إيران تنقل المعركة إلى قلب النظام الاقتصادي العالمي

2

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
19 مارس 2026مـ – 30 رمضان 1447هـ

تقريــر || هاني أحمد علي

في ظل تصاعد العدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لم تعد لغة الميدان محكومة بفوهة البندقية وصوت الصاروخ، وإنما انتقلت المعركة إلى قلب “بنية النظام الاقتصادي المعولم”.

وتكشف المعطيات الراهنة أن الجمهورية الإسلامية في إيران نجحت في تحويل الممرات البحرية وسلاسل التوريد وأسواق الطاقة إلى أدوات ضغط فتاكة، مستثمرة نقاط الضعف الهيكلية في النظام الرأسمالي الذي تقوده واشنطن، والذي يقوم أساساً على استقرار التدفقات لا على قدرة تحمل الصدمات.

تبدأ الاستراتيجية الإيرانية من “عقدة الطاقة” في مضيق هرمز، الذي يعد الشريان التاجي للاقتصاد العالمي. تدرك طهران أن أي اضطراب في هذا الممر لا يضرب الإمدادات فحسب، بل ينسف آلية التسعير العالمية. ورغم محاولات الولايات المتحدة تصوير نفسها كمنتج كبير للطاقة، إلا أن اقتصادها يظل مرتبطاً بشبكة معقدة من الحلفاء والمستهلكين في أوروبا وآسيا، حيث وأن ارتفاع الأسعار الناجم عن أي توتر في المضيق يخلق ضغطاً تضخمياً هائلاً يرتد مباشرة على الداخل الأمريكي، مما يجعل “أمن الطاقة” ورقة مساومة سياسية تفرض على واشنطن حسابات دقيقة قبل أي مغامرة عسكرية.

لا تحتاج طهران إلى إغلاق الممرات المائية بالكامل لإحداث شلل، بل يكفي رفع مستوى المخاطر الأمنية لتدخل الأسواق في حالة ارتباك تلقائي. ومع ارتفاع أقساط التأمين البحري وتغيير شركات الشحن لمساراتها، تتضاعف كلفة النقل وتضطرب سلاسل التوريد العالمية.

هنا تظهر محدودية القوة العسكرية الأمريكية؛ فالأساطيل والمدمرات لا يمكنها “حماية الأسواق” من فوبيا الارتفاع السعري، مما يضع الصناعات الغربية كثيفة الاستهلاك للطاقة أمام معضلة الانهيار أو التوقف، وهو ما يغذي موجات التضخم التي تقيد سياسات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.

ويمتد الضغط الإيراني ليشمل قطاعات حيوية قد تبدو بعيدة عن ساحة الصراع المباشر، منها الاستثمارات والتمويل، حيث وأي تدهور أمني في الخليج يضرب قطاع السياحة وخطط التنويع الاقتصادي لدول المنطقة، مما يدفعها لإعادة توجيه استثماراتها من الأسواق الغربية نحو الداخل أو الإنفاق الدفاعي، وهو ما يحرم الاقتصاد الأمريكي من تدفقات مالية ضخمة يعتمد عليها، بالإضافة إلى الأمن الغذائي، تصل الصدمة في مرحلتها الأخيرة إلى قطاع الغذاء، حيث أن أي خلل في تدفق مواد صناعة الأسمدة يهدد الإنتاج الزراعي العالمي، مما يرفع أسعار الغذاء ويخلق حالة من عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي داخل الدول الكبرى.

تعتمد الرؤية الإيرانية على حقيقة أن الاقتصاد العالمي المعاصر لا يحتمل الانقطاع، وأن استراتيجية طهران هي رهان ناجح على صعوبة فصل الجغرافيا السياسية عن الاقتصاد، حيث يتحول كل ارتفاع في الكلفة إلى ضغط سياسي يدفع نحو احتواء التصعيد الصهيوني الأمريكي.

لقد وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة تتجاوز ساحة القتال التقليدية، فالحفاظ على استقرار الأسواق بات جزءاً من إدارة الصراع، وأي انزلاق واسع يعني إضعاف الموقع المالي لواشنطن دون الحاجة لخسارة عسكرية مباشرة، وبالتالي فإن غزة واليمن ولبنان وإيران اليوم، يشكلون جبهة اقتصادية موحدة تدرك أن وجع “المحفظة الأمريكية” هو أقصر الطرق لكسر الغطرسة العالمية وتغيير موازين القوى الدولية.