بعد شهر من المواجهة، اليد الطولى للجمهورية الإسلامية
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
31 مارس 2026مـ – 12 شوال 1447هـ
تقرير || وديع العبسي
أمريكا تنهزم مرة أخرى في حربها على الجمهورية الإسلامية، وفي ثلاثة أشكال مؤلمة لكل معسكر العدوان يتجلى انكسارها المدوي؛ الأول ما أسفرت عنه المواجهة من خسائر مادية وبشرية، والثاني تمثل في التداعيات الاقتصادية والسياسية التي تسببت بها هذه الحماقة على أمريكا والعالم، أما الثالث فما اتضحت من حقائق سبقت ورافقت العمليات العسكرية ستفرض نفسها لاحقاً على طبيعة ما ستكون عليه المنطقة والدولة الأمريكية في النظام العالمي.
يؤكد قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، إسماعيل قاآني، أن المنطقة أمام نظام جديد، ودخلت مرحلة تحوُّل في التوازنات. مؤشرات هذه الوقائع والحقائق ظهرت في وقت مبكر من العملية الإرهابية، ومنذ ذلك الحين فرضت حالة الإرباك نفسها في حسابات المغرور الأمريكي وهو يشاهد أجزاء كبيرة من قواعده العسكرية التي كلفته مليارات الدولارات وهي تُدمر، وطائرات متفحمة منها طائرات التزود، التي رفعت منسوب الغضب لديه حد الإساءة لوسائل الإعلام بسبب تداولها أخبار هذه الطائرات.
ومن بين الضربات القاصمة تدمير طائرة “أواكس” التي أوجعت ظهر خزينة الاتحاد الأمريكي بنصف مليار دولار، وطائرة “بوينغ إي-3 سينتري”، و(12) راداراً كانت موزعة في المنطقة، والقائمة تطول في القواعد العسكرية التي عمل العدو الأمريكي -لعقود- على تطوير أدائها لتكون في مستوى المهام المحددة لها والتي تصب في حماية الكيان الإسرائيلي وهيمنته على المنطقة، والحفاظ على مخططه ورقعته الجغرافية الحيوية لإقامة ما يسمى “إسرائيل الكبرى”.
العالم يؤكد رفضه الانخراط في حرب لا تعنيه
في هذه التداعيات، كان ما جعل دول العالم تنأى بنفسها عن البلطجة “الترامبية”، بتوصيف واضح وصريح بأنها حرب صهيونية وتعني الكيان الإسرائيلي فقط؛ إذ أثرت في الاقتصاد العالمي، وانعكس الأمر سريعاً على مجتمعات الدول الصناعية الكبرى، فضلاً عن تشكُل الضباب أمام هذه الدول بحيث لم تعد قادرة على معرفة مصير اليوم التالي وما يخبئه من أزمات أخرى، نتيجة المغامرة الأمريكية الجديدة.
في أمريكا حذرت “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” من ارتفاع التضخم هناك إلى %4.2 بسبب صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب على إيران، حسب “فاينانشال تايمز”. وارتفع سعر البنزين فيها بنسبة تزيد عن %30، فيما فقدت سوق الأسهم الأمريكية أكثر من 820 مليار دولار من قيمتها. كما تراجعت ما تُعرف بسوق العملات الرقمية بحوالي 120 مليار دولار.
استمرار هذا النزيف مع غياب أي رؤية لكيفية إنهاء العدوان، وإصرار “ترامب” على الذهاب مع نتنياهو إلى آخر النفق المظلم دون اعتبار للشعب الأمريكي، دفع بالملايين منهم للتظاهر في الشوارع وعند مقرات رسمية في العاصمة واشنطن وشيكاغو ونيويورك ولوس أنجلوس، رافضين سياسة الانتحار التي ينفذها ترامب بحروبه العبثية، وآخرها -حتى الآن- الحرب القائمة على إيران والتي تنذر بتداعيات اقتصادية أكبر، وصولاً إلى الانهيار -حسب خبراء- على مستوى العالم وفي المقدمة أمريكا.
مليارات الدولارات خلال (96) ساعة
تحولت العملية العدوانية إلى فخ استنزافي ومستنقع استراتيجي زاد من تآكل هيبة الردع الأمريكي، وكشف تقرير لمعهد “أبحاث السياسة الخارجية” في فيلادلفيا حجم الاستنزاف الهائل الذي تتعرض له الولايات المتحدة، مشيراً إلى أنها فقدت خلال الـ(96) ساعة الأولى من الحرب: 5197 قذيفة من 35 نوعاً مختلفاً أُطلقت خلال 96 ساعة فقط، 943 صاروخ باتريوت (4 ملايين دولار للصاروخ) – استهلاك مخزون 18 شهراً في 4 أيام، 145 صاروخ ثاد (12 مليون دولار للصاروخ) – استُهلك أكثر من الثلث من المخزون البالغ 500 صاروخ، وصواريخ آرو الإسرائيلية – انخفض مخزونها بأكثر من %50، واستبدالها سيستغرق 32 شهراً، 225 صاروخاً باليستياً أرضي الإطلاق من طراز “أتاكمز” وبرسم – استُهلك ثلث المخزون، 375 صاروخ توماهوك كروز وقنابل بقيمة مليوني دولار للواحدة – استبدالها يحتاج 53 شهراً، ثماني قنابل GBU-57 خارقة للتحصينات – فُقد ربع المخزون الأمريكي، و11 طائرة مسيرة MQ-9 Reaper – قيمة الوحدة 30 مليون دولار، مع خسائر في الرادارات المتطورة في القواعد الأمريكية في المنطقة (تكلفة الاستبدال فقط من 10–16 مليار دولار)، إجمالي التكلفة بما في ذلك الطائرات المفقودة: 20 مليار دولار، ولا تشمل هذه التقديرات الخسائر القتالية للأصول، أو الأضرار في القواعد وبنية الدفاع الجوي المتطورة.
لم تمر سوى أيام حتى بدأ المعتوه “ترامب” يخطط لاستقدام قوات إضافية، وتحريك حاملة طائرات ثانية، والاستعانة بصديق لاستخدام قواعد عسكرية تقع على أرضه. هنا بدأت التصريحات داخل أروقة السياسة الأمريكية تأخذ مساراً تصاعدياً رافضاً لهذه الحرب، ثم أخذ الأمر شكل الهجوم على التحرك الانفرادي لترامب في مثل هذه القرارات الكارثية. وما إن بدأت آثار إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران تتشكل حتى دفعت الصدمات بالحكومة الأمريكية لإخراج مخزونها من المشتقات النفطية في محاولة لكبح جماح ارتفاع أسعاره.
تفاصيل غير محسوبة وأكثر إثارة للعدو
تمثلت الصدمة الأولى التي تعرضت لها أمريكا بدرجة رئيسة في أن ما تصورته عملياتٍ مباغتةً وخاطفةً كفيلةٌ بأن تسقط النظام الإيراني في الساعات الأولى من الهجوم عليه، تحولت إلى صدمة عكسية بشكل كلي وغير مسبوق؛ إذ جرى في الجمهورية الإسلامية امتصاص آثار الهجمات العدوانية الأولى، ثم مباشرة الرد. ظن الأمريكي والإسرائيلي أن رد طهران قد يأخذ ساعات طويلة -على الأكثر- كما كانت العادة، إلا أن طهران أدركت أنها وقعت -للمرة الثانية- في خديعة البليد “ترامب” وهو يشن عدوانه الثاني بينما يقوم بتسريب أخبار عن تقدم يجري إحرازه في المفاوضات، كما كان الحال في حرب الـ 12 يوماً الماضية. هنا لم يكن أمام الجمهورية الإسلامية بحرسها الثوري وشعبها الناقم إلا التحرك السريع لتنفيذ خطتها التي أعدتها ليوم متوقع كهذا، وبالفعل مثلت سرعة الرد الإيراني ضربة مباغتة، ثم جاء التتابع ليرسم مؤشرات لتفاصيل غير محسوبة وأكثر إثارة، وسرعان ما صارت هذه المؤشرات حقائق تفرض نفسها على مسرح العمليات.
يُقر الخبير العسكري الأمريكي دانيال ديفيس بأن التفوق الدفاعي الذي كان يُروَّج له أمريكياً وإسرائيلياً لا يعكس الواقع بشكل دقيق. ديفيس -الذي نصح صنّاع القرار في واشنطن بمراجعة نهجهم الحالي، منتقداً ما وصفه بالتصريحات المتفائلة حول تحقيق “نصر قريب”- أكد أن المرحلة الحالية تتطلب اعترافاً صريحاً بالوقائع الميدانية، والتوجه نحو مسار دبلوماسي جاد، محذراً من أن استمرار التصعيد، أو اللجوء إلى خيارات أكثر خطورة مثل إرسال قوات برية، قد يؤدي إلى تعميق الإخفاقات بدلاً من معالجتها.
وفي مقلب الاحتلال انتقد الكاتب “الإسرائيلي” “آمي درور” ما وصفه بحالة “الغرور والثقة المفرطة في الخطاب الإعلامي والسياسي داخل كيان الاحتلال بشأن الصراع مع إيران”، مؤكداً أن الاعتقاد السائد بأن طهران “مهزومة” لا يعكس الواقع.
اليد الطولى للحرس الثوري
ثم عقب مرور الأسابيع الأولى من المواجهة، كان واضحاً أن الجمهورية الإسلامية ظلت محافظة على تفوقها في الأداء، وقدرتها المتسمة بالذكاء في إدارة قدراتها والاستمرار بتوجيه الضربات المؤلمة للتواجد العسكري الأمريكي وعمق الكيان، فكان ما كان من هروب حاملتي الطائرات، وتعرُّض البنية التحتية الأمريكية للضربات المدمرة، وبالنسبة للكيان الإسرائيلي فقد غطت الهجمات كل جغرافيا الأراضي المحتلة، لتشمل القواعد والمناطق العسكرية والمنشآت الحيوية، وتُبقي الغاصبين -بما فيهم قادتهم- تحت الأرض. وأدى تأثير الضربات إلى تناقص القدرة الدفاعية من جهة، وتراجع التحذير واتخاذ الاحتياطات من جهة ثانية.
وفي الوقت الذي كان ترامب يستعين فيه بالتهديد والوعيد كانت الجمهورية الإسلامية ترد بنفس الدرجة، الأمر الذي كان دائماً يدفع بالأمريكي للهروب من تصريحه السابق إلى تصريح آخر يحفظ ماء وجهه.
مع كل موجة إيرانية هجومية، كانت تتآكل أكثر فأكثر الهيبة المزعومة للكيانين الأمريكي “وإسرائيل”، ما زاد من الضغط على الإدارة الأمريكية التي لم تجد بُداً من توسيط الوسطاء لطلب التفاوض من أجل وقف إطلاق النار.
بعد اكتمال الشهر الأول، ما يزال الجيش الإسلامي يهاجم بنفس الوتيرة الموجعة، فيما أُفق أهدافه في تزايد، وأكد تقييم أمريكي استخباراتي عدم وجود أي مؤشرات على انهيار النظام في إيران، وأن واشنطن أصبحت تواجه اليوم محوراً متماسكاً.
