وحدة الساحات: الرؤية القرآنية لـ “البنيان المرصوص”
ذمــار نـيـوز || مـقـالات ||
2 أبريل 2026مـ – 14 شوال 1447هـ
بقلم// علي مهدي العوش
في قلب هذه المواجهة التاريخية التي تعيشها الأمة، لم يعد مصطلح “وحدة الساحات” مجرد استراتيجية عسكرية تُناقش في الغرف المغلقة، بل تحول إلى عقيدة ميدانية ونهضة إيمانية عارمة. إنها الترجمة الحية لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ}؛ حيث تلتقي اليوم فوهات البنادق في المتارس بصرخات الملايين في الساحات، لتشكل معاً درعاً حصيناً للأمة لا يقبل الانكسار.
المعادلة القرآنية: من داء “الاستسلام” إلى دواء “التنكيل”
إن ما نعيشه اليوم من عزة هو نتاج “المعادلة القرآنية” التي قلبت موازين الصراع؛ وهي المعادلة التي لا تقبل للأمة أن تظل مستباحة أو تتألم وحدها، بل تفرض ردع العدو والنكال به. إن هذا المنهج الجهادي نقلنا من مربع الدفاع السلبي إلى موقع الهجوم وإلحاق الألم بالعدو. فالتضحيات التي يقدمها الأحرار اليوم ليست خسائر عارضة، بل هي “تضحيات مثمرة” في سبيل الموقف الحق، وهي الطريق الوحيد لانتزاع الأمة من براثن “الاستكانة” ووضعها في مقام “التصدي” الفاعل، صيانةً لدمائها وكرامتها.
الخروج المليوني: جهادٌ يقطع أنفاس الأعداء
إن العمل العسكري في “محور الجهاد والمقاومة” لا ينفصل أبداً عن الزخم الشعبي. فالخروج المليوني الذي تحتضنه صنعاء والمحافظات ليس مجرد تظاهرات عابرة، بل هو “عمل جهادي مقدس” يبعث الرعب في قلوب الأعداء. هذا الطوفان البشري هو الوقود المعنوي للمقاتلين، وهو السد المنيع أمام “الضخ الإعلامي المضلل” الذي يحاول تزييف الوعي وصناعة الهزيمة النفسية. حضور الشعوب اليوم هو الذي يقطع الطريق على مخططات التدجين، ويؤكد أن الأمة حية بجهادها، لا ترهبها التهديدات ولا تنطلي عليها الأكاذيب.
تحطم أوهام “الحسم السريع” على صخرة الثبات
لقد بنى الأمريكي والصهيوني حساباتهم على “خطة الحسم” عبر استهداف القادة والقدرات العسكرية، ظناً منهم أن المعركة ستنتهي في أيام ليشرعوا بعدها في اجتياح المنطقة وإسقاط أنظمتها وهويتها. لكن ما جرى في غزة ولبنان واليمن والعراق وإيران كان صدمة تاريخية فوق مستوى تصورهم. لقد أصيب العدو بخيبة أمل قاتلة أمام “الثبات العظيم” و “الفاعلية العالية” للمحور؛ حيث أثبت الميدان أن ارتقاء القادة لا يزيد الأمة إلا تماسكاً وعزماً على مواصلة الطريق.
القوة الضاربة واستعادة زمام المبادرة
لقد أثمرت القوة والفاعلية العالية—وخاصة في الموقف الإيراني—عن استعادة “معادلة الردع” ودفن “معادلة الاستباحة” إلى غير رجعة. فالموجات الصاروخية التي دكت القواعد العسكرية ومنشآت العدو لم تكن ضربات عشوائية، بل كانت “عمليات مسددة في مقتل” هزت أركان الكيان الصهيوني. إن امتلاك الأمة لهذه القدرات الضاربة هو الذي يجعل موقفها اليوم مؤثراً ومهاباً، ويجبر القوى المستكبرة على إعادة حساباتها بعد أن ظنت أن المنطقة لقمة سائغة لمشاريعها.
مسؤولية اللحظة: بنيانٌ مرصوص أو الاندثار
إننا نقف اليوم أمام اختبار حقيقي للمسؤولية الإيمانية والتاريخية. إن داء “التخاذل” الذي أصاب البعض لا يُعالج إلا بالتحرك الجاد والوعي العميق بمقتضيات الواقع. إن دعوة القادة لتعاظم الفاعلية ووحدة الموقف هي طوق النجاة الوحيد؛ فإما أن نكون “بنياناً مرصوصاً” يشد بعضه بعضاً تحت راية القضية المركزية “فلسطين”، وإما أن ينجح العدو في التهام الساحات واحدة تلو أخرى.
الخلاصة:
إن معركة “وحدة الساحات” والتمسك بـ “المعادلة القرآنية” هي معركة الوجود والكرامة. وبقدر ما يكون الحضور الشعبي مهيباً وحاشداً، والضربات العسكرية منكلة وموجعة، بقدر ما نقترب من لحظة الحسم التاريخي التي تنهي الغطرسة الأمريكية والصهيونية في منطقتنا، وتعلن بزوغ فجر جديد لأمة لا تقبل الهوان، وتمضي بوعيها وبصيرتها نحو النصر المؤزر بإذن الله.
