من وهم الإخضاع إلى مأزق الاستنزاف: كيف فشلت الولايات المتحدة و”إسرائيل” في تحويل الحرب على إيران إلى نصر سياسي واستراتيجي

2

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
16 أبريل 2026مـ – 28 شوال 1447هـ

ليست المسألة الأساسية في الحرب العدوانية الأمريكية الصهيونية على إيران أن واشنطن استخدمت قوة هائلة ولم تُسقط خصمها فحسب، بل إن الأهم من ذلك أنها دخلت الحرب على أساس تصوّر خاطئ لطبيعة النتيجة التي يمكن للقوة أن تنتجها. فالإدارة الأمريكية لم تتعامل مع هذه الحرب باعتبارها معركة محدودة لتحسين شروط التفاوض، وإنما باعتبارها أداة لإحداث كسرٍ استراتيجي شامل: إنهاك البنية القيادية، تعطيل القدرة العسكرية، إغلاق الملف النووي عمليًا، تحصين الكيان الصهيوني، وإعادة فرض هيبة الردع الأمريكي في الخليج والممرات البحرية. غير أن هذا البناء كله كان مشروطًا بفرضية واحدة: أن الضربة الأولى، أو سلسلة الضربات الأولى، ستُنتج لحظة انهيار سياسي، أو على الأقل لحظة شللٍ تمنع إيران من إعادة تنظيم نفسها. وما أظهره مسار الحرب هو أن هذه الفرضية لم تكن مجرد تقدير خاطئ، بل كانت أساس الخطأ كلّه؛ لأن ما عجزت واشنطن عن فهمه منذ البداية هو أن إيران ليست هدفًا يُكسر بالصدمة، بل خصم لديه بنية صلبة للامتصاص وإعادة التموضع وتحويل الحرب نفسها إلى أداة استنزاف لخصومه.

وهنا يبدأ التحليل الحقيقي لفشل الأهداف الأمريكية. فالفشل لم يكن في القدرة على إيقاع الضربة، لأن القدرة على الضرب كانت متوفرة بالكامل، ولم يكن في القدرة على إحداث خسائر كبيرة، لأن الحرب بالفعل بدأت بضربة شديدة وقاسية. الفشل كان في تحويل الضربة إلى نتيجة مستقرة. وهذه نقطة جوهرية في فهم الحروب المعاصرة: ليست القوة بما تملكه من نيران هي التي تحدد النتيجة وحدها، بل قدرتها على أن تُنتج واقعًا سياسيًا جديدًا يمكن تثبيته. الولايات المتحدة امتلكت الوسيلة، لكنها أخفقت في تثبيت الغاية. فالضربة الافتتاحية لم تؤدِّ إلى سقوط النظام الإيراني ولا إلى تعطيل قدرته على إعادة إنتاج نفسه. وعلى العكس، فإن المسار الذي تلاها كشف أن طهران استطاعت امتصاص الصدمة والانتقال تدريجيًا من موقع المتلقي إلى موقع المدير لإيقاع المواجهة، وهو ما تؤكده أيضًا حقيقة أن الحرب انتهت إلى وقف نار هش ومسار تفاوضي جديد، بينما بقي النظام قائمًا، وبقي الملف النووي محتاجًا إلى تحقق ورقابة وتفاصيل لم تُحسم بالحرب. هذا المعنى ذاته أشار إليه المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي حين شدد على أن أي تسوية تنهي الحرب تحتاج إلى ترتيباتِ تحققٍ شديدة التفصيل، وأن أي اتفاق من دون مفتشي الوكالة سيكون شكليًا فقط؛ وهذا في حد ذاته إقرار عملي بأن الحرب لم تُغلق أصل المشكلة التي ادعت واشنطن أنها تخوض الحرب بسببها.

إعادة تشكيل مسرح العمليات
إذا انتقلنا من مستوى الهدف النووي والسياسي إلى مستوى بنية الحرب نفسها، يصبح الفشل أكثر وضوحًا. فقد دخلت الولايات المتحدة المواجهة وهي تفترض أن مسرح العمليات سيكون موجّهًا إلى الداخل الإيراني وإلى البنية الإيرانية، لكن ما حدث فعليًا هو أن إيران أعادت تعريف ساحة المعركة. فبدل أن تبقى الحرب حربًا تُشن على إيران، تحولت إلى حرب تُدار أيضًا على المصالح الأمريكية ذاتها في الخليج، وعلى امتداد شبكة وجودها العسكري واللوجستي. وهذه النقلة ليست تفصيلًا ميدانيًا، بل نقطة انعطاف استراتيجية. لأن واشنطن حين تخوض حربًا من قواعدها ومنصاتها المنتشرة في الخليج، فهي تراهن ضمنيًا على أن تلك القواعد ستبقى خارج دائرة التهديد الفعلي، أو أن كلفة تهديدها ستظل ضمن حدود يمكن احتواؤها. لكن حين تصبح تلك القواعد نفسها، أو شبكات الإمداد المرتبطة بها، أو أجواء الحركة البحرية من حولها، جزءًا من فضاء الاستهداف، فإن الولايات المتحدة تفقد أهم امتيازاتها التقليدية: إدارة الحرب من موقع آمن. عند هذه النقطة لا تبقى المعركة مسألة تفوق ناري، بل تتحول إلى معركة على من يستطيع تحمّل الانكشاف أكثر.

وهنا تكتسب الضربات الإيرانية على المصالح الأمريكية في الخليج معناها الحقيقي، فليست قيمتها في مجرد وقوعها، بل في نوع الوظيفة التي أدتها داخل المعركة. لقد أدت هذه الضربات إلى إعادة تشكيل السلوك الأمريكي نفسه، فالقوة التي كانت تفترض أنها في موقع المبادرة، اضطرت إلى رفع الجاهزية، وإعادة التموضع، وتعزيز الحماية، والانتقال من منطق الهجوم الحر إلى منطق إدارة المخاطر. وكل مرة تُجبَر فيها قوة كبرى على أن تُنفق جزءًا أكبر من طاقتها لحماية نفسها بدلًا من استخدامها لفرض إرادتها على الخصم، تكون قد دخلت عمليًا في مسار استنزاف. وهذه ليست قراءة نظرية فقط، بل تؤكدها طبيعة التحركات اللاحقة: توسيع الانتشار البحري، عمليات إزالة الألغام، الحصار البحري، ومحاولة خنق التجارة الإيرانية من البحر بعد أن عجزت الضربات عن فرض الحسم السياسي. وحين تتحول الحرب من أداة إسقاط إلى أداة حصار وتعطيل للملاحة، فهذا معناه أن الضربة العسكرية لم تحقق الغرض الذي أُطلقت من أجله، وأن واشنطن انتقلت من محاولة فرض النتيجة إلى محاولة تعويض عجزها عن فرضها.

ضرب أعمدة التفوق الأمريكي
لكن الأخطر من الضربات نفسها هو ما كشفت عنه من دقة في المعرفة الإيرانية بمواطن الضعف الأمريكية. فحين تتحدث التغطيات الغربية عن استخدام إيران لقدرات استطلاع متقدمة، وعن تحسين الاستهداف ضد القواعد الأمريكية، وعن استمرار القدرة على تهديد الانتشار الأمريكي رغم حجم الضربات، فهذا لا يعني فقط أن إيران كانت تطلق النار، بل يعني أنها كانت تعرف أين تضغط، وكيف تضغط، ومتى تضغط. وهذه النقطة تضرب أحد أعمدة التفوق الأمريكي التاريخي: احتكار المعرفة العملياتية. فالولايات المتحدة لا تعتمد في تفوقها على السلاح وحده، بل على قدرتها على الرصد المبكر، وتحديد الأهداف، وفهم حركة الخصم قبل أن يفعل. وعندما ينجح الخصم في تقليص هذه الفجوة، أو في اختراقها جزئيًا، تصبح الميزة الأمريكية أقل حسمًا مما تبدو عليه في الأوراق العسكرية. لهذا فإن الضربات الإيرانية لم تكن فقط فعلًا هجوميًا، بل كانت دليلًا على انتقال الحرب إلى مستوى يتآكل فيه احتكار واشنطن للمعلومة. وهذا ما يفسر لماذا أصبح الحديث عن دقة الأهداف الإيرانية جزءًا من السجال الغربي نفسه، لا مجرد ادعاءٍ إيراني.

أما في ما يخص الخسائر العسكرية الأمريكية، فالمشكلة أن القياس المباشر في الحروب الحديثة كثيرًا ما يُحجب بالتعتيم أو يُعاد تدويره داخل الدعاية الرسمية. لذلك لا ينبغي أن يُقرأ حجم الخسارة فقط عبر الأرقام المعلنة، بل عبر الأثر العملي على حرية المناورة. ومع ذلك، ظهرت مؤشرات علنية ذات دلالة، من بينها الإقرار الأمريكي بخسارة طائرة استطلاع بحرية متقدمة من طراز MQ-4C Triton تقدر قيمتها بمئات الملايين، فضلًا عن تقارير عن خسائر إضافية في طائرات مسيّرة وطائرات نقل وطائرات تزويد وقود وطائرات حربية ومروحية ومنصات دفاع جوي وغيرها. الأهم من ذلك أن هذه الخسائر جاءت في سياق اعتراف ضمني بأن الحرب فرضت على الولايات المتحدة بيئة عمليات أكثر كلفة وأعلى مخاطرة، وأن استدامة الانتشار والحماية باتت عبئًا متزايدًا. وإذا أضفنا إلى ذلك أن واشنطن اضطرت إلى تشغيل قوة بحرية كبيرة، ونحو عشرة آلاف جندي، وأصول استطلاع ومراقبة واسعة لتثبيت الحصار البحري ومنع التجارة الإيرانية، يتضح أن الكلفة العسكرية لم تعد مرتبطة بتحقيق الحسم، بل بمنع الخصم من الاستفادة من عدم الحسم. وهذه علامة فشل لا علامة نجاح، لأن الحرب الناجحة لا تُقاس فقط بما دمرته، بل بما جنّبتك من التورط اللاحق.

تبعات الفشل على الكيان الصهيوني
غير أن البعد الأكثر حساسية في هذا الفشل لا يتعلق بالولايات المتحدة وحدها، بل بالكيان الصهيوني الذي كان -في الحقيقة- أحد المحركات الأساسية للحرب وأحد أهدافها المعلنة ضمنًا. فالحرب لم تكن -من منظور واشنطن و”تل أبيب”- مجرد حرب على إيران، بل كانت أيضًا محاولة لإعادة بناء “بيئة أمنية جديدة” لصالح “مشروع إسرائيل الكبرى”. لكن الوقائع التي تلت الحرب أظهرت أن هذا الهدف أخفق على نحو فاضح. والسبب ليس فقط أن النظام الإيراني لم يسقط، ولا أن البرنامج النووي لم يُغلق بالكامل، بل إن “الجبهة الداخلية” الإسرائيلية نفسها خرجت من الحرب من دون شعور بنصر حاسم. وهنا تكتسب التصريحات والتحليلات الغربية والصهيونية أهميتها القصوى، لأنها تشكل شهادة من داخل المعسكر نفسه على فشل الأهداف. فصحيفة” هآرتس” العبرية نشرت بوضوح أن نتنياهو وضع ثلاثة أهداف للحرب ولم يحقق أيًا منها، ووصفت مقالات أخرى النهاية بأنها انتقال من وهم “النصر الكامل” إلى “فشل استراتيجي”. وذهبت “جيروزاليم بوست” إلى ما هو أبعد، حين كتبت بصراحة: “لم ننتصر”، “لا نصر حاسم”، “لا تغيير للنظام في طهران”، “لا تفكيك كامل للبرنامج النووي”. كما أشارت “تايمز أوف إسرائيل” ووسائل أمريكية إلى أن وقف النار ترك كثيرين في “إسرائيل” مقتنعين بأن الحرب لم تُنهِ التهديد الإيراني، وأن “نتنياهو” خرج من الحرب من دون إنجاز فاصل. هذه ليست لغة خصوم، بل لغة معسكر الحرب نفسه حين يعجز عن تسويق الحرب لجمهوره بوصفها نصرًا.

وتزداد هذه الصورة قتامة إذا أُخذ بعين الاعتبار أن بعض التقارير الإسرائيلية تحدثت عن ازدياد اختراق الصواريخ الإيرانية لمنظومات الدفاع مع امتداد الحرب، وأن الرضا الشعبي داخل الكيان عن النتائج العسكرية والدبلوماسية كان منخفضًا في بعض الاستطلاعات. وهذه نقطة شديدة الخطورة من منظور الردع، لأن الكيان الصهيوني يعتمد بنيويًا على الردع النفسي بقدر اعتماده على الردع العسكري. فإذا انتهت الحرب من دون أن يقتنع جمهوره بأنه حقق نصرًا، فإن قدرة القيادة الإسرائيلية على الادعاء بأنها أعادت رسم قواعد الاشتباك تصبح أضعف بكثير. وهذا يفسر لماذا كان التعتيم الإعلامي المكثف جزءًا ملازمًا للمشهد: لأن حجم الضربات التي وصلت إلى عمق الكيان، أو على الأقل وقعها النفسي والسياسي، كان أكبر من أن يُحتوى بسهولة ضمن رواية “النجاح الكامل”. وهنا بالذات يظهر فشل الهدف الأمريكي-الإسرائيلي المشترك: الحرب لم تمنح الكيان الصهيوني أمنًا أعلى، بل وضعته أمام سؤال أكبر عن جدوى الحرب نفسها.

تفكيك التحالفات الأمريكية
ومن الزاوية الغربية الأوسع، لا يقل الأمر دلالة. فحين تصف راشيل ريفز، وزيرة المالية البريطانية، الحرب بأنها “خطأ”، وتهاجم غياب الأهداف الواضحة وخطة الخروج، فإن المسألة تتجاوز مجرد اعتراض سياسي عابر. بريطانيا ليست خصمًا لواشنطن، بل حليف عضوي لها. لذلك فإن صدور نقد بهذا المستوى من داخل دولة حليفة يشير إلى أن الحرب لم تُقرأ في العواصم الغربية بوصفها فعلًا عقلانيًا لإنتاج الاستقرار، بل كخطوة زادت الفوضى ورفعت الكلفة الاقتصادية وأضرت بالأسر والأسواق. والأمر لم يقف عند بريطانيا وحدها، بل صدر بيان مشترك من وزراء مالية عدة دول حليفة يحذر من التداعيات الاقتصادية الممتدة للحرب على النمو والتضخم والأسواق والطاقة. الدلالة هنا شديدة الأهمية: الحرب التي دخلت بها الولايات المتحدة من أجل إعادة الهيبة والاستقرار، انتهت إلى أن يُنظر إليها من حلفائها بوصفها عامل اضطراب استراتيجي واقتصادي. وهذا وحده يكفي لإثبات أن أحد أهداف الحرب الكبرى، وهو إعادة تثبيت القيادة الأمريكية، لم يتحقق. لأن القيادة الحقيقية لا تُقاس فقط بمن يطلق النار، بل بمن يجعل حلفاءه يرون النار وسيلةً ضرورية ومنضبطة. أما حين يرونها مغامرة بلا هدف واضح، فذلك يعني أن مركز القيادة نفسه بدأ يتعرض للتآكل.

ثم إن الاقتصاد العالمي، الذي يفترض أن الولايات المتحدة تريد حمايته بوصفها قائدة النظام الدولي، صار بدوره شاهدًا على فشل الحرب. فمضيق هرمز لم يتحول إلى ممر أكثر أمانًا، بل إلى بؤرة اضطراب عالمي. وأسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد، وحركة السفن، كلها تعرضت لهزات واضحة دفعت العواصم الغربية إلى التفكير في ترتيبات ما بعد الحرب بمعزل عن الولايات المتحدة، أو على الأقل بعيدًا عن إشراكها بوصفها الطرف القيادي في مهمة تأمين هرمز. وقد كشفت تقارير غربية أن أوروبا بدأت تبلور خطة لما بعد الحرب لتحرير الملاحة في هرمز من دون الولايات المتحدة لأنها باتت طرفًا في النزاع لا ضامنًا محايدًا للأمن البحري. هذه من أكثر اللحظات تعبيرًا عن الفشل الأمريكي: حين تصبح الحرب التي أردت منها أن تُثبت ضرورة وجودك في المنطقة سببًا لأن يفكر حلفاؤك في ترتيبات أمنية تتجاوزك أو تلتف عليك. وهذا لا يصف فقط فشل هدف جزئي، بل فشلًا في وظيفة الهيمنة نفسها.

وإذا اجتمعت هذه المعطيات كلها، تتضح الصورة الأوسع: الولايات المتحدة لم تخسر الحرب لأنها لم تستطع إيقاع الضرر، ولم تُخفق لأنها لم تملك الوسائل، بل لأنها أخطأت في تعريف ما يعنيه الانتصار. كانت تعتقد أن الانتصار هو تدمير جزء كبير من القدرات، وفرض الحصار، وإجبار الخصم على العودة إلى التفاوض تحت الضغط. لكن ما جرى كشف أن هذا كله لا يكفي إذا بقي الخصم قادرًا على البقاء، والرد، وتعطيل الملاحة، وتهديد القواعد، وترك الحليف الإسرائيلي من دون نصر نفسي وسياسي واضح. ولعل أكثر ما يفضح الفشل هنا هو الارتباك الأمريكي نفسه بين لغة “الاستسلام الكامل” ولغة “الهدنة” ثم لغة “استئناف المفاوضات” ثم العودة إلى “الحصار البحري”. هذا التذبذب لا يعكس تعددًا ذكيًا في الأدوات، بل يعكس عجزًا عن إنتاج مسار ينتهي إلى نتيجة نهائية، فالدولة التي تعرف كيف تنتصر لا تتنقل بسرعة بين هذه اللغة وتلك، بل تفرض مسارها على الأحداث. أما حين تتقاذفها الحرب بين الإملاء والمساومة والخنق الاقتصادي، فذلك يعني أنها فقدت مركز التوازن في قرارها الاستراتيجي.

ختاما
من هنا يمكن القول إن الحرب على إيران كشفت شيئًا أعمق بكثير من مجرد فشل عملية عسكرية أو مسار تفاوضي. لقد كشفت أن الولايات المتحدة لم تعد تواجه إيران باعتبارها دولة يمكن “تأديبها” بعملية صدمة وإخضاع، بل باعتبارها خصمًا قادرًا على تحويل الحرب نفسها إلى أداة لاختبار حدود القوة الأمريكية. وما يجعل هذا الاستنتاج أكثر صلابة أن الاعتراف به لم يعد محصورًا في خطاب الخصوم، بل صار موزعًا على طيف واسع من الشهادات الغربية والصهيونية: وزراء غربيون يتحدثون عن حرب خاطئة بلا أهداف واضحة؛ وكالة دولية تقول إن الملف لم يُحسم؛ صحف إسرائيلية تقول إن الأهداف لم تتحقق؛ استطلاعات رأي داخل الكيان تُظهر شكوكًا كبيرة في النتائج؛ وخطط أوروبية تبحث عن تأمين هرمز من دون واشنطن. وعندما تتراكم هذه الشهادات من لندن وواشنطن و”تل أبيب” وبروكسل، فإنها لا تعود آراءً متفرقة، بل تصبح قرائن متقاطعة على أن الحرب أخفقت في بنيتها الوظيفية ذاتها.

والخلاصة النهائية أن الولايات المتحدة لم تُهزم لأنها عاجزة عن التدمير، بل لأنها عاجزة عن فرض النتيجة السياسية النهائية بشروطها. فالحرب لم تُسقط النظام الإيراني، ولم تُغلق الملف النووي، ولم تُنهِ القدرة الإيرانية على الرد، ولم تُحصّن الكيان الصهيوني من الضربات الموجعة، ولم تُعِد الاستقرار إلى الممرات البحرية التي اضطربت بفعل التهور الأمريكي، ولم تُنتج إجماعًا غربيًا خلف واشنطن، بل على العكس، أظهرت حدود القدرة الأمريكية على تحويل القوة إلى سياسة قابلة للتثبيت. وهذه هي الهزيمة بمعناها الاستراتيجي الدقيق: أن تملك فائض القوة، لكنك تفقد القدرة على تحويله إلى نصر مستقر؛ وأن تملك اليد الأعلى في التدمير، لكنك لا تملك الكلمة الأخيرة في تقرير شكل النهاية.