صنعاء.. تدخل استراتيجي أم فرصة متأخرة؟

2

ذمــار نـيـوز || مقالات ||

31 مارس 2026مـ – 12 شوال 1447هـ

بقلم / د. فاضل الشرقي

قراءة خاطفة عن تدخل (صنعاء) العسكري في مواجهة العدوان الصهيوني على المنطقة

ربما تفاجأ البعض أو أظهروا التفاجؤ بتدخل صنعاء العسكري في مواجهة العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران ومحور المقاومة والمنطقة بكلها، وشككوا في جديته، واتهموه بالتباطؤ والتأخير، وفي الحقيقة أن صنعاء حاضرة بقوة في ساحة الميدان والمواجهة مع الأمريكيين واليهود والمنافقين منذ وقت مبكر، ترجع للبداية الأولى مطلع العام 2002م، وإطلاق شعار الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، على يد (شهيد القرآن) المؤسس السيد حسين بدرالدين الحوثي، يوم أعلن صرخته في وجه المستكبرين، ودروسه ومحاضراته التي ما ترك -فيها- شيئا مما يجب قوله وفعله إلا وتطرق إليه، وضمنها إياه، وصاغ له خططه وموجهاته وتفاصيله على المدى البعيد، واضعا إياه في موضع التنفيذ والعمل، وهو ما تسير عليه المسيرة القرآنية، وتجسده قولا وعملا، بقيادتها القرآنية المباركة، السابقة والحالية، ومجاهديها الأبطال ورجالها الأحرار، والذي تجلى -بكل وضوح- في معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس، والإسناد المبارك لغزة وأهلها، وفلسطين وشعبها ومقدساتها، خلال عامين كاملين، في البر والبحر والجو، شهد بأهميته وفاعليته وأثره العدو قبل الصديق.

نعم، صنعاء متواجدة في هذا المضمار والميدان بفاعلية، وحاضرة بكل قوة وعنفوان، فهو ميدانها وجغرافيتها ومساحتها منذ انطلاقتها الأولى، بلا غبار، ولا منازع، وهو ما أكده ويؤكده السيد القائد عبدالملك بدرالدرين الحوثي في كل خطاباته -محلية أو إقليمية أو دولية -، ويجاهر به دون أي تحفظ أو مواربة، حتى من قبل تحالف العدوان العدوان السعودي الأمريكي -على اليمن- مطلع العام 2015م، الذي لا يزال مستمرا بتداعياته وآثاره وحصاره، بهدف كسر إرادة صنعاء، وثنيها عن مواقفها الكبرى، والتي ما زادتها الأحداث إلا صلابة وقوة وفاعلية، وثقة بنصر الله وعونه وتوفيقه وتأييده.

وكذلك، أكده -السيد القائد- في أول يوم للعدوان الأمريكي الصهيوني على طهران، سواء في العدوان الأول، خلال حرب الـ 12 يوم، في يونيو 2025م، أو في العدوان المتجدد، في الـ ١٠ من رمضان ١٤٤٧هـ، في خطاب نعيه لمرشد الثورة الإسلامية الإيرانية، وقائدها المجاهد العظيم الشهيد السيد علي الخامنئي “رحمة الله تغشاه”، والذي أكد فيه أن “الأيادي على الزناد” للتدخل المباشر حسب متطلبات الميدان، ومقتضيات المعركة وتطوراتها. وكرره في خطاباته المتتابعه، وصولا لخطابه -الأخير- في اليوم الوطني للصمود، بتاريخ 26 مارس 2026م، والذي جدد -فيه- التأكيد على أن اليمن “ليس واقفا على الحياد”، ولن يكون على الحياد في هذه المعركة، وأنه “جزء من محور الجهاد والمقاومة”، وسيبادل “الوفاء بالوفاء”، ويقف بكل شموخ واقتدار واعتزاز، حيث يجب عليه أن يكون.

ذن، لا غرابة ولا نكران ولا جديد في الموقف اليمني على الإطلاق، ولا تقديم ولا تأخير، ولا تمهل ولا تسرع، هذا هو الموقف المصرح به، المعلن عنه، والمخطط له، وفق التكتيكات المدروسة، والخطط المعدة، فاليمن واقف إلى جانب (طهران)، في مواجهة العدوان الأمريكي الإسرائيلي الصهيوني، رسميا وشعبيا، وإعلاميا وسياسيا، وأمنيا وعسكريا، وخرج شعبه المجاهد الحر، في صنعاء والمحافظات الحرة، في مظاهرات مليونية، يؤكد وقوفه المبدأي، وثباته الجهادي، يؤازر ويساند ويناصر الشعب الإيراني المسلم، ومحور الجهاد والمقاومة، في فلسطين ولبنان والعراق، ويعلن استعداده وجهوزيته لكل الخيارات الاستراتيجية، في مواجهة أعداء الأمة وشعوبها، وبما يحفظ له مصالحه وسيادته وأمنه واستقراره. وكل من يعرف أصول الحركة الجهادية القرآنية في اليمن، ومنهجيتها ومبادئها، يعرف أصالة الموقف، ومبدأيته، وثباته ورسوخه.

حرصت (صنعاء) -أولا- قبل أن تعلن عن تدخلها العسكري وانخراطها المباشر في العمليات العسكرية إلى جانب طهران ولبنان والعراق وغزة في مواجهة العدوان الأمريكي الإسرائيلي الغير مبرر، أن تترك مجالا واسعا للجهود الدبلوماسية، والمساعي الإقليمية والدولية، الرامية لكبح جماح العدوان الأمريكي الإسرائيلي، والدفع نحو إحلال السلام والأمن والإستقرار في المنطقة، لئلا يملأوا الدنيا صراخا وعويلا، حين تجد نفسها مضطرة لأن تتحرك بثقلها الأمني والعسكري، لإجباره على وقف عدوانه واستباحته للمنطقة وشعوبها، وتقويض أمنها واستقرارها، والإضرار بمصالح المنطقة والعالم.

ومن هنا، ولمّا فشلت كل الجهود والتحركات الدبلوماسية، فقد دخل (اليمن) ميدان الحرب ومعتركها مُهابا غير هيّاب، من موقع القوة والقناعة، والثقة، والبصيرة واليقين، لا مدفوعا ولا مأجورا، ولا محرجا ولا مستحييا، ولا متقدما ولا متأخرا، ولا مترددا ولا متهورا، دخلها من موقعه ومستواه (دولة وقيادة وشعبا)، بجيشه وجنوده ومجاهديه وقواته المسلحة، وإمكاناته، دخولا استراتيجيا قابلا للتطور أكثر وأكثر، حسب مقتضيات المعركة، وظروفها ومتطلباتها، بهذه الخطوات المتدرجة، والكيفية المنسابة مع تكتيكه وحكمته، التي عرف الأعداء شدة بأسها، وحسمها وصرامتها، لإجبار العدو على وقف حربه وعدوانه على المنطقة وشعوبها.

وعليه، فإن التدخل ضرورة دينية وأخلاقية وإنسانية لا يمكن أن يفوّت اليمن دوره ومسؤليته في ذلك، ودخلها في التوقيت المناسب، بعد أن اتضحت نوايا العدو التوسعية، وأهدافه في العدوان الشامل، فليس هدفه عبارة عن ضربات محدودة أو عملية مؤقتة، والمستهدف ليس إيران ونظامها فقط، بل عدوان واسع وشامل، ومقدمة لاستهداف المنطقة بكلها، وتغييرها الاستراتيجي، لصالح قيام دولة إسرائيل الكبرى، وتمكينها من قيادة الشرق الأوسط الجديد، وفق التصريحات والخطط والخرائط المعلنة، بما يلغي كل جغرافية المنطقة وأنظمتها وهويتها، وهو الأمر الذي يتحتم فيه ومعه التدخل الشامل -العربي والاسلامي-، والتحمل الكامل للمسؤلية الدينية والوطنية، بدل التخندق في المعسكر الغلط، والوقوف في الموقف الخطأ.

والذي عليه ظاهر الأمر: أن استراتيجية العدو -الأمريكي الإسرائيلي- تقوم على تحييد دول المنطقة وشعوبها أولا؛ ومن ثَمَّ الدفع بها لنزاع واشتباك مباشر في الحرب مع (طهران والمحور)، بما يؤدي لاستنزافها وتدميرها وتفكيكها على السواء، فيما يكتفي بإدارة الحرب وتغذيتها، والاستثمار في بيع السلاح، والإستمرار في إثارة الهواجس والمخاوف الأمنية، حتى التدمير الكامل، وهذا -بالضبط- ما يعنيه مشروع الشرق الأوسط الجديد بكل حذافيره.

ولهذا، فقد يؤدي التدخل العسكري اليمني المباشر لنتائج إيجابية، تفضي للمنع من إنزلاق المنطقة نحو الحرب الشاملة التي يخطط لها العدو، ويحول دون اندلاع أوسع للحرب، وبما يحد من تمددها الجغرافي والزمني، ويخفف من أضرارها ومخاطرها -الجيوسياسية- على الطاقة والاقتصاد العالميين، نظرا لحساسية الإغلاق المتزامن لمضيقي (المندب وهرمز)، الأمر الذي لا يطيقه العالم، ولا يقدر على تحمل تبعاته وكلفه الباهظة، في حال صعدت واشنطن وكيان الاحتلال عدوانهما على المنطقة وشعوبها.

مّا إذا ذهبت واشنطن و(تل ابيب)، لخيار الضغط على صنعاء، والدفع -عبر السعودية والإمارات- بمرتزقتهما المحليين لفتح كل الجبهات الداخلية عسكريا، لخوض معركة إسناد مباشرة لواشنطن والكيان الاسرائيلي، فإن هذا قد يفيد صنعاء -بلا شك-، ويسرّع من تضييق كل الفجوات مع كل الأطراف الداخلية، ويعزز الوحدة الاجتماعية والتلاحم الشعبي والوطني في معركة مكشوفة؛ لتصفية الساحة وتطهيرها من كل عناصر العمالة والارتزاق في لحظة خاطفة، وربما الذهاب نحو خيارات جغرافية أوسع وأشمل، لا تخفى على الجار ولو جار.

وبهذا، فإن صنعاء ليست مدفوعة، ولا مترددة، ولا مكرهة، ولا مجبرة، بل مضطرة للتدخل دينيا وأخلاقيا وإنسانيا، والمصلحة الوطنية والقومية العليا -لليمن- تقتضي التدخل حالاً، قبل فوات الأوان، أو التريث لحين التفرد بالمواجهة فيما بعد، فنوايا العدو وتوجهاته العدوانية واسعة وشاملة، ويستهدف الجميع واحدا بعد آخر، في معركة بدأها بلا سقف ولا نهاية، حتى تمكين (إسرائيل) الكبرى من الهيمنة على المنطقة برمتها؛ ما لم يردع في المتّسع من الوقت، ولو في أضيق مساحاته.