصير يتراوح بين 20 و50 مليار دولار للدول منخفضة الدخل والمستوردة للطاقة.

وفي المقابل، قال البنك الدولي إنه قادر على جمع نحو 25 مليار دولار عبر أدوات الاستجابة للأزمات على المدى القريب، وما يصل إلى 70 مليار دولار خلال ستة أشهر، حسب الحاجة.

لكن الاقتصاديين يحثون الحكومات على اتخاذ إجراءات موجهة ومؤقتة فقط للتخفيف من آثار ارتفاع الأسعار، محذرين من أن التدابير الواسعة النطاق قد تؤدي إلى زيادة التضخم.

وفي ذات الاتجاه، حذر الرئيس التنفيذي لشركة بلاك روك (شركة أمريكية لإدارة الاستثمار والاستشارات المالية) ، لاري فينك ، من أن ارتفاع أسعار النفط إلى 150 دولاراً للبرميل، سيؤدي إلى ركود عالمي.

وفي 28 فبراير الماضي، بدأت أمريكا والكيان الصهيوني، عدواناً جديداً على إيران راح ضحيته مئات المدنيين واستهدف المدارس والمستشفيات والمساجد وغيرها من مقدرات الشعب الإيراني.

ورداً على العدوان، أطلقت إيران عملية “الوعد الصادق 4” ضد الكيان الصهيوني والقواعد الأمريكية في المنطقة.

وتفرض الولايات المتحدة حاليًا حصارًا على موانئ إيران في خرق لاتفاق وقف إطلاق النار وتجاوز للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.

وكانت طهران أعلنت فتح مشروط للمضيق امام السفن المدنية إلا أن عدم التزام واشنطن بنص الاتفاق وتنفيذ حصار على موانئ إيران دفعها لإغلاق المضيق.