انكفاء غربي عن دعم العدوان الأمريكي الصهيوني.. الردع الإيراني يعيد ترتيب خارطة المواقف الأوروبية
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
24 مارس 2026مـ – 5 شوال 1447هـ
تقريــر || نوح جلّاس
أسهمت قوة الردع الإيرانية في إجبار عدد من الدول الأوروبية على التراجع عن مواقفها السابقة التي كانت تدعم العدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية.
وتصدرت تصريحات الرئيس الألماني “فرانك شتاينماير” المشهد اليوم بعد انتقاده بشدة ما سماه “الحرب على إيران”، معتبراً أن الحرب “غير قانونية وغير مبررة”.
وقال شتاينماير في كلمة له خلال فعالية إحياء ذكرى تأسيس وزارة الخارجية الألمانية: إن “الحرب على إيران انتهاك للقانون الدولي وخطأ سياسي كارثي”، مضيفاً: “لن تصبح سياستنا الخارجية أكثر إقناعاً إذا لم نُسمِّ انتهاك القانون الدولي باسمه”، داعياً بلاده وأوروبا إلى “التحرر من التبعية للولايات المتحدة”.
وتأتي هذه الدعوة لتضاف إلى سلسلة مواقف ألمانية وأوروبية بدأت تدعو علناً إلى وقف الحرب على إيران، بعد أن كانت تنحاز إلى أمريكا وكيان العدو الإسرائيلي في العدوان على الجمهورية الإسلامية.
وبهذا التصريح، اتخذ شتاينماير موقفاً مختلفاً عن موقف الحكومة الألمانية التي تجنبت حتى الآن تصنيف الحرب على أنها انتهاك للقانون الدولي، فقد ذكر الرئيس الألماني أن “هذه الحرب كان يمكن تجنبها بالفعل وغير ضرورية، إذا كان هدفها وقف إيران في طريقها نحو امتلاك قنبلة نووية”، معترفاً في الوقت ذاته بأن “إيران لم تكن في طريقها لامتلاك سلاح نووي بعد الاتفاق النووي عام 2015″، لافتاً إلى أنه كان من المشاركين في ذلك الاتفاق بصفته وزيراً للخارجية آنذاك، ليُعد هذا الموقف تفنيداً كاملاً لكل مزاعم ترامب التي برر بها العدوان على الجمهورية الإسلامية.
وكرر “شتاينماير” دعوته بالقول: “يجب أن نكون عمليين في التعامل مع هذه الإدارة الأمريكية، وأن نركز على مصالحنا الأساسية”، مضيفاً أن “لدى الإدارة الأمريكية الحالية رؤية عالمية مختلفة تماماً عن رؤيتنا، وهي رؤية تتجاهل القواعد الراسخة والشراكة والثقة المتبادلة”.
وتأتي تصريحات الرئيس “شتاينماير” بعد أيام قليلة من دعوة المستشار الألماني “فريدريش ميرتس” – المالك للصلاحيات الكاملة – إلى “بذل جهود لإنهاء الحرب ضد إيران سريعاً عبر الوسائل الدبلوماسية”، محذراً من أن “الصراع الدائر يضر بجميع الأطراف، بما فيها الولايات المتحدة”.
وفي خطابه أمام “مجلس النواب” الأربعاء الفائت، أشار ميرتس إلى أن “ألمانيا لا تزال لديها العديد من التساؤلات العالقة بشأن هذه الحرب، وأنه لا يوجد تصوُّر مُقنع لكيفية نجاح هذه العملية العسكرية”، مبدياً تناقضاً فاضحاً مع مواقفه السابقة، حيث زعم أن “واشنطن لم تتشاور مع برلين قبل تنفيذ الضربات، ولو تمت استشارة ألمانيا لكانت نصحت بعدم تنفيذ العملية”، متناسياً تصريحاته التي أطلقها في فبراير الماضي بشأن التحريض على مهاجمة إيران بحجة “حماية أمن إسرائيل”، ليكشف المستشار الألماني بدوره أن النتائج العكسية التي فرضتها طهران كانت السبب الرئيس وراء التصدعات الأوروبية الأمريكية.
وفيما تعزز هذه التصريحات حقيقة تراجع برلين عن موقفها السابق على وقع تفاقم انعكاسات الردع عليها، اتخذت دول أوروبية أخرى كالنرويج والتشيك مواقف مشابهة للموقف الألماني، تمثلت في تراجع البلدين عن التحريض السابق، لتكتفي فقط بحمل سردية العدو الصهيوني بشأن أمنه واستقراره، بعيداً عن الاقتراب من نيران العدوان على إيران وارتداداتها.
الموقف ذاته في باريس؛ حيث تحاول فرنسا التموضع ما بين دعم الكيان الصهيوني من جهة، والعمل على وقف العدوان على إيران من جهة أخرى، بعد أن كان “قصر الإليزيه” في دائرة المشاركة قبل تراجع ماكرون وسحب حاملة الطائرات التي كان قد أمر بتقدمها قليلاً إلى المنطقة، وذلك على وقع العمليات التي أصابت قاعدة أمريكية في العراق وأسفرت عن مصرع وجرح 6 ضباط فرنسيين، بالتوازي مع استهداف الحاملتين الأمريكيتين “جيرالد فورد” و”أبراهام لينكولن”، لتنسحب فرنسا من المشهد عسكرياً وسياسياً، فضلاً عن مخاوفها من انعكاسات اقتصادية توازي ما حصل للولايات المتحدة وكيان العدو.
وبالتوازي أيضاً، اتخذت إيطاليا الموقف نفسه بالابتعاد عن المأزق الصهيوأمريكي، والاكتفاء فقط بالحديث عن الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، لكن دون دفع أي فاتورة تتعلق بالعدوان على إيران، فيما تبنت بولندا ودول البلطيق هذا الإطار أيضاً.
أما إسبانيا وأيرلندا، فكانتا صريحتين منذ البداية، حيث عبّرت مدريد بقوة عن موقفها المبدئي من المغامرات الصهيوأمريكية في المنطقة بشكل عام، واتخذت مواقف صلبة منعت واشنطن من استخدام قواعدها هناك لشن الاعتداءات على إيران، معززة موقفها المناهض للإجرام الصهيوني.
وبعيداً عن الحديث بشأن أسباب التراجع الأوروبي الواسع، فقد ارتفعت أسعار النفط بنحو 8% وأسعار الغاز في أوروبا بنحو 20% في الأيام الأولى للعدوان، فيما أكد خبراء أوروبيون أن توسعه وانعكاساته سيستنزفان بلدانهم بشكل غير مسبوق، الأمر الذي يشير إلى أحد جوانب هذه الأسباب.
ومع توالي المواقف الأوروبية، تتأرجح دول القارة العجوز بين عدم الاصطدام بواشنطن وكيان العدو من جهة، والهروب من مستنقع المغامرة الصهيوأمريكية من جهةٍ أخرى، ليكون العامل المشترك في كل المعطيات المذكورة أن الردع الإيراني كان صاحب الكلمة النارية التي أحرقت دائرة الانخراط الغربية، وأجبرت مسؤولي الحكومات في أوروبا على مراجعة الحسابات والانكفاء عن هذه المعركة، وهذا بموازاة خلق تصدعات جديدة داخل التحالف الأمريكي الأوروبي، ظهرت في مهاجمة ترامب لحلفائه بـ”الجبناء”، ليظهر كـ”الغريق الذي يتشبث بقشة”.
