“مستنقع هرمز”.. الحصار الأمريكي على إيران يتحول إلى فخ اقتصادي يضاعف نقاط القوة الإيرانية
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
15 أبريل 2026مـ – 27 شوال 1447هـ
تقرير || يحيى الشامي
(تحليل مبني على تقارير كل من: غولدمان ساكس، وكالة الطاقة الدولية، بي بي سي، نيويورك تايمز، رويترز، سي إن بي سي، الجزيرة، بلومبرغ، مركز راند، ومعهد كوينيبياك)
تهرب أمريكا من عجزها لتغرق أكثر وتجرَّ معها العالم رهن جنونها، من الفشل العسكري إلى الإخفاق الدبلوماسي إلى الحصار الاقتصادي الملاحي، بينما تكرس طهران قاعدتها الضابطة لإيقاع الدفاع: الأمن للجميع أو لا أمن لأحـد في مواجهة البلطجة الأمريكية.
بينما يراهن ترامب على أن الخناق الاقتصادي عبر عسكرة هرمز وحصار الموانئ الإيرانية قد يحقق ما عجزت عنه القنابل، تصف الأوساط في واشنطن الخطوة بأنها قبضة مصارع يعاني حقيقة الفشل، ويتجرع مرارة الورطة التي تحيكها إيران على مكث كلما أراد ترمب الخروج منها أركس فيها، حيث لم يتأخّر الرد الإيراني المتوثب للتصعيد، ومقابلة التهديد بالاستعداد، فإيران -التي اعتادت العيش في ظل العقوبات- لم تكتفِ بوصف التهديدات الأمريكية بـ”الثرثرة الزائدة”، بل صاغت قاعدة اشتباك جديدة، مقر “خاتم الأنبياء” المركزي وضع النقاط على الحروف: “أمن الموانئ والملاحة في الخليج وبحر عمان.. إما أن يكون للجميع، أو لن يكون لأحد”.
تؤكد طهران أنها ستطبق آلية دائمة للسيطرة على مضيق هرمز، في معادلة واضحة وحازمة لا حق للسفن التابعة للعدو بالمرور، والملاحة الدولية مشروطة بالالتزام بالضوابط الإيرانية، وحصار واشنطن -في نظر طهران- ليس إلا “قرصنة بحرية” ستواجَه بضوابط الأمن القومي التي لا تقبل المساومة.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن الأحد -عبر منشور على منصة “الحقيقة الاجتماعية”- بدء الحصار البحري على الموانئ الإيرانية ومضيق هرمز، دخل القرار حيز التنفيذ الفعلي يوم الاثنين، أكدت القيادة المركزية الأمريكية أن البحرية ستعترض أي سفن تحاول الدخول أو الخروج من الموانئ الإيرانية، مع تهديدات صريحة بإطلاق النار على أي زوارق إيرانية تقترب.
هذه الخطوة التي تلت فشل جولات التفاوض الماراثونية في إسلام آباد نهاية الأسبوع الماضي، تضيف طبقة جديدة من التصعيد إلى العدوان الأمريكي الإسرائيلي المستمر منذ 28 فبراير 2026، وهو -بدهاء إيراني أو غباء أمريكي- يعزز قدرة إيران على لعب أوراق القوة، ويجلب لأمريكا ضعفاً من حيث ظنته قوة لها في سياق الضغط على إيران.
محاولة أمريكية لانتزاع استسلام إيراني:
سرعان ما انعكس التوتر على أسواق الطاقة العالمية، قفز خام برنت بنسبة تجاوزت 7% ليستقر قرب 10175 دولار للبرميل بعد أن لامس 104 دولارات. صعد خام غرب تكساس الوسيط أكثر من 7% متجاوزاً 103 دولارات، ووصل في بعض اللحظات إلى 10424 دولار، وهي قفزة حادة تعيد الأسعار إلى مستويات مرتفعة كانت قد انخفضت مؤقتاً بعد اتفاق الهدنة الهشة في 7 أبريل، حين هبط برنت نحو 15% إلى حوالي 94-95 دولاراً الآن، مع عودة التهديدات بالحصار، يتوقع المحللون استمرار الضغوط الصعودية، خاصة إذا طال أمد الإجراءات الأمريكية.
في السياق ذاته تبرز قراءة باردة من قلب المؤسسة المالية الغربية. في مذكرته الداخلية المسربة يوم 12 أبريل، والتي اطلعت عليها وكالة “بلومبرغ”، اعترف بنك “مورغان ستانلي” صراحة: “أي حصار فعّال لمضيق هرمز لمدة تزيد عن 30 يوماً سيعيد العالم إلى تضخم السبعينيات”. هذه ليست تهديدات إيرانية، بل تشخيص من صنّاع القرار المالي أنفسهم، أما تقارير “غولدمان ساكس” فتحذر من أن أي اضطراب مطول في مرور نحو 20 مليون برميل نفط يومياً — أي خمس الإمدادات العالمية — قد يدفع خام برنت إلى تجاوز 115 دولاراً للبرميل خلال الأشهر المقبلة. وكالة الطاقة الدولية أكدت أن أبريل سيشهد تفاقماً في نقص الإمدادات مقارنة بمارس، وأي تصعيد جديد سيفاقم الأزمة. بدوره، مكتب أبحاث الكونغرس الأمريكي أشار إلى أن مثل هذا الاضطراب سيؤثر مباشرة على أسعار البنزين والديزل داخل الولايات المتحدة؛ حيث تجاوزت أسعار البنزين الوطنية حاجز 4 دولارات للغالون في بدايات الشهر، مع ارتفاع الديزل فوق 5.45 دولار في بعض المناطق.
وهكذا يتجلى -كما يتأكد من جديد- أن هرمز ليس ممراً مائياً فحسب، بقدر ما هو شريان حيوي يمر من خلاله قرابة 20% من إمدادات النفط العالمية وكميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال، فضلاً عن الأسمدة وسواها من احتياجات الأسواق العالمية. وأي اضطراب فيه يؤثر حتماً وبشكل فوري على الاقتصادات الكبرى: الصين، الهند، أوروبا، ثم الولايات المتحدة نفسها. الإدارة الأمريكية تبدو وكأنها تفتقر إلى استراتيجية متماسكة: تهدد بـ “إنهاء حضارة بأكملها”، ثم تفرض حصاراً بحرياً، ثم تتراجع جزئياً تحت وطأة الارتداد الاقتصادي. وهي ممارسات تعكس حالة تخبط لا مبالغة في وصفها بأنها غير مسبوقة في تاريخ أمريكا، والمفارقة أنها تجر العالم معها في التصرفات التي أقل ما توصف أنها بلطجة دولية أكثر مما تشبه سياسة مدروسة.
في المقابل، تمتلك إيران أوراق قوة متعددة تعززها يومياً بذكاء استراتيجي متجذر في عقود من الصمود. لم تغلق طهران المضيق كلياً على نحو متهور منذ البداية؛ بدلاً من ذلك، أدارته بمرونة استراتيجية مدروسة: ضربات انتقائية على السفن، زرع ألغام محدود، تشويش ملاحي، مع الاحتفاظ بخيار التصعيد أو التهدئة حسب الظروف. هذا النهج حوّل هرمز إلى ورقة ضغط فعالة ترفع التكلفة على المهاجم وحلفائه الخليجيين، بينما تحافظ إيران على قدرتها على المناورة والتحكم في إيقاع الحدث. تقارير استخباراتية أمريكية اعترفت بأن استعادة الملاحة الكاملة قد تستغرق أسابيع أو أشهراً، حسب طبيعة الرد الإيراني.
وهكذا تستعيد المفارقة التاريخية حضورها؛ وكما فعلت البحرية الأمريكية خلال حرب الناقلات في الثمانينيات، حين اكتشفت أن استنزاف طاقتها أمام الألغام والزوارق السريعة أصعب من خوض معركة كبرى. تتكرر القصة اليوم: القوة التقنية تصطدم بمنطق حرب العصابات البحرية الذي أتقنته إيران لعقود. مركز “راند” للأبحاث وثق هذه الحقيقة في تقرير بعنوان “دروس من حرب الناقلات” عام 2019، مشيراً إلى أن التفوق التكنولوجي وحده لا يكسب حرب استنزاف. نيويورك تايمز أكدت مؤخراً أن هذا الاستنزاف المنهجي لمخزون الصواريخ الذكية حوّل المعركة إلى اختبار اقتصادي طويل الأمد، فيما حافظت إيران على قدر كبير من ترسانتها بفضل التمويه والتخزين المتوزع والإنتاج المحلي المرن. تحليلات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية وتقارير هيئة الإذاعة البريطانية تشير إلى أضرار أمريكية بلغت نحو 800 مليون دولار في الأسبوعين الأولينِ فقط، مع إخراج أنظمة رادار وطائرات إنذار مبكر ومرافق تزويد وقود عن الخدمة الفعالة. أصبحت بعض القواعد الأمريكية شبه غير صالحة للسكن، ما أجبر آلاف الجنود على العمل عن بُعد من فنادق ومكاتب بديلة.
في الداخل الأمريكي، يتسع الانقسام يوماً بعد يوم؛ أصوات بارزة داخل معسكر “أمريكا أولاً”، مثل تاكر كارلسون وميغان كيلي ومارغوري تايلور غرين، تنتقد الحرب بشدة، وتراها انحرافاً خطيراً عن الوعود الانتخابية بتجنب “الحروب اللانهائية في الشرق الأوسط”، وخدمة مباشرة لمصالح “إسرائيل” على حساب المصالح الأمريكية. ترامب رد بوصف بعض منتقديه بـ “غير الموالين” و”الخاسرين”، لكن الانقسام يتسع ويصل إلى صفوف الجمهوريين أنفسهم.
ثمة بعد آخر أكثر إيلاماً لواشنطن استفادت منه طهران بذكاء؛ ملف إبستين لم يعد مجرد فضيحة أخلاقية بعد نشر 3 ملايين صفحة جديدة من الوثائق القضائية. في يناير 2026، ظهرت إشارات واضحة إلى ضباط استخبارات إسرائيليين كانوا يترددون على جزيرة إبستين. المؤرخ الاستراتيجي البارز نعوم تشومسكي -في مقاله الأخير بمجلة “ذي نايشن”- طرح سؤالاً صريحاً: “هل يخوض ترامب حربه ضد إيران ليسدد ديناً لجهات تمتلك مواد إيحاء عنه؟” حتى لو كان الجواب مبالغاً فيه، فإن السؤال نفسه يسمم الأجواء داخل البيت الأبيض. استطلاعات غير معلنة صادرة عن معهد “كوينيبياك” في مارس 2026 تشير إلى أن 41% من الناخبين الجمهوريين يرون ارتباطاً بين دفع ترامب للحرب وملف إبستين. هذا السخط يتزامن مع احتدام الجدل حول روابط إبستين الواسعة بدوائر استخباراتية إسرائيلية، ما يغذي التساؤلات حول استخدام مواد مساومة للضغط على شخصيات نافذة، بمن فيهم ترامب نفسه الذي كان صديقاً اجتماعياً لإبستين في الماضي.
يمتد هذا الدهاء ويكمل إدارة طهران لعمليات المواجهة العسكرية الميدانية بعيداً عن أي مواجهة تقليدية؛ حيث كانت قد نجحت في استهداف الطائرات المقاتلة مباشرة، فقد دارت المعركة ضد “الأعشاش” اللوجستية والبنية التحتية الأمريكية في المنطقة، والتي أصابت طائرات الإنذار المبكر “إي-3 سينتري”، وأنظمة التزويد بالوقود “كي سي-135″، وأبراج الرادار والاتصالات. اعتمدت إيران على مزيج عبقري من الصواريخ الباليستية الدقيقة والطائرات المسيرة رخيصة الإنتاج. أرسلت موجات متتالية من المسيرات لإرهاق أنظمة الدفاع مثل “باتريوت” و”ثاد”، فأجبرت الجانب الأمريكي على إطلاق صواريخ باهظة الثمن — كل واحد يكلف ملايين الدولارات — لصد تهديدات لا تتجاوز تكلفتها بضعة آلاف فقط.
وسط هذا المشهد، تعزز إيران أوراقها يومياً بثبات؛ الجبهة الداخلية متماسكة رغم الضغوط الشديدة، والالتفاف الشعبي حول الدولة والقيادة يتصاعد أمام العدوان الأمريكي الإسرائيلي. هذا الصمود يقابله انكشاف واضح: تورط واشنطن في مستنقع استنزافي عميق، ودفع ترامب نحو خيارات أضيق وأكثر تكلفة، وارتداد اقتصادي عالمي يضر بالجميع بما في ذلك الاقتصاد الأمريكي نفسه.
الدهاء الإيراني يكمن في قدرته على ربط الجبهات كلها: من هرمز الذي يتحكم فيه بذكاء، إلى الاستنزاف العسكري غير المتكافئ الذي يفرغ مخزون الخصم الثمين، إلى تعميق الانقسامات الداخلية لدى الخصم، وصولاً إلى استغلال الجدل حول فضائح إبستين لكشف هشاشة استقلالية القرار الأمريكي.
في الثقافة الاستراتيجية الإيرانية، هناك مثل فارسي قديم: “الأسد الجائع أخطر من الأسد السليم”. أمريكا اليوم ليست أسداً سليماً؛ انقسامها الداخلي، استنزافها الاقتصادي، وهشاشة قرارها المستورد من “تل أبيب”، جعلتها أسداً جائعاً يندفع نحو فخ هرمز. الأيام المقبلة لن تكشف فقط قدرة إيران على الصمود، بل ستعلم العالم درساً جديداً: القوة العظمى الحقيقية هي التي تتحكم في إيقاع الصراع، لا في حجم القنابل. وهنا، إيران تتقدم.
