تصدع متسارع في العلاقات.. النفور الأوروبي من واشنطن وكيان العدو يتراكم

2

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
14 أبريل 2026مـ – 26 شوال 1447هـ

تتوالى مواقف الدول الأوروبية مؤخراً والمعززة لحالة النفور من الولايات المتحدة الأمريكية وكيان العدو الإسرائيلي في خطوة تعكس تحولاً تدريجيًا في السياسة الخارجية لأوروبا.

جديد هذه المواقف هو ما أعلنته رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، اليوم الثلاثاء، بتعليقها اتفاقية الدفاع الثنائية مع الكيان الصهيوني، حيث يشمل الاتفاق الذي كان قائماً منذ سنوات تبادل المعدات العسكرية المتطورة وأوجه التعاون في مجالات أبحاث التكنولوجيا الدفاعية.

وقد جاء هذا الإعلان ليضع علامات استفهام حول مستقبل العلاقات الإستراتيجية بين روما وكيان العدو الإسرائيلي، خاصة في ظل الظروف الإقليمية المتوترة التي تشهدها المنطقة، وهو تحول يضاف إلى جملة المواقف الأوروبية تجاه الكيان والولايات المتحدة الأمريكية.

قبل هذا كانت هناك مواقف أوروبية ترجمت نسبيًا حالة الرفض للمسار الصهيو أمريكي، حيث منعت إسبانيا رسمياً واشنطن من استخدام قاعدتي “روتا” و”مورون”، وهي قواعد تعتبر أهم مراكز الدعم اللوجستي الأمريكي في منطقة البحر المتوسط لأي عمليات هجومية في المنطقة، مع إعلان رئيس وزرائها “بيدرو سانشيز” أن الحرب على إيران هي “عمل غير شرعي”.

وقبل تعليقها اتفاقية الدفاع مع الكيان، كانت إيطاليا قد أبدت ممانعة شديدة في استخدام قواعدها الجوية لتنفيذ ضربات على إيران، معتبرة أن أمن المتوسط يتأثر مباشرة بأي حرب في لبنان أو إيران، وصرحت بأنها لن تسمح بتحويل أراضيها إلى منصة انطلاق حرب لم يشارك البرلمان الإيطالي في اتخاذ قرارها، وقالت إنها ترفض تقديم تسهيلات خارج إطار “الدفاع عن النفس”.

فيما فرضت فرنسا قيوداً على مرور الطائرات الأمريكية في أجوائها المتجهة للمنطقة، في سياق بحث الرئيس الفرنسي ماكرون عن “الاستقلال الاستراتيجي”، ودعوة أصوات تيارات قوية في باريس للانسحاب من القيادة العسكرية الموحدة للناتو كما فعل ديغول في العام 1966م، احتجاجاً على انفراد واشنطن بقرار الحرب في الشرق الأوسط.

مع قيام سويسرا بتعليق صادرات أسلحة للولايات المتحدة بقيمة 120 مليون دولار، وعدم السماح لطائرات الحرب الأمريكية بالتحليق في أجوائها، حيث تشكل تلك الطائرات جزءاً من العمليات العدوانية على إيران.

وبرزت خسارة “فيكتور أوربان” ـ وهو حليف ترامب ونتنياهو الوثيق ـ الانتخابات الهنغارية لصالح حزب “تيزا” بقيادة “بيتر ماجيار”، والذي يعني تصويت الشارع المجري للتيار المخالف لحلفاء البيت الأبيض بعد أن كان تيار اليمين القومي هو “حصان طروادة” لترامب داخل الاتحاد الأوروبي، وإعلان الإدارة الهنغارية الجديدة عن توجه “أوروبي خالص” بعيداً عن أمريكا، وقد كان تيار أوربان المجري جزءاً من المحور الذي كان يعطل قرارات الاتحاد الأوروبي الموحدة تجاه واشنطن والكيان الإسرائيلي الغاصب.

وفي استمرار للسخط الأوروبي على واشنطن تشهد بلغاريا مظاهرات شعبية وحركات سياسية تطالب بالانسحاب الفوري من الحلف الأطلسي والهدف تجنب الانخراط في حروب مع روسيا أو إيران أو الصين.

وفي حين تضغط واشنطن لفرض حصار شامل على إيران، بدأت دول مثل ألمانيا – رغم حذرها – وفرنسا في التلميح إلى أن “أمن الطاقة” الأوروبي أهم من التضامن الأطلسي في حرب لا تخدم مصالح القارة.

ويبدو محور (باريس-مدريد-دبلن) قد تشكل فعلياً ليقف في وجه السياسات الأمريكية-الصهيونية، حيث أعلنت هذه الدول أنها لن تلتزم بأي توجيهات من الناتو إذا كانت تتعارض مع القانون الدولي أو استقرار البحر المتوسط.

انزعاج متواصل من واشنطن

ومن المهم التأكيد أن التحول الأوروبي عن تحالفات أمريكا العسكرية ليس وليد الحرب الأخيرة على إيران، فقد كان الإخفاق الأمريكي في تشكيل تحالف عريض باسم “تحالف الازدهار” للعدوان على اليمن أحد مؤشرات انفراط عقد التحالفات الأمريكية الغربية، ثم إن تجريب أوروبا لتحالفها الخاص والذي عُرف بـ”عمليات أسبيدس” وقادته اليونان كان كافياً لإدراك أوروبا أن كليهما (أمريكا وأوروبا) لم يعد بمقدوره عمل الكثير لاستمرار الهيمنة، وقد كان الاستنتاج الأوروبي المعزز لفكرة “أفول هيمنة أمريكا” أنه: “إذا كانت واشنطن قد عجزت أمام اليمن وفشلت في كسر حصار موانئ العدو الإسرائيلي طيلة عامين ونصف، فهي أعجز عن حماية أوروبا أو الدفاع عنها أمام روسيا كمثال”.

وفي الواقع فإن أوروبا كانت قد بدأت تحيد عن مسار أمريكا التي ترى أنها هيمنت عليها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، وأنه آن الأوان لأوروبا أن تبحث عن استقلالها كما عبر عن ذلك الرئيس الفرنسي ماكرون والمستشار الألماني في أكثر من مناسبة، والدول الأوروبية ذات الثقل السياسي والاقتصادي كانت تنظر إلى أن البقاء تحت المظلة الأمريكية أضرها كثيراً.

ولسنوات طويلة، اعتمدت أوروبا على الميزانية الدفاعية الأمريكية، لكن هذا الاعتماد تحول إلى نقطة ضعف عندما بدأت واشنطن تطالب برفع الإنفاق العسكري تحت مظلة الناتو، أو عندما تلوح الإدارات الأمريكية، خاصة في عهد ترامب بتوجهها لتقليل الدعم، وهذا جعل أوروبا تشعر بأن أمنها “رهينة” للسياسة الأمريكية.

وبعد حرب أوكرانيا، اضطرت أوروبا للتخلي عن الغاز الروسي الرخيص والاعتماد على الغاز المسال الأمريكي بأسعار مضاعفة، وهذا ما رأته أوروبا قد أثر على تنافسية الصناعة الأوروبية خاصة في ألمانيا، كما تنظر أوروبا بمرارة إلى الحوافز الضريبية الأمريكية الضخمة التي تسعى من خلالها لجذب الشركات الأوروبية لنقل مصانعها إلى الولايات المتحدة، وهو ما اعتبره البعض “حمائية اقتصادية” تضر بالحليف الأوروبي.

وفيما تراه أوروبا تعارضاً مع مصالحها السياسية، تجد نفسها اليوم مجبرة على تبني سياسات أمريكية قد لا تخدم مصالحها المباشرة، مثل أن تضغط واشنطن من أجل “الفصل” الاقتصادي التام عن الصين، بينما ترى أوروبا وخاصة فرنسا وألمانيا أن الصين شريك تجاري لا غنى عنه رغم التوترات، مع العلم أن ألمانيا تظل مرتبطة أمنياً بالولايات المتحدة وبشكل كبير.

شرخ العلاقات يتسع

وفي الشرق الأوسط ترى القارة العجوز أنها غالباً ما تتحمل التبعات المباشرة للسياسات الأمريكية في المنطقة مثل موجات اللجوء التي تخلفها حروب أمريكا وشريكها الصهيوني أو التهديدات الأمنية دون أن يكون لها الرأي القيادي في صياغة تلك السياسات.

واليوم هناك “شرخ” واضح يتسع يوماً بعد يوم بين ضفتي الأطلسي فيما يخص التعامل مع ملفات “الشرق الأوسط”، وتحديداً تجاه التصعيد العسكري ضد إيران ولبنان، وهذا الرفض الأوروبي بالمناسبة لا علاقة له في الواقع السياسي بـ”موقف أخلاقي” تتبناه أوروبا، وإنما هو نتاج مخاوف وجودية ومصالح استراتيجية تختلف جذرياً عن الرؤية الأمريكية.

فأوروبا أولاً ترى أنها المتضرر الأول من أي اشتعال شامل في المنطقة، وأي حرب واسعة في لبنان أو صدام مباشر جديد وواسع مع إيران وفي الخليج سيعني موجات نزوح بشرية هائلة نحو القارة العجوز، وهو أمر تخشاه الحكومات الأوروبية لأنه يغذي التيارات اليمينية المتطرفة ويهدد الاستقرار السياسي الداخلي في دول مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا.

وفي جوانب الطاقة ترى القارة العجوز أن الولايات المتحدة لديها اكتفاء نسبي من الطاقة، بينما تعتمد أوروبا بشكل كبير على استقرار خطوط الملاحة في المنطقة، وأي تهديد لمضيق هرمز أو منشآت الطاقة في الخليج نتيجة حرب مع إيران سيعني قفزة جنونية في أسعار النفط والغاز، وهذا قد يؤدي إلى انهيار الصناعات الأوروبية التي تعاني مشاكل كثيرة.

والأخطر من وجهة نظر كبار أوروبا (فرنسا، ألمانيا، وبريطانيا) تحديداً أن يؤدي التصعيد العسكري إلى دفع إيران نحو التسلح النووي الفعلي، وهو ما سينهي أي أمل في حل دبلوماسي ويجعل القارة في مرمى الخطر المباشر.

ومع ذلك فإن أوروبا لا تزال تعتمد تقنياً واستخباراتياً على الناتو في مواجهة روسيا، وهذا يجعل “التمرد” الأوروبي الحالي دبلوماسياً ولوجستياً أكثر منه قطيعة كاملة.

غير أنه في كل الأحوال فإن المظلة الأمريكية التي كانت تحمي أوروبا من المطر أصبحت جاذبة للصواعق والحروب والأزمات للقارة الأوروبية المنهكة، فيما المستقبل المزهر يبدو في اتجاه الشرق حيث وعود التطور الاقتصادي والاستقرار السياسي عبر بوابة الصين قطب القوة العالمي الجديد، وحيث لا مجال للقطب الواحد الذي تراه أوروبا العجوز في صالحها.