إعلان الـ 17 من إبريل حسمٌ استراتيجيّ للمقاومة يكسر غطرسة العدو ويفرض معادلة النصر
ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
18 أبريل 2026مـ – 1 ذو القعدة 1447هـ
مثّل النصف الأول من إبريل الجاري، المنعطف اللافت والأكثر تأثيرًا في تاريخ المواجهة المعاصرة ضد العدو الصهيوني، حيث تحوّل الجنوب اللبناني من ميدانٍ للدفاع الموضعي إلى مسرحٍ لعملية ردع استراتيجي شاملة في إطار معركة “العصف المأكول”، التي أعادت رسم معادلات النصر، وكسرت الغطرسة والتمادي الصهيوني في الاستباحة للأرض والسيادة اللبنانية.
فإذا كان شهر مارس الفائت، قد شهد تحطم أمواج الغزو البري الصهيوني عند صخرة القرى الحدودية؛ فإن الأيام الـ 16 التي سبقت وقف إطلاق النار في الـ 17 من إبريل، كانت ذروة الانهيار لمشروع الاستباحة الصهيوني، والمرحلة التي استنفد فيها العدو كامل بنكه التدميري دون جدوى، ليصطدم بعقلٍ مقاوم مبدع وقبضات كربلائية لم تكتفِ بصد العدوان، وإنّما نقلت المعركة إلى أعماق لم يتخيلها قادة هيئة الأركان داخل الكيان المؤقت.
في هذا التقرير نقرأ في أبعاد المرحلة الحاسمة التي انتقل فيها الفعل الجهادي المقاوم من التكتيك الميداني الباهر إلى الفرض الاستراتيجي الذي أجبر الإدارة الأمريكية والكيان المؤقت على الرضوخ لمعادلات المقاومة، بعد أن ثبت بالدليل القاطع أن اليد العليا في البر والبحر والجو كانت لصناعة وطنية مؤمنة، استطاعت أن تحول تكنولوجيا العدو إلى عبء ثقيل عليه، وتجعل من جبهته الداخلية مكشوفة أمام صليات الصواريخ وضربات المسيّرات التي لم تعرف الخطوط الحمر.
وفي تفاصيل المشهد؛ بدأت المرحلة الأولى من إبريل بإعلان المقاومة عن نضوجٍ كامل لفنون الحرب غير المتماثلة، حيث تحول الجنوب اللبناني إلى مصيدة محكمة لوحدات النخبة التي كانت تتفاخر بقدرتها على الاختراق السريع، وكان “كمين بيت ليف” في الأول من إبريل، بمثابة الصدمة التكتيكية التي زلزلت قيادة لواء “ناحل”، بعد أن تحول من مجرد اشتباك عابر، إلى عمليةٍ جراحية معقدة بدأت بالرصد الدقيق ثم الاستدراج المدروس لقوة مدرعة وراجلة إلى منطقة قتل معدة سلفًا، لتبدأ ملحمة استمرت 3 ساعات انتهت باعتراف العدو بمقتل قائد كتيبة وسقوط العشرات بين صريعٍ وجريح.
هذا الكمين المركب أعطى إشارة البدء لسلسلةٍ من عمليات صيد الدروع المنهجية التي استهدفت مفخرة الصناعة الصهيونية “الميركافا” في محاور “القنطرة والخيام وعيناتا”، مستخدمةً صواريخ موجهة وعبوات “شواظ” النوعيّة، ما أكّد فشل العقيدة المدرعة الصهيونية في مواجهة مقاتل يمتلك الأرض والرؤية.
وبالتوازي مع هذا التفوق البري، كانت الدفاعات الجوية للمقاومة تفرض واقعًا جديدًا في السماء بإسقاط مسيّرات “هرمز 450” الاستراتيجية، ما حرم العدو من عينيه الاستخباراتية وأدخله في حالة من العمى التكتيكي، ووصل الفعل المقاوم إلى البحر في الـ5 من إبريل، حينما استهدفت المقاومة بارجة حربية صهيونية بصاروخ كروز بحري على بعد 68 ميلاً بحريًّا، في مفاجأة استراتيجية من العيار الثقيل نقلت التهديد إلى الممرات الملاحية والمنصات الحيوية للعدو، محطمةً بذلك أسطورة السيادة البحرية المطلقة.
ومع وصول العدو إلى طريق مسدود في الميدان البري وعجزه عن تحقيق أيّ خرقٍ حقيقي، انتقل في المرحلة الثانية التي بدأت في الـ 8 من إبريل إلى استراتيجية الأرض المحروقة والضغط الأقصى عبر حملة جوية وحشية أطلق عليها “الظلام الأبدي”، التي استهدفت تدمير البنية التحتية في “بيروت والضاحية والجنوب وبعلبك”، وارتكاب مجازر مروعة بحق المدنيين كما حدث في “سراي النبطية”، في محاولةٍ يائسة لكسر إرادة البيئة الحاضنة وخلق شرخ بينها وبين قيادة المقاومة.
غير أن الردّ الاستراتيجي للمقاومة في الـ 10 من إبريل، مثّل الصاعقة التي أطاحت بكل حسابات العدو، حيث تم قصف يافا المحتلة “تل أبيب” و”غوش دان” و”أشدود” بصواريخ باليستية بعيدة المدى لأول مرة، لتدخل معادلة “بيروت مقابل (تل أبيب)” التي أعلنتها المقاومة حيز التنفيذ الفعلي، وتجبر الملايين من المغتصبين الصهاينة للهروب إلى الملاجئ وشل الحياة الاقتصادية والسياسية في قلب كيان الاحتلال.
الردع الصاروخي المتزامن مع استمرار الالتحام البري الأسطوري في مدينة “بنت جبيل”، قلب الطاولة تمامًا؛ فبينما كان العدو الصهيوني يحاول انتزاع صورة نصر من أزقة عاصمة المقاومة، كانت بنت جبيل تتحول إلى مقبرة لألوية “المظليين والكوماندوز”، حيث دارت معارك من مسافة صفر، أثبتت فيها المقاومة تفوقها النفسي والبدني، محولةً حلم السيطرة على المدينة إلى كابوس استنزف أفضل ما تبقى من قوات العدو النخبوية.
ووفقًا للمعطيات الميدانية؛ فإنّ التحليل الموضوعي للمعارك النوعية، وتحديدًا “معركة بنت جبيل”، يُظهر كيف استطاعت المقاومة إدارة دفاع تدميري في بيئة حضرية معقدة، حيث تم عزل وحدات العدو المتقدمة وتدميرها بشكّلٍ منفصل، مع إسنادٍ مدفعي وصاروخي مركز منع العدو من تنظيم صفوفه أو إجلاء جرحاه بسهولة.
وفي محاورٍ أخرى مثل “الخيام والطيبة”، كانت المحلقات الانقضاضية ومسيّرات الألياف البصرية “إف بي في” تؤدي دورًا شبحيًا فتاكًا غير قابل للتشويش، ما جعل مدرعات العدو الإسرائيلي مجرد توابيت حديدية متحركة.
اعترف قادة الميدان في جيش الاحتلال، عبر تسريبات وإفادات لوسائل إعلامهم؛ بأن التقديرات الاستخباراتية كانت “متفائلة أكثر من اللازم”، وأنهم واجهوا جيشًا منظمًا يمتلك تكنولوجيا متطورة وشجاعة كربلائية فاقت كل التوقعات، وتقدم سجلات النصف الأول من أبريل صورة قاتمة وغير مسبوقة عن حالة الانهيار والتخبط التي أصابت جيش العدو، والتي يمكن رصدها من خلال اعترافاته وتقارير إعلامه.
في سياق الخسائر البشرية النوعية والانهيار المعنوي للعدو، وتحت بند “سُمح بالنشر”؛ فقد قفز عدد الجرحى المعترف به من 309 في بداية الشهر إلى 586 بحلول منتصفه، أيّ بزيادة قدرها 277 جريحًا في 14 يومًا فقط، بمعدل حوالي 20 جريحًا يوميًّا، وهو رقم هائل يعكس ضراوة المعارك.
كما أن خسائر العدو في صفوف النخبة، جاءت نوعية، وليست مجرد أرقام كما وصفها إعلام العدو؛ فمصرع وإصابة قادة كتائب (ناحل، مدرعات)، وضباط وجنود من وحدات النخبة (المظليين، غولاني) في كمائن وقتال مباشر، حطم صورة الجندي الصهيوني “الخارق”.
إلى ذلك شكّلت اعترافات عدد من الجنود العائدين من جبهة العدو الشمالية، صدمةً للداخلي الصهيوني، بوصفهم للمهام التي شاركوا فيها بـ “الانتحارية”، وشكواهم من غياب الحماية والمعلومات الاستخباراتية، وشهاداتهم من هول الهجوم الناري الذي تعرضوا له مثلاً: “كمين نهر الليطاني، وكمين كتيبة 100 مظليين في بنت جبيل”.
كما يُعد فرار قوات العدو الإسرائيلي من بعض المواقع وترك آلياتها خلفها لتفخخها المقاومة، كما حدث في محور “الطيبة”، دليلاً دامغًا على الانهيار المعنوي والتخبط القيادي، وكشف عن حالةٍ من الإحباط في صفوف هذه القوات.
وبالتالي؛ فإنّ إعلان وقف إطلاق النار في الـ 17 من إبريل الجاري، لم يكن خيارًا ديبلوماسيًّا بقدر ما كان اعترافًا صهيونيًّا بالعجز الشامل عن تحقيق أيًّا من الأهداف المعلنة؛ إذ خرجت المقاومة من هذه الجولة كقوة ردع استراتيجية عابرة للحدود، استطاعت حماية لبنان وفرض شروطها بالقوة والنار.
ولعل المشهد الأبلغ في توثيق هذا الانتصار هو زحف قوافل العائدين اللبنانيين إلى قراهم المدمرة فور صدور الإعلان، في تحدٍ صارخ لكل محاولات التهجير وتغيير الديموغرافيا، ليعلنوا من بين ركام بيوتهم وعزيمتهم الصُلبّة أن الأرض كانت وستبقى لأهلها، وأن والحاضر والمستقبل هو لأبطال الجهاد والمقاومة التي تبتكر، وتضرب، وتنتصر.
