الهدنة الإيرانية ومحاولة إعادة الهيمنة الأمريكية

2

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
11 أبريل 2026مـ – 23 شوال 1447هـ

تُغري الهدنات العسكرية التحليل السياسي بالتعامل معها بوصفها لحظات فاصلة تُنهي طوراً وتفتح آخر، غير أن هذا الفهم يبقى قاصراً إذا لم يُدرج الحدث ضمن البنية التي أنتجته؛ فالحرب والهدنة شكلان متكاملان من أشكال إدارة التناقض داخل النظام الرأسمالي العالمي، وتُعاد صياغة الهدنة بوصفها امتداداً للحرب بأدوات مختلفة أقل تكلفة وأكثر قابلية للضبط.

تبيّن هدنة 7 أبريل 2026م بين إيران والولايات المتحدة طبيعة الصراع القائم بوصفه صراعاً غير محسوم، إذ عجزت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني عن تحقيق أهدف العدوان، وفي هذه الظروف لا تمثل الهدنة نهاية للحرب، بل تعبر عن مرحلة جديدة داخل الحرب ذاتها، وهكذا تسعى الولايات المتحدة من خلال الهدنة إلى ضبط مستوى التصعيد وإبقاء الصراع ضمن حدود يمكن التحكم بها، بما يمنع تحوله إلى أزمة أوسع تهدد استقرار النظام العالمي الذي تُهيمن عليه الإمبريالية الغربية ويسود فيه البترودولار، وفي المقابل تعكس هذه الهدنة حقيقة موازية، وهي فشل القوة الإمبريالية في تحقيق حسم عسكري، مقابل نجاح إيران في الصمود وفرض معادلات ردع حدّت من قدرة الخصم على فرض شروطه.

يفرض هذا المنظور الانتقال من تحليل “ما حدث” إلى تحليل “كيف يعمل النظام”، أي من وصف الوقائع إلى تفكيك آليات إنتاجها، ويتصل الأمر ببنية عالمية تحدد سقف الفعل السياسي والعسكري، وتفرض إكراهاتها على جميع الأطراف بدرجات متفاوتة، مع اتساع هامش المناورة لدى قوى المقاومة التي نجحت في كسر احتكار الفعل الاستراتيجي.

الحرب والهدنة
تُظهر الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران -في ذروة التصعيد- قدرتها على إلحاق أضرار ملموسة بالبنية العسكرية وبعض المنشآت الاقتصادية، بما في ذلك استهداف مواقع صاروخية ونووية وبنى تحتية حيوية، غير أنها تكشف -في الوقت ذاته- حدود هذا التأثير، حيث لم تتمكن هذه الضربات من تحقيق هدف سياسي حاسم يتمثل في إخضاع إيران أو تفكيك قدرتها على الرد، بل حافظت طهران على تماسكها واستمرت في إدارة المواجهة ضمن معادلة ردع متبادلة.

عندما بلغت العمليات العسكرية هذا السقف تحولت الحرب إلى عبء متزايد على الولايات المتحدة، سواء من حيث الكلفة الاقتصادية أو مخاطر اتساع الصراع إقليمياً، ما دفعها إلى الانتقال نحو صيغة أقل كلفة عبر طلب هدنة مؤقتة تعكس الحاجة إلى احتواء نتائج الفشل في تحقيق اختراق استراتيجي سريع.

تؤدي هذه الهدنة وظيفة مزدوجة؛ فهي -من جهة- تُوقِف مسار التصعيد الذي كاد يتجاوز حدود السيطرة، ومن جهة أخرى تتيح لواشنطن إعادة ترتيب أدوات الضغط، مقابل سعي إيران ومحور المقاومة إلى استثمار صمودهم العسكري في تحسين شروط التفاوض وفرض معادلات جديدة في توازن القوى.

في هذا السياق، ينتقل الصراع من نمط المواجهة العسكرية المباشرة إلى شبكة من الضغوط المركّبة، حيث تتراجع الضربات الواسعة لصالح أدوات أخرى مثل تشديد العقوبات، والتحكم في الممرات الحيوية، وإدارة التوتر في الساحات الإقليمية، وهو ما يعكس انتقال الولايات المتحدة من محاولة الحسم العسكري إلى إدارة الصراع، ويكشف في الوقت ذاته محدودية قدرتها على فرض إرادتها دون كلفة متصاعدة.

التراتبية العالمية وحدود الفعل السياسي
يُفهم سلوك الولايات المتحدة وإيران في ضوء موقعهما داخل التراتبية العالمية، كالآتي:

تحتل الولايات المتحدة موقع المركز، وتمتلك أدوات الهيمنة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية، وتسعى إلى الحفاظ على هذا الموقع عبر ضبط توزيع القوة على المستوى العالمي، في مواجهة قوى تسعى إلى كسر هذا الاحتكار.

في المقابل، تمثل إيران قوة مقاومة تسعى للخروج من بُنية التبعية، وترسيخ استقلالها السياسي والاقتصادي، رغم القيود البنيوية المفروضة عليها، مستفيدة من تآكل النظام الأحادي القطبية، وصعود تعددية دولية ناشئة.

ينشأ الصراع من التناقض بين سعي المركز إلى تثبيت قواعد النظام، وسعي قوى المقاومة إلى تعديلها أو تجاوزها. ويتجه المركز الإمبريالي إلى احتواء هذه القوى ضمن حدود محددة، غير أن التجربة الإيرانية تُظهر قدرة متزايدة على مقاومة الاحتواء، وفرض معادلات جديدة في التوازن الإقليمي.

في المقابل، تتحرك إيران نحو إعادة التفاوض على شروط اندماجها في النظام العالمي من موقع أكثر قوة، بعد أن عززت موقعها بفعل الصمود العسكري، وتسعى إلى تعديل نمط التعامل الدولي معها عبر تقليص أثر العقوبات، وفتح المجال أمام مشاركتها في النشاط الاقتصادي العالمي بما يخدم صناعاتها الوطنية ورأسمالية الدولة، ويعزز الاستقرار الداخلي ويرفع مستوى المعيشة.

الاقتصاد العالمي كقيد بنيوي على الحرب
لا تتحرك الحرب في فراغ، بل ضمن شبكة معقدة من العلاقات الاقتصادية التي تحدد سقفها وحدودها. تمثل الطاقة، وسلاسل الإمداد، والتدفقات المالية، ركائز أساسية في عمل النظام الرأسمالي، ما يجعل أي اضطراب فيها ذا تأثير مباشر على الاستقرار العالمي.

عندما يهدد الصراع هذه الركائز يتحول إلى خطر يتجاوز الأطراف المباشرة، ويمس بنية النظام ككل. هنا تتدخل قوى متعددة، من دول صناعية كبرى إلى شركات عابرة للحدود، لفرض قيود على التصعيد العسكري، وإعادة الصراع إلى مستوى يمكن التحكم به، بما يحد من قدرة الولايات المتحدة على استخدام القوة دون حسابات اقتصادية دقيقة.

لا ينبع الضغط نحو التهدئة من إرادة سياسية مجردة، بل من حاجة موضوعية للنظام الرأسمالي العالمي إلى الحفاظ على انتظام تدفق الموارد، وتمثل الهدنة المؤقتة -في هذا السياق- استجابة لهذه الحاجة، إذ تعيد فتح الممرات، وتخفف من تقلبات الأسواق، وتمنع انهيار الثقة في سلاسل الإمداد، وهو ما تستثمره قوى المقاومة لتعزيز موقعها التفاوضي.

يفرض هذا الواقع حدوداً على جميع الأطراف، بما في ذلك القوى الكبرى ومنها دول القارة الأوربية، التي تجد نفسها مضطرة إلى التخلي النسبي عن الولايات المتحدة في هذه الحرب. لا تستطيع الولايات المتحدة -رغم تفوقها- خوضَ حرب مفتوحة طويلة لوحدها إذا كانت ستؤدي إلى اضطراب واسع في الاقتصاد العالمي، كما لا تستطيع إيران الاستمرار في التصعيد إلى حد يهدد بانهيار كامل لبنيتها التحتية، ما يجعل الوصول إلى التوازن بين الصمود والتهدئة جزءاً من استراتيجيتها في مواجهة الهيمنة.

الطاقة والممرات
تمثل الممرات البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، نقطةَ التقاء بين الجغرافيا والسياسة والاقتصاد، وتمتد أهميتها من بعدها الاستراتيجي العسكري إلى دورها في نقل الطاقة التي تشكل عصب الاقتصاد العالمي. يمنح التحكم بهذه الممرات قدرة على التأثير في تدفقات الموارد، وبالتالي في توازنات القوة على المستوى العالمي، وتُستخدم هذه القدرة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة تثبيت أو كسر موقع الدولة داخل النظام.

عندما تهدد إيران بإغلاق المضيق أو تقييد المرور، فإنها لا تستهدف خصومها عسكرياً فحسب، بل تضغط في العمق على البنية الاقتصادية للنظام العالمي الذي تقوده القوى الإمبريالية، ما يدفع الأطراف الأخرى إلى التدخل حفاظاً على استقراره. وفي المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى ضمان بقاء هذه الممرات مفتوحة، ليس فقط لأسباب اقتصادية، بل للحفاظ على دورها كضامن للنظام العالمي وأحد أعمدة هيمنتها عليه، إذ يربط هذا الدور بين القوة العسكرية والاقتصادية في إطار واحد.

التكنولوجيا الاستراتيجية
تمثل التكنولوجيا -وخاصة في مجالات الطاقة والنووي- أحد أبرز محددات الموقع داخل النظام العالمي. تحتكر قوى المركز الإمبريالي هذه التكنولوجيا، وتفرض قيوداً على انتشارها حفاظاً على تفوقها، وعندما تسعى دولة “من دول الأطراف” مثل إيران إلى امتلاك هذه القدرات فإنها لا تتحدى نظاماً تقنياً فقط، بل بنية كاملة من السيطرة الإمبريالية، إذ ينظر المهيمن الأمريكي إلى هذا السعي بوصفه تهديداً، لأنه يفتح المجال أمام إعادة توزيع القوة، ويقوض احتكار المركز للأدوات الاستراتيجية.

كشفت الحرب حدود القدرة على منع هذا الانتقال بالقوة، إذ تؤدي الضغوط العسكرية إلى تعزيز الدوافع نحو امتلاك أدوات الردع بدلاً من إضعافها، ويتحول البرنامج النووي -في هذا السياق- إلى أداة تفاوض ووسيلة لفرض الوجود السيادي، لا مجرد مشروع تقني. كما قد تدفع هذه الضغوط إيران إلى إعادة النظر في عقيدتها النووية التي كانت تُحرّم امتلاك السلاح النووي.

العقوبات كآلية هيمنة وإعادة تشكيل الاقتصاد
تشكل العقوبات الاقتصادية أداة مركزية ضمن بنية الهيمنة الإمبريالية، وتعمل على إعادة تشكيل اقتصادات دول الأطراف أو شبه الطرفية عبر فصلها عن شبكات التمويل والتجارة والتكنولوجيا، وإجبارها على إعادة التكيف ضمن شروط مفروضة من “المركز”.

تؤدي هذه العملية إلى تفكيك البنية الإنتاجية المحلية، وتعزيز الطابع الريعي أو غير المتوازن للاقتصاد، بما يعمّق الاعتماد على الخارج حتى في لحظة المواجهة، وتسهم في إعادة إنتاج موقع الدولة داخل النظام بوصفها طرفاً محدود القدرة.

في الحالة الإيرانية فرضت العقوبات قيوداً بنيوية على الاقتصاد، لكنها دفعت أيضاً نحو أنماط تكُّيفٍ مقاوِمة تقوم على الالتفاف وإعادة توجيه التجارة وتعزيز بعض القطاعات الوطنية، ويستمر أثرها في إعادة تشكيل الاقتصاد بما يعكس هذا الصراع البنيوي، فتتحول المفاوضات حول رفع العقوبات إلى ساحة صراع على شروط الاندماج في النظام العالمي، حيث تسعى إيران إلى توسيع هامشها الاقتصادي، بينما تحافظ الولايات المتحدة على هذه الأداة العدوانية لإعادة إنتاج الهيمنة بصيغ مختلفة.

وحدة الساحات
يمتد الصراع إلى شبكة من الجبهات الإقليمية التي تتحرك بوصفها امتدادات للصراع المركزي، وتتوزع بين الخليج وشرق المتوسط والعراق وساحات أخرى، حيث يجري اختبار التوازنات وإرسال الرسائل وتعديل المواقع.

تعتمد الولايات المتحدة وحلفاؤها استراتيجية تفكيك الجبهات وعزل كل ساحة، بما يسمح بالتحكم في مستوى التصعيد، وتقليص قدرة قوى المقاومة على الاشتراك في المعركة بشكل متزامن وتكثيف الضغط على الكيان الصهيوني والوجود الاستعماري الأمريكي.

في المقابل، تسعى إيران وقوى المقاومة في المنطقة إلى ربط هذه الساحات ضمن تصور يقوم على وحدة الصراع مع العدو الإمبريالي الصهيوني، بما يرفع كلفة العدوان على شعوب المنطقة، ويعزز القدرة على المقاومة والمناورة العسكرية والضغط السياسي.

ينتج عن هذا التباين بين سياسة التفكيك الأمريكية–الصهيونية وسياسة التوحيد التي تعتمدها قوى المقاومة توترٌ مستمر في بنية الصراع، وفي الوضع الراهن يسعى العدو إلى تثبيت الهدنة في الساحة الإيرانية مع الاستفراد بساحات أخرى لتفكيك هذا الترابط، وهي سياسة ممتدة تاريخياً، كما في نهج الـ”خطوة خطوة” الذي اعتمدته الولايات المتحدة في عهد هنري كيسنجر لعقد تسويات منفردة تُضعف الجبهة العربية الشاملة.

أزمة الهيمنة وحدود القدرة على الحسم
تكشف الحرب والهدنة معاً أزمةً في قدرة الولايات المتحدة على فرض إرادة حاسمة على إيران، حيث لم ينجح التفوق العسكري في إخضاعها، أو تحويل الضربات إلى نتائج سياسية مستقرة، بل حافظت طهران على تماسكها، واستمرت في إدارة المواجهة ضمن حدود محسوبة، وفي المقابل، وسّعت هامش حركتها داخل النظام الدولي، مستفيدة من قدرتها على الصمود والضغط على الممرات الحيوية وفي مقدمتها مضيق هرمز.

الاتجاه العام
يتحرك مسار الصراع بين الولايات المتحدة وإيران داخل حدود البنية العالمية التي تضبط إيقاعه، ويتحدد مستقبل الهدنة وفق تفاعل عوامل بنيوية، في مقدمتها استقرار تدفقات الطاقة، وقدرة الأطراف على تحمل الكلفة، وتوازن القوى الإقليمي.

ضمن هذا الإطار يتجه الصراع نحو ثلاثة مسارات رئيسية: يتمثل الأول في تمديد الهدنة واستمرار حالة التوازن الهش، حيث تُدار التناقضات عبر التفاوض والضغط غير المباشر. ويتمثل الثاني في عودة التصعيد نتيجة اختلال التوازن أو تعثر إدارة إحدى الجبهات أو تصاعد الضغوط الداخلية. أما الثالث فيتجه نحو تسوية جزئية تعيد تنظيم العلاقة بين الأطراف عبر تنازلات محدودة تسمح باستقرار نسبي، مع بقاء جذور الصراع قائمة.

تعكس هذه المسارات طبيعة الهدنة بوصفها جزءاً من دورة مستمرة في إدارة التناقض، حيث يتصاعد التوتر ثم يُحتوى، قبل أن يعود ضمن شروط جديدة. تؤدي الهدنة وظيفة تنظيمية داخل هذه الدورة عبر منع الانفجار الكامل، وإعادة توزيع الأدوار، وترتيب أدوات الصراع بين العسكري والاقتصادي والسياسي، مع استمرار الأسباب البنيوية المرتبطة بعدم التكافؤ في توزيع القوة والثروة.

في هذا السياق، يتجلى الصراع بوصفه عملية مستمرة لإعادة إنتاج التوازن داخل النظام الرأسمالي العالمي، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على موقعها المهيمن، بينما تتحرك إيران وقوى المقاومة لتعديل هذا الموقع وكسر بعض قيوده، مستفيدة من قدرتها على الصمود وتوسيع هامش المناورة، ما ينتج نمطاً من الاستقرار الهش تُدار فيه الأزمات دون حسم نهائي.