هزيمة حتمية لجيش العدو.. ما وراء محاولات الكيان الصهيوني لاحتلال بنت جبيل؟
ذمــار نـيـوز || تقارير ||
15 أبريل 2026مـ – 27 شوال 1447هـ
تقرير || إبراهيم يحيى الديلمي
تشهد مدينة بنت جبيل التي اُشتهرت بأنها “عاصمة المقاومة والتحرير” بسبب تاريخها الطويل في مقاومة المحتلين الصهاينة، واحدة من أعنف المعارك بين مجاهدي حزب الله وجيش كيان العدو الصهيوني.
وتقع بنت جبيل في قضاء بنت جبيل بمحافظة النبطية وتبعد بضع كيلومترات فقط عن الحدود مع فلسطين المحتلة، وهي تشرف على مناطق حدودية وتضاريس مرتفعة نسبياً.
وتكمن أهميتها في كونها تعد بوابة الجنوب اللبناني على الجليل، وقريبة من خط التماس، كما أنها نقطة عبور ومراقبة ميدانية يضاف إلى ذلك رمزيتها السياسية باعتبارها كانت مسرحاً لمعارك سابقة، ولا سيما في حرب تموز 2006م.
وتعد هذه المدينة حالياً آخر بلدات القطاع الأوسط في جنوب لبنان التي يقاتل فيها مجاهدو “حزب الله” جيش العدو الإسرائيلي من النقطة الصفر، حيث يحاول جيش العدو التوغل في المدينة والسيطرة عليها، بهدف ضمها إلى ما يسميه العدو الإسرائيلي “المنطقة العازلة” التي يحاول إقامتها في الجنوب اللبناني.
ويرتبط اسم مدينة بنت جبيل في جنوب لبنان بالحسابات الاستراتيجية والمعارك العسكرية، لكنه أكثر ارتباطاً بالهجرات والنزوح، بسبب عدد المرات التي خلت فيها المدينة من أهلها، بسبب المعارك التي غالبًا ما تدور فيها للتصدي لأي عدوان ينفذه كيان العدو الصهيوني ضد لبنان ومقاومته.
وتكتسب أي معركة في هذه المدينة رمزية خاصة، لا سيما مع تركيز كيان العدو على “الملعب البلدي” بالمدينة، الذي شهد عام 2000خطاب “بيت العنكبوت” الشهير لسماحة الأمين العاملحزب الله، الشهيد القائد السيد حسن نصر الله “رضوان الله عليه” حيث يسعى الكيان لتحقيق نصر معنوي بجانب المكاسب التكتيكية.
ويرى الخبير العسكري العميد حسن جوني أن معركة بنت جبيل بالتحديد تُعَد “اختبار قوة” فاصل بين مجاهدي حزب الله وكيان العدو الصهيوني، موضحًا أن كيان العدو الصهيوني يسعى من خلال العدوان على بنت جبيل إلى فرض واقع ميداني جديد يتمثل في إعادة إنشاء “حزام أمني” يمنع وصول المقاتلين إلى الحدود، في حين يراهن مجاهدو المقاومة على حرب الكمائن داخل الأحياء السكنية والركام لتكبيد القوات المتقدمة خسائر بشرية تجبرها على التراجع، وفقاً لجوني.
وبحسب الخريطة التفاعلية، فإن العمليات العسكرية التي يقوم بها كيان العدو الصهيوني تهدف إلى التوغل إلى عمق بنت جبيل عبر 4 محاور رئيسية، يتمثل الأول في المحور الشرقي من جهة مارون الراس، وصولاً إلى مثلث التحرير، في حين يتمثل الثاني في المحور الشمالي عبر عيناتا باتجاه منطقة “صف الهوا” وثانوية الإشراق للإطباق على مدخل المدينة، بينما يتمثل الثالث في المحور الغربي من جهة عيتا الشعب وعين إبل، وأخيرًا الرابع وهو المحور الجنوبي من جهة بلدة يارون باتجاه حي المسلخ.
ويرى خبراء عسكريون أن توغل كيان العدو في بنت جبيل سيضطره إلى تغيير عقيدته القتالية القائمة على “تجاوز المدن” بدخوله في مواجهة مباشرة داخل بنت جبيل، مدفوعاً بتقديرات تفترض تراجع قوة حزب الله، في الوقت الذي يرجحون فيه حتمية فشل الكيان في تحقيق هدفه، مؤكدين أن الدخول في مواجهة مباشرة مع مجاهدي حزب الله سيزيد من كلفة الخسائر في الجنود والعتاد، وسيؤدي بالتالي إلى هزيمة “إسرائيلية” قاسية.
وسيواجه التوغل الصهيوني في بنت جبيل تحديات كبيرة، ستصبح بموجبها الدبابات أهدافاً مكشوفة في الأزقة الضيقة، ما يفرض الاعتماد على المشاة في تفتيش المنازل، وهو نوع القتال الذي يفضله مجاهدو حزب الله، بحسب خبراء عسكريين.
وما يؤيد حتمية هزيمة كيان العدو في بنت جبيل هو الهزائم السابقة التي مني بها في هذه المدينة في عام 2006 و2024 وفشل خلالها في تحقيق أي نصر عسكري على الأرض نتيجة تكتيكات مجاهدي حزب الله التي كان لها الفضل في تراجع وهزيمة جيش العدو الصهيوني.
وحتى لا يتكرر السيناريو ذاته يلجأ جيش كيان العدو إلى سياسة “التدمير الشامل” للمربعات السكنية بهدف تحويل المدينة إلى أرض مكشوفة، وهي نفس السياسة التي سبق له استخدامها في عدوانه على قطاع غزة، غير أن العسكريين يؤكدون أن الركام الناتج عن تدمير تلك المربعات سيتحول إلى نقاط تحصن وقوة لمجاهدي حزب الله، ما يجعل السيطرة الكاملة على المدينة أمرًا في غاية الصعوبة حتى ولو نجح الكيان في احتلال أجزاء منها.
ويشير استهداف بنت جبيل بشكل مركز، في ظل المسارعة لحسم معركتها ولو بالتقاط صورة في بعض أحيائها، إلى العديد من الجوانب التي لم يستوعبها كيان العدو وأبرزها:
1- تعزيز حتمية الغرق الصهيوني في مستنقع الجنوب، خاصة في ظل قيادة المقاومة ومستوى إدارتها وسيطرتها المتحركة على جغرافيا الجنوب، وفي ظل ارتباط هذه الجبهة الوثيق بالجبهة الإيرانية الصامدة ما دفع العدو إلى الهروب نحو الأمام عبر القفز تحت مظلة المفاوضات المباشرة مع حكومة نواف سلام في واشنطن.
2- التغطية على الإخفاق الإسرائيلي الأمريكي في الجبهة الإيرانية في محاولة بائسة لتحقيق نصر على المقاومة يعد في حكم المستحيل.
3- محاولة استثمار الاندفاع اللبناني الرسمي نحو الحضن “الإسرائيلي” عبر المفاوضات المباشرة، التي تخلو من أدنى قدرة على التوافق، حيث أن الحكومة اللبنانية لا تملك قرار وقف إطلاق نار؛ لأن هذا القرار بيد المقاومة التي سبق لها رفض هذه المفاوضات؛ وهو ما أكد عليه الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، مساء الاثنين الماضي، من إن حزب الله سيواصل التصدي للعدوان الصهيونيعلىلبنان،مجددًاالتأكيدعلىأنلبنانيواجهعدواناإسرائيلياأمريكياوحشيامنذبدايةمعركة”أوليالبأس”.
4- يعتقد كيان العدو أن حسم هذه المعركة قادر على تفكيك حالة استعصاء انكسار المقاومة في كل جبهات المواجهة جنوب الليطاني، وهنا تبرز روح المغامرة للعدو الإسرائيلي التي قد تناسب قوى المقاومة أحياناً، ولن تخسر الكثير حال فشل مغامرتها.
وتبقى بنت جبيل أكثر من مجرد ساحة اشتباك عسكري؛ فهي تمثل عقدة استراتيجية ورمزًا معنويًا في معادلة الصراع الدائر جنوب لبنان، حيث تبدو المعركة فيها قائمة على حتمية تفوق المقاومة والانزلاق بالعدو نحو استنزاف طويل لن يكون قادرًا على تحمل تبعاته مستقبلا.
وفي ظل التجارب السابقة وطبيعة القتال داخل المدن، تظل بنت جبيل اختبارًا حقيقيًا لقدرة كل طرف على إدارة المعركة في بيئة معقدة، حيث لا تُحسم النتائج فقط بالقوة النارية، وإنما بالقدرة على الصمود، والمناورة، وقراءة مسار التصعيد في الإقليم ككل.
