تشريح الاستراتيجيات الكبرى للحرب الراهنة في مثلث القوى المتصارعة

3

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
29 مارس 2026مـ – 10 شوال 1447هـ

تقريــر || عبدالقوي السباعي

تنطلق القراءة الرصينة للمشهد السياسي والعسكري الراهن من ضرورة تحطيم الأصنام التحليلية التي شيدتها المنابر الإعلامية العربية المتصهينة، والتي ما فتئت تسوق للصراع الإيراني الأمريكي الصهيوني بوصفه سلسلة من الانفعالات اللحظية أو الفخاخ الصبيانية التي تنصبها الأطراف لبعضها البعض؛ فتبرع بتشييد حروبٍ خيالية موازية وتصديرها للمتلقي وكأنها حقائق مطلقة.

الحقيقة التي يتجاهلها صنّاع الوعي هي أننا أمام صدام حتمي بين دول مؤسساتية تدار بآليات مجهرية لا تترك للمصادفة حيزًا؛ فصناعة القرار في إيران وأمريكا وكيان العدوّ الإسرائيلي، على حدٍّ سواء، لا تولد في ردهات المقاهي ولا تقتات على التغريدات العابرة، وإنّما هي نتاج مخابر استراتيجية ومراكز تفكير عسكرية تدرس موازين القوى والتبعات اللوجستية والمعرفية قبل إطلاق الرصاصة الأولى، وهذا الفهم هو المدخل الوحيد لإدراك حقيقة أنّ القوى اليوم لم تُجرّ إلى الحرب رغمًا عنها، بل دخلتها حين تقاطعت المصالح الوجودية واكتملت الجاهزية المؤسساتية فيها.

الاستبسال الذي أظهرته الآلة العسكرية الإيرانية في مواجهة الفجوة التقنية الهائلة مع قوى العدوان والحرب النفسية المستعرة، كان ثمرة تخطيط مؤسساتي طويل الأمد اعتمد استراتيجية اللامركزية العملياتية أو ما يعرف بأسلوب الذئاب المنفردة، حيث تم تقسيم الجغرافيا الإيرانية إلى مقاطعات قتالية قادرة على الاستمرار والعمل بشكّلٍ مستقل حتى في حال غياب المركز، وهذا النوع من البناء العسكري يعكس وعيًا عميقًا بضرورة تحويل الضعف التقني إلى قوة استنزافية مستدامة.

في المقابل، نجد أنّ الماكينة الأمريكية لم تتحرك وفق نزوات رئاسية متقلبة يجسدها ترامب من خلال تصريحاته الضبابية، وإنّما هي عملية لوجستية ومعلوماتية جبارة تضع أمام صانع القرار خيارات محسوبة بالثانية، ومحاطة بسياج من التوقعات لنتائج كل فعل ورد فعل؛ ممّا يجعل الحرب العدوانية الأمريكي الراهنة على إيران ليست مجرد استجابة لطلب إسرائيلي، وإنّما هي تعبير عن تلاقي مصالح وجودية بين واشنطن وكيان الاحتلال في لحظةٍ تاريخية فارقة استوجبت التدخل ووضع الثقل الأمريكي الكامل في هذا الأتون المشتعل.

وعند فحص غايات الخصوم، نجد أنّ الجمهورية الإسلامية قد حسمت خيارها الاستراتيجي في القتال لهدفٍ محوري يتمثل في إبقاء إيران قوة إقليمية مؤثرة وفاعلة في محيطها، من خلال إسقاط كل مشاريع الهيمنة الصهيونية الأمريكية وتقويض نفوذها في المنطقة؛ بينما يندفع كيان العدوّ الإسرائيلي نحو هدف جذّري وهو إسقاط النظام الإيراني كليًّا، باعتباره العائق الجيوسياسي والأيديولوجي الوحيد الذي يحول دون تحقيق مشروع “إسرائيل الكبرى” وتأمين الهيمنة المطلقة على المنطقة.

أمّا الدور الأمريكي في هذه المواجهة؛ فهو يمتد إلى ما وراء البروباغندا الإعلامية التي تكتفي ببيع الشعارات العامة للمجتمعات؛ فالهدف الحقيقي يقبع في منطقة مظلمة تتعلق بضمان بقاء قواعد التغيير في “الشرق الأوسط الجديد” وفق الرؤية الأمريكية، وتأمين استقرار التدفقات المالية والثروات التي تمثل الضرع الحلوب الذي يغذي الاقتصاد الأمريكي، ومن يختزل التدخلات الأمريكية التاريخية، كغزو العراق واحتلال سوريا ونشر القواعد في الخليج، في مجرد سرقة النفط هو في الحقيقة يقرأ غلاف الكتاب ويجهل المحتوى المعقد للأهداف الجيواستراتيجية التي تتجاوز الموارد المادية لتصل إلى صياغة نظم عالمية تضمن التبعية المطلقة للبيت الأبيض.

وما يُروج له في الخطاب الرسمي الأوروبي لبعض دول حلف “الناتو” حول مصطلح “الحروب الفاشلة” ليس إلا تكتيكًا لاستمالة الناخبين وتسكين الرأي العام؛ بينما تظل الاستراتيجيات الاستعمارية الكبرى ثابتة في عقل المؤسسة العميقة، وفي سياق الحرب الحالية، التي من المتوقع أنّ تتسع الأهداف التكتيكية وتتصاعد وتيرة استخدام الممكنات العسكرية والسياسية لتحقيق الغاية الاستراتيجية المسكوت عنها، وهي إعادة هندسة المنطقة بما يضمن شطب أيّة قوة قادرة على المنافسة أو التمرد على بيت الطاعة الصهيوني الغربي.

وبالنتيجة؛ فإنّ هذا الواقع يتطلب عقولاً تحليلية واعية تتقن القراءة فيما وراء الدخان، وتدرك أن الصراع الحالي هو صراع إرادات مؤسساتية لن ينتهي بمجرد تفاهمات سطحية، وإنّما سيمتد حتى يحقق أحد الأطراف غايته الوجودية، بعيدًا عن أوهام الفخاخ والمصادفات التي يروج لها الإعلام المتصهين والعاجز عن فهم ميكانزمات قوى الهيمنة والاستكبار العالمية وأطماعها التاريخية في منطقتنا العربية.