أوروبا لترمب: “هـذه حربـكم لا حربنا”

1

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
3 أبريل 2026مـ – 15 شوال 1447هـ

تقرير || يحيى الشامي

نجحت إيران الصبورة والمقاتلة في إيصال الموقف بين الحليفين القديمين (أوروبا المطيعة تقليدياً وأمريكا المهيمنة تاريخياً) إلى وضعه الأسوأ في تاريخيهما..

اليوم يصل التصعيد الأمريكي إلى ذروته بتصريحات الرئيس ترمب لصحيفة “الديلي تلغراف” البريطانية، حين وصف الناتو بأنه “نمر من ورق”، وأكد أنه يدرس “بجدية كبيرة” سحب الولايات المتحدة من الحلف، معتبراً أن الأمر “بات أبعد من مجرد إعادة النظر”.

وأشار وزير الخارجية ماركو روبيو إلى أن واشنطن “ستضطر إلى إعادة تقييم علاقتها بالناتو” بعد انتهاء النزاع، فيما قال وزير الدفاع بيت هيغسيث إن “كثيراً من الأمور انكشفت” حول مدى استعداد الحلفاء للقيام بشيء من أجل الولايات المتحدة “عندما نخوض جهداً بهذا الحجم نيابة عن العالم”.

وهي تصريحات تعكس إحباطاً أمريكياً عميقاً من فشل واشنطن في تأسيس “تحالف دولي” واسع كما اعتادت في شن حروبها وفشلت اليوم في عدوانها على إيران، في مشهد يذكّر بفشل إدارة جو بايدن في تأسيس ما أسمته “تحالفَ الأزمة” لحماية الملاحة في البحر الأحمر مطلع العام 2024.

ما خلفيات الموقف الأوروبي وسياقه؟
مع دخول العدوان الأمريكي على إيران شهره الثاني، تتسع الهوة عبر الأطلسي إلى درجة غير مسبوقة، ويتحول الحلف التاريخي من “تكتل عسكري موحد” إلى ساحة صراع سياسي علني، حيث ترفض عواصم أوروبية كبرى الانصياع لأوامر واشنطن، في مشهد يذكر بانقلاب تاريخي على “طاعة” القارة العجوز.

نجحت طهران، وبقدرة غير متوقعة، في تعزيز الشرخ بين واشنطن وحلفائها القدامى، وتجريد الموقف الأمريكي -المعتاد على القتال من خلف تحالفات واسعة- من غطائه الدولي. فقد صُنع تدهور غير مسبوق في العلاقات عبر الأطلسي، تُرجم على الأرض إلى “فيتو” أوروبي جريء بدأ يظهر تباعاً في عواصم القرار، ليُعيد رسم خريطة التحالفات الغربية بما يتجاوز مجرد الخلافات الدبلوماسية العابرة.

ففي مشهد يدخل التاريخ، لم يعد الناتو “الحصن الحصين” الذي يُحتشد خلفه الأمريكيون في حروبهم، بل تحول إلى ساحة مواجهة مباشرة بين واشنطن المتسلطة وأوروبا المتمردة، في لحظة فارقة تُذكّر بأن القرار العسكري الغربي لم يعد حكراً على البيت الأبيض.

إسبانيا: الموقف الأشد صرامة.. من القواعد إلى الأجواء
تتصدّر مدريد -وبشكل مفاجئ- جبهة الرفض الأوروبي بموقف هو الأشد وجهاً لوجه على إدارة دونالد ترمب. فقد بدأ الموقف الإسباني بمنع استخدام القاعدتين العسكريتين المشتركتين في “روتا” و”مورون” (الواقعتين في الأندلس منذ عقود)، ليصل ذروته بإغلاق الأجواء الإسبانية بالكامل أمام أي نشاط عسكري أمريكي مرتبط بالحرب على إيران.

وكان رئيس الوزراء الاشتراكي بيدرو سانشيز قد تبنى موقفاً صارماً تجاه العدوان الأمريكي، واصفاً إياه في البرلمان بـ”العبثي والوحشي وغير المشروع”، ومؤكداً أنه يمثل سيناريو “أسوأ بكثير” من غزو العراق عام 2003، وترجم هذا الموقف عملياً برفض كل خطط الطيران المرتبطة بالعملية في إيران، بما في ذلك طائرات التزود بالوقود”، وهو الموقف “الجريء” الذي تسبب بدفع الرئيس ترمب إلى رفع سقف تهديداته التجارية ضد مدريد، في سابقة تعكس مدى الاضطراب الذي أصاب العلاقات التقليدية بين الحليفين.

إيطاليا: حليف مقرب وموقف صادم
ورغم العلاقة الإيجابية التي تربط حكومة اليمين -بقيادة جورجيا ميلوني- بإدارة ترمب، إلا أن الطائرات الأمريكية وجدت أبواباً مغلقة في صقلية، فقد رفضت روما -وفق ما نقلته وكالة “رويترز” عن مصادر مطلعة- السماح لقاذفات أمريكية بالهبوط في قاعدة “سيغونيللا” الاستراتيجية (إحدى أهم قواعد الناتو في المتوسط).

واختارت إيطاليا تبرير الرفض بـ”عدم تقديم واشنطن طلباً رسمياً مسبقاً”، و”عدم استشارة القيادة العسكرية الإيطالية”، وهو ما يُعدّ مخالفة للمعاهدات الثنائية المنظِّمة لاستخدام القواعد الأمريكية على الأراضي الإيطالية. غير أن المصادر تؤكد أن القرار يخفي توجساً سياسياً عميقاً من الانجرار إلى مواجهة إقليمية شاملة، خاصة مع ضغوط أحزاب المعارضة التي تحذر من تداعيات “التورط في صراع لا يعني إيطاليا”.

فرنسا: الانحياز الذكي وعقدة التبعية
في باريس، اختارت النخبة الفرنسية الانحياز الذكي عبر تقييد مرور الأسلحة الأمريكية المتجهة إلى “إسرائيل”، دون إعلان رسمي بإغلاق المجال الجوي بالكامل. هذا التوازن الدقيق بين الالتزامات الأطلسية ورفض الظهور كطرف في الهجمات، دفع ترمب إلى وصف فرنسا -علناً على منصة “تروث سوشيال”- بأنها “دولة غير متعاونة”. وسريعاً استغلت النخبة الفرنسية الخطوة الأوروبية للدعوة إلى التحرر من التبعية الأمريكية باعتبارها فرصة تاريخية لتخليص أوروبا من “عقدة التبعية” التاريخية لواشنطن. ولم تتردد وزيرة الدولة لشؤون الجيش الفرنسي في التأكيد على أن “الناتو حلف لأمن أوروبا والأطلسي، لا لتنفيذ عملية بمضيق هرمز ضد القانون الدولي”، في إشارة واضحة إلى أن الحرب الأمريكية على إيران تخرج عن إطار الدفاع الجماعي.

بولندا: “الحليف الأوثق” يتمرد
فيما يعد مفاجأة من العيار الثقيل، امتنعت بولندا -التي تُعتبر عاصمة الناتو الشرقية والحليف الأوثق لواشنطن- عن الاستجابة لطلب أمريكي بنقل منظومات “باتريوت” الدفاعية إلى الشرق الأوسط، وأكد وزير الدفاع البولندي “ولاديسلاف كوسينياك كاميش” أن “أمن بولندا يمثل أولوية مطلقة”، مفضلاً حماية المجال الجوي البولندي والجناح الشرقي للحلف على “نجدة واشنطن”.

يُوصف هذا الحدث بـ”الزلزال” بمقياس العلاقات بين الناتو والبنتاغون، إذ يمثل المرة الأولى التي ترفض فيها عاصمةٌ شرق أوروبية تقليدية طلباً عسكرياً أمريكياً بهذا الحجم، ما يفتح الباب أمام تداعيات استراتيجية عميقة على مستقبل الحلف.

بريطانيا وألمانيا بين الصمت الاحتياطي والرفض الضمني
على الجانب البريطاني، شدد رئيس الوزراء “كير ستارمر” على التزام لندن بالناتو، لكنه أكد بكل وضوح: “هذه ليست حربنا، ولن نُجرّ إليها”، في موقف يُقرأ كرفض ضمني للانخراط في العدوان رغم الضغوط الأمريكية المستمرّة والمتصاعدة.

أما برلين -التي كانت متحمّسة ومشجعة للعدوان على إيران- فقد اختارت الآن الصمت الدبلوماسي الحذر، مكتفية بالتأكيد على أن “الحلف دفاعي لحماية أراضي أعضائه”، في إشارة إلى أن المادة الخامسة من ميثاق الناتو (الدفاع الجماعي) لا تشمل العمليات الاستباقية في الشرق الأوسط.

هل نحن أمام سقوط “الغطاء الدولي” وولادة “الفيتو” الأوروبي
بعيداً عن دوافع كل دولة على حدة، تكمن الحقيقة الجوهرية في أن واشنطن تُسجّل إخفاقاً دبلوماسياً يوازي فشلها العسكري، فقد عجزت الإدارة الأمريكية عن تجميع تحالف دولي يُشبه “حلف الازدهار” أو “قوات التحالف” التي شُكّلت في حروبها السابقة، لتجد نفسها منعزلة في حرب تفتقر إلى الشرعية الدولية والتفويض الأممي.

هذا الإخفاق يُذكّر بمحطات تاريخية مشابهة، من بينها رفض فرنسا وإيطاليا وإسبانيا استخدام أجوائها في قصف ليبيا عام 1986، ومعارضة باريس وبرلين لغزو العراق عام 2003، ورفض تركيا (عضو الناتو) استخدام أراضيها في تلك الحرب.

غير أن المشهد الراهن يختلف في كونه يأتي في سياق تصدّع بنيوي للعلاقات عبر الأطلسي، بدأ في ولاية ترمب الأولى، وتعمق مع الحرب الأوكرانية ومحاولة الاستحواذ على غرينلاند، وصولاً إلى لحظة “التمرد” الأوروبي على الحرب على إيران.

ومع استمرار العدوان الأمريكي ودخوله شهره الثاني، يبدو أن أوروبا تمر بمرحلة “توتر غير مسبوق” قد تعيد تشكيل طبيعة علاقتها بواشنطن، فقد تحولت الحرب على إيران من معركة عسكرية إلى ساحة اختبار لحدود “الطاعة” الأوروبية، وفرصة لـ”التخلص من عقدة التبعية التاريخية”، كما يقول المحللون الفرنسيون.

وفيما يهدد ترمب بالخروج من الناتو ويصفه بـ”النمر من ورق”، تبدو العواصم الأوروبية أكثر تمسكاً بقراراتها السيادية، في مشهد يُبشّر بـ”نظام تحالفات جديد” قد لا تكون واشنطن في مركزه، أو على الأقل قد لا تكون القرارات فيه “أمراً أمريكياً” لا جدال فيه.

الخلاصة: ليست الحرب على إيران مجرد صراع عسكري في الخليج، بل هي اللحظة التي قررت فيها أوروبا أن تقول “الكفاية هي الكفاية”، وأن حلفاً دفاعياً لا يمكن أن يُستخدم منصة للهيمنة الأمريكية، في تحول قد يُسجّل بداية نهاية “الغطرسة الأطلسية”.