المقاومة تُرسّخ معادلة الردع في وجه الخروقات الصهيونية: العين بالعين والجغرافيا مقابل الجغرافيا
ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
11 أبريل 2026مـ – 23 شوال 1447هـ
تثبت المقاومة الإسلامية في لبنان، عبر سلسلة عملياتها النوعية والمكثفة التي نُفذت اليوم السبت، ضمن عمليات معركة “العصف المأكول”، أن يدها لا تزال هي العليا في الميدان، وأن التزامها بوقف إطلاق النار كان نابعًا من مسؤولية وطنية، قابله العدو الصهيوني بغدره المعهود وخروقاته المتواصلة لقرى الجنوب ومدينتي “النبطية وصور”.
وتُعد مدينة “النبطية” ثقل استراتيجي واجتماعي جنوبي اللبناني، واستهدافها من قبل العدو قوبل باستهداف “صفد”، التي تمثل مركز القيادة الشمالية للعدو وعصب العمليات والخدمات في الجليل الأعلى، والرسالة: إذا مسستم بمراكزنا الحيوية في الجنوب، سنضرب مراكزكم الحيوية في العمق.
كما أنّ “صور” اللبنانية مدينة ساحلية كبرى، والرد في “نهاريا” المدينة الساحلية الفلسطينية المحتلة والمقابلة، يثبت معادلة المدن الساحلية؛ فالمقاومة تقول إن أمان مدننا الساحلية مرتبط بأمان مستوطناتكم الساحلية، وبالتالي إذا ما استهدفت بيروت؛ فلن تكون يافا المحتلة “تل أبيب” في منأى نيران المقاومة.
ومع دخول المقاومة مرحلة فرض الثمن، باتت هي من تختار أهدافًا وترسم جغرافيا الردع، ولا تقصف بشكّلٍ عشوائي، مرسخةً استراتيجية عسكرية دقيقة تعتمد “العين بالعين والجغرافيا مقابل الجغرافيا”، وعلى التدرج في استهداف العمق اللوجستي والبشري والحيوي للعدو، محولةً جبهة الشمال إلى ساحة استنزاف تقض مضاجع المستويين السياسي والعسكري داخل الكيان المؤقت.
وفي تفاصيل المشهدية؛ تبعث المقاومة برسائل سياسية وميدانية حازمة مفادها أن استمرار العدوان الصهيوني المدعوم أمريكيًّا سيجابه بردود متصاعدة لا تتقيد بحدود جغرافية، وأن أمن المغتصبات الصهيونية معلق بمدى التزام الاحتلال بالاتفاقات، وإلا فإن النيران ستطال كل ما يقع تحت ناظر المجاهدين.
ووفقًا للمعطيات الميدانية؛ فقد توزعت خريطة الأهداف التي دكتها المقاومة اليوم، لتشمل مفاصل حيوية في عمق “الجليل” المحتل والمناطق الحدودية، حيث كان لمدينة “صفد” المحتلة نصيب وافر من العمليات الصاروخية التي استهدفت بناها التحتية العسكرية، وهو استهداف يحمل أبعادًا استراتيجية كبرى نظرًا لموقع صفد كمركز قيادي وإداري متقدم لقوات العدو.
وفي ذات السياق، جاء استهداف قاعدة “عميعاد” شمالي بحيرة “طبريا” بصلية صاروخية ليؤكد قدرة المقاومة على تجاوز الخطوط الدفاعية والوصول إلى القواعد اللوجستية التي تغذي العمليات الصهيونية، ما يعني شل قدرة العدو على المناورة وتأمين خطوط إمداده.
ولم تكن المعسكرات والثكنات الصهيونية بمنأى عن هذا الغضب الصاروخي والمسيّر، حيث طالت العمليات قصف معسكر الـ “100” شمالي مغتصبة “أييليت هشاحر” بصليةٍ صاروخية ردًّا على خرق العدو للاتفاق واعتداءاته على قرى الجنوب.
كما جاءت العمليات التي استهدفت ثكنة “يعرا” وثكنة “متات” بسربٍ من المسيّرات الانقضاضية، كإشارةٍ واضحة إلى تطور التكتيكات الهجومية للمقاومة التي تجمع بين الكثافة النارية الصاروخية والدقة الجراحية للمسيّرات، ما أدى إلى تشتيت منظومات الرصد الصهيوني وإيقاع الخسائر المباشرة في مراكز التجمع والقيادة.
وفي “كريات شمونة”، تجلى الفشل الاستخباراتي والتقني للعدو في أوضح صوره؛ إذ استهدفت المقاومة تجمعات لجنود وآليات جيش الاحتلال بصلية صاروخية صباحًا، تلتها عمليات ضربت مغتصبات “المطلة ومسكاف عام وأدميت”.
واللافت في هذا السياق، ما اعترف به جيش الاحتلال نفسه حول فشل منظومات الدفاع الجوي في رصد الصواريخ التي سقطت على “كريات شمونة”، وعدم تفعيل صفارات الإنذار، ما يعزز فرضية نجاح المقاومة في ابتكار أساليب تضليل تقني تضع “القبة الحديدية” خارج الخدمة.
هذا الإخفاق الصهيوني انسحب على تفعيل 476 إنذارًا خلال الـ 24 ساعة الماضية جراء إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة من جنوب لبنان باتجاه الجليل والجولان، من “نهاريا” و”صفد” التي استهدفتا ردًّا على الاعتداءات على مدينة “صور والنبطية”، وصولاً إلى مغتصبات “أفيفيم ويرؤون وشوميرا”، حيث استخدمت المقاومة في الأخيرة سلاح المسيّرات الانقضاضية لضرب البنى التحتية العسكرية، مؤكّدةً أن كل خرق في الجنوب اللبناني سيقابله دمار موازٍ في العمق الاستيطاني.
في الإطار؛ يؤكّد خبراء عسكريون، أن عبقرية وقدرة المقاومة تتجلى في تحويل الميدان العسكري إلى منصة لفرض المعادلات السياسية والعسكرية، حيث تعيد رسم جغرافيا الردع بدقة متناهية من خلال ربط مراكز الثقل في الجنوب اللبناني بالمراكز الحيوية في عمق الجليل؛ فعندما تختار المقاومة مدينة صفد المحتلة للرد على استهداف مدينة النبطية؛ فهي تضرب مركز القيادة الشمالية للعدو وعصبه اللوجستي والتقني، مرسلةً رسالة حازمة بأن المساس بالحواضر الكبرى في الجنوب سيقابله شلل تام في المراكز الإدارية والعسكرية القيادية للاحتلال، ما يضع العمق الاستراتيجي الصهيوني في كفة موازية تمامًا للأمن اللبناني.
ويمتد هذا التناظر الجغرافي ليشمل الواجهة البحرية، حيث يظهر الربط بين مدينتي “صور ونهاريا” كمعادلةٍ ساحلية صريحة تهدف إلى إفهام العدو أن أمان مستوطناته الشمالية المطلة على المتوسط مرهون بكف يده عن المدن الساحلية اللبنانية.
ومن خلال هذا التدرج في اختيار الأهداف، تميز المقاومة بذكاء بين ضرب البنى التحتية لجيش العدو في صفد لتعطيل قدراته القتالية، وبين استهداف المغتصبات في نهاريا، وهو ما يمثل ضغطًا مباشرًا على الجبهة الداخلية الصهيونية، ويحول المغتصبين الصهاينة إلى ورقة ضغط على حكومتهم التي تقامر بأمنهم عبر استمرار خروقاتها للاتفاق.
من الناحية السياسية والقانونية، يمثل تكرار المقاومة لعبارة “بعدما التزمت المقاومة ولم يلتزم به العدو” استراتيجية دفاعية تهدف إلى انتزاع شرعية الردّ أمام المجتمع الدولي والداخل اللبناني، حيث تضع الاحتلال في موضع المعتدي الذي نكث العهود، وتصور عملياتها كفعل اضطراري وشرعي لحماية السيادة.
الانضباط المسبق الذي تلاه ردّ ناري كثيف بصليات صاروخية، يعكس جهوزية عالية في بنية القيادة والسيطرة، ويثبت أن أجهزة الرصد والتنفيذ لدى المقاومة لا تزال تعمل بتناغمٍ تام وسرعة فائقة، ما يبدّد أيّ أوهام لدى العدو حول تراجع القدرات القتالية بعد دخول الاتفاق حيز التنفيذ.
اعترافات وسائل إعلام العدو، التي تُشير إلى إطلاق أكثر من 40 صاروخًا منذ الصباح الباكر، تعكس نفَس المقاومة الطويل وقدرتها على إدارة المعركة وفق جدول زمني يخدم أهدافها الدفاعية؛ فالمقاومة، باستهدافها لـ “نهاريا وصفد وبلدات الجليل الغربي”، تضع ملايين المغتصبين الصهاينة تحت ضغط النزوح المستمر، محولةً تلك المستوطنات إلى مناطق غير قابلة للحياة العسكرية أو المدنية.
ويرى الخبراء أنّ استراتيجية انتقاء الأهداف بالنسبة للمقاومة لم تكن عشوائية، وإنّما ركزت على البنى التحتية التابعة لجيش العدو لإضعاف قدرته الهجومية، وعلى تجمعات الجنود لإيقاع أكبر قدر من الخسائر البشرية، وعلى الثكنات الحدودية لتعميق فجوة الرؤية لديه.
وفي نهاية المطاف، تأتي هذه العمليات لتكسر نشوة الانتصارات الموهومة التي يحاول قادة الاحتلال تصويرها لمجتمعهم عبر الخروقات الاستفزازية، إذ تؤكد المقاومة عبر صواريخها أن اتفاق وقف إطلاق النار ليس صك استسلام، وإنّما هو تنظيم للقوة التي تظل يدها على الزناد.
وبالنتيجة؛ فإنّ المسار التصاعدي يؤكّد أن المقاومة هي من تملك المبادرة في تحديد ثمن الخرق، وأنها قادرة على إدارة الصراع ببرود أعصاب عسكري مذهل، محولةً اعتداءات العدو إلى فرصة لإعادة تثبيت قواعد اشتباك أكثر صرامة، تضمن من خلالها حماية القرى والمدن اللبنانية تحت ظلال النار لا تحت رحمة الوعود.
