الحرب العدوانية على إيران من الضربة المحدودة إلى الصراع المفتوح
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
18 مارس 2026مـ – 29 رمضان 1447هـ
تقريــر || أنس القاضي
لا يمكن فهم أي حرب من دون تحليل أهدافها، فالحرب ليست مجرد استخدام للقوة العسكرية، بل أداة لتحقيق غاية سياسية محددة، وقد أظهرت تجارب الحروب الحديثة أن الأهداف المعلنة في بدايات العمليات لا تبقى ثابتة بالضرورة؛ إذ قد تتبدل أو تتوسع أو تُعاد صياغتها وفق تطورات الميدان، وكلفة الاستمرار، وردود الفعل الإقليمية والدولية. وفي حالة الحرب العدوانية القائمة على إيران، برز هذا العامل بوضوح، حيث بدأت العمليات بأهداف تبدو محددة ومباشرة، لكنها سرعان ما دخلت مساراً أكثر تعقيداً نتيجة تداخل الاعتبارات العسكرية والسياسية والاقتصادية، أي أن الولايات المتحدة وقعت فعلياً في مأزق حرب لم تكن مخططة أن تستمر كل هذه المدة.
الأهداف المعلنة
ركز الخطاب الأمريكي والإسرائيلي -في المرحلة الأولى- على مجموعة أهداف يمكن وصفها بأنها “أهداف أمنية وقائية”، كان أبرزها الحد من قدرة إيران على تطوير برنامج نووي يُنظر إليه بوصفه مصدر تهديد إستراتيجي محتمل، إضافة إلى تقليص قدراتها الصاروخية بعيدة المدى التي تمنحها أدوات ردع متزايدة، كما طُرحت مسألة تحجيم الحضور الإيراني الإقليمي ضمن العلاقات مع قوى المقاومة بوصفها هدفاً أساسياً، في ظل ما اعتُبر توسعاً في شبكات الحلفاء والفاعلين المرتبطين بطهران في عدة ساحات.
ارتبطت هذه الأهداف أيضاً بفكرة إعادة تثبيت الردع، أي إعادة بناء قناعة لدى قوى المقاومة بأن التفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي لا يزال قادراً على فرض حدود السلوك المقبول، وفي هذا السياق، جرى تقديم العمليات العسكرية بوصفها محاولة لتصحيح ميزان القوة ومنع انتقال المنطقة إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، وكذلك برزت حماية الملاحة البحرية وأمن الطاقة كجزء من الخطاب التبريري، خاصة في ظل التوترات المرتبطة بالممرات البحرية الحيوية.
تغيير النظام أو إضعافه جذرياً
إلى جانب المبررات الرسمية التي ركزت على البرنامج النووي أو الصواريخ أو النشاط الإقليمي، برزت قراءات تشير إلى أن جزءاً من الاستراتيجية استهدف تقليص قدرة الدولة الإيرانية على الاستمرار كقوة إقليمية فعالة. هذا الهدف لا يَفترض -بالضرورة- سيناريو الغزو العسكري المباشر لإسقاط النظام كنموذج غزو العراق 2003م، بل يقوم على منطق «الضغط التراكمي» الذي يسعى إلى إضعاف عناصر القوة الأساسية للدولة تدريجياً، بحيث تصبح أقل قدرة على اتخاذ مبادرات خارجية أو على إدارة نفوذها الإقليمي.
في هذا السياق يمكن فهم تداخل أدوات متعددة، فالإجراءات العسكرية لم تقتصر على المواجهة التقليدية، بل شملت ضرب مراكز قيادة أو منشآت حساسة مرتبطة بالصناعة الدفاعية أو الطاقة أو البنية التحتية، وهي قطاعات تؤثر في قدرة الدولة على الصمود الاقتصادي والعسكري على المدى الطويل. كما ترافق ذلك مع توسيع نطاق العقوبات الاقتصادية أو تشديدها، ما يخلق ضغوطاً اجتماعية ومعيشية يمكن أن تؤدي إلى تآكل الثقة بين المجتمع ومؤسسات الحكم، أو إلى زيادة التنافس داخل النخب السياسية والاقتصادية حول كيفية إدارة الأزمة.
إلى جانب ذلك لعب العامل الإعلامي والنفسي دوراً مكملاً، حيث جرى تقديم الحرب -في كثير من الخطابات والتحليلات- على أنها لحظة اختبار وجودي للنظام، وليس مجرد صراع محدود حول ملف محدد، وكان الهدف من هذا التأطير هو التأثير في المزاج العام داخل إيران، عبر تعزيز الشعور بالخطر أو عدم اليقين، ومحاولة تقليل قدرة السلطة على تعبئة المجتمع حول خطاب المقاومة أو الصمود. كما يهدف هذا النوع من الضغط إلى تغذية الانقسامات داخل بنية السلطة نفسها، خصوصاً بين التيارات التي تفضل التصعيد، والتيارات التي تميل إلى التسوية.
بذلك يتضح أن الاستراتيجية المحتملة لم تعتمد على ضربة حاسمة واحدة بقدر ما اعتمدت على تراكم الضغوط في مجالات مختلفة (عسكرية واقتصادية وإعلامية)، بهدف إعادة تشكيل نهج الدولة الإيرانية -القائم على الاستقلال- إلى التبعية، أو تقليص هامش حركتها الإقليمية حتى دون الوصول إلى هدف تغيير النظام بشكل مباشر.
من ضربة حاسمة إلى حرب مفتوحة
مع استمرار العمليات، بدأت ملامح تحول في طبيعة الأهداف والاستراتيجية؛ فبدلاً من تحقيق نتيجة سريعة وحاسمة، دخلت الحرب في مسار استنزافي متعدد الجبهات. أدى ذلك إلى توسيع بنك الأهداف ليشمل عناصر جديدة، مثل البنية الصناعية والدفاعية، وشبكات النقل والطاقة، وحتى بعض الأهداف ذات الطابع السياسي.
لم يكن هذا التحول مجرد قرار تكتيكي، بل نتاج تعقيد البيئة العملياتية، فقد أظهرت المواجهة أن القدرة على توجيه ضربات دقيقة لا تضمن -بالضرورة- تحقيق تأثير سياسي سريع، خاصة في ظل قدرة إيران على امتصاص الصدمة الأولى وإعادة تنظيم قدراتها، كما ساهم اتساع نطاق التوتر الإقليمي في تحويل الحرب من عملية محدودة إلى صراع مفتوح تتداخل فيه حسابات عدة أطراف.
بين الإنجاز الجزئي والتعقيد الاستراتيجي
تقييم نتائج الحرب يتطلب التمييز بين الإنجازات العسكرية المباشرة والنتائج السياسية بعيدة المدى. على المستوى العملياتي، يمكن القول إن الضربات ألحقت أضراراً ملموسة ببعض القدرات الإيرانية، خاصة في مجالات محددة تتعلق بالمنشآت العسكرية والبنية المرتبطة بتطوير الأسلحة، إلا أن السؤال الأهم يتعلق بمدى تحول هذه الإنجازات إلى واقع استراتيجي مستقر.
في ما يخص البرنامج النووي، قد تؤدي الضربات إلى تأخير بعض المسارات التقنية، لكنها لا تضمن إنهاء الطموح النووي أو تغيير الحسابات الاستراتيجية التي تدفع إيران إلى السعي لتعزيز قدراتها الردعية. أما على مستوى الحضور الإقليمي، فقد أظهرت التطورات أن قوى المقاومة قادرة على إعادة التكيف، وإن بدرجات متفاوتة، ما يجعل مسألة تحجيم هذا النفوذ عملية طويلة ومعقدة.
أما هدف إعادة تثبيت الردع فقد واجه تحديات واضحة، إذ إن استمرار المواجهة واتساع نطاقها قد يضعف فكرة الحسم السريع التي تقوم عليها قوة الردع التقليدية، فحين تتحول الحرب إلى حالة ممتدة ذات كلفة مرتفعة، يصبح تأثيرها على صورة القوة المهيمنة موضوعاً للنقاش والتحليل.
حدود التفوق العسكري المعادي
تكشف الحرب على إيران عن إشكالية مركزية في التفكير الاستراتيجي الحديث، وهي الفجوة المحتملة بين النجاح العسكري التكتيكي وتحقيق الأهداف السياسية الكبرى؛ فالتاريخ الحديث يوضح أن امتلاك قدرات عسكرية متفوقة -سواء في التكنولوجيا أو في حجم القوة النارية أو في القدرة على الضربات الدقيقة- لا يضمن تلقائياً تحقيق نتائج سياسية مستقرة أو طويلة الأمد. ويعود ذلك إلى أن الحروب لم تعد تُحسم فقط في ميدان القتال، بل في شبكة واسعة من العوامل التي تشمل الاقتصاد العالمي، والرأي العام الداخلي والخارجي، والشرعية القانونية والدبلوماسية، وطبيعة البيئة الجغرافية والاجتماعية التي تدور فيها العمليات.
في حالة إيران، تبرز هذه المفارقة بوضوح، لأن الصراع لا يدور في فراغ استراتيجي، بل في منطقة ترتبط مباشرة بأسواق الطاقة العالمية، وبشبكات التحالفات الإقليمية، وبقوى دولية كبرى لها مصالح متشابكة. قد تحقق الضربات العسكرية أهدافاً محدودة مثل تعطيل منشآت أو تقليص قدرات معينة، لكن تحويل هذه النتائج إلى تغيير سياسي دائم يتطلب تصوراً متكاملاً لما بعد العمليات. من دون هذا التصور قد يتحول التفوق العسكري إلى عامل يزيد من حالة عدم الاستقرار، إذ قد يدفع الطرف المستهدف إلى التكيف بوسائل غير متوقعة، مثل توسيع ساحة الصراع أو اللجوء إلى أدوات غير تقليدية أو تعزيز تعبئة المجتمع حول خطاب المقاومة.
هنا يبرز مفهوم «نهاية الحرب» بوصفه سؤالاً استراتيجياً أساسياً، فالحروب الحديثة لا تنتهي دائماً بتوقيع اتفاق واضح أو بهزيمة حاسمة، بل قد تتحول إلى حالة استنزاف طويلة تتداخل فيها العمليات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والحملات الإعلامية والتنافس الدبلوماسي. ومع مرور الوقت ترتفع الكلفة المباشرة وغير المباشرة، سواء من حيث الإنفاق العسكري أو اضطراب الأسواق أو الانقسامات السياسية داخل الدول المشاركة في الصراع، كما يؤدي تعدد الفاعلين (دول إقليمية إلى جماعات مسلحة أو قوى دولية منافسة) إلى تعقيد مسار الحرب، وتقليل قدرة أي طرف على التحكم الكامل في اتجاهاتها أو توقيتها.
بذلك تصبح إدارة المرحلة اللاحقة للعمليات العسكرية، وليس فقط تحقيق التفوق في بدايتها، العاملَ الحاسم في تحديد ما إذا كانت الحرب ستنتج نظاماً إقليمياً أكثر استقراراً أو ستفتح الباب أمام دورات جديدة من التوتر وعدم اليقين.
بين الحسم والاستنزاف
تُظهر المؤشرات الميدانية والسياسية أن مسار الحرب العدوانية على إيران أخذ يتحول تدريجياً من منطق السعي إلى الحسم السريع نحو منطق إدارة الاستنزاف المتبادل، حيث يعمل كل طرف على زيادة كلفة الصراع على خصمه عبر ضربات محدودة ومدروسة، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تخرج عن السيطرة. يعكس هذا التحول طبيعة الصراعات المعاصرة التي لم تعد تُحسم -فقط- بالتفوق العسكري المباشر، بل تتداخل فيها اعتبارات الاقتصاد العالمي، واستقرار أسواق الطاقة، وتماسك الجبهات الداخلية، وحسابات الشرعية الدولية والتحالفات الإقليمية.
وفي هذا السياق، يمكن لاستمرار الحرب أن يُعيد صياغة الحسابات الاستراتيجية لدول المنطقة، سواء عبر تعزيز دور قوى ترى في الصراع فرصة لتوسيع نفوذها، مثل تركيا التي قد تسعى إلى تعزيز حضورها الأمني والسياسي في العراق وسوريا وشرق المتوسط، أو “إسرائيل” التي تعمل على ترسيخ تفوقها العسكري وإعادة تثبيت معادلة الردع الإقليمي، أو حتى روسيا التي قد تستفيد من انشغال واشنطن في صراع طويل، لتعزيز موقعها في ملفات الطاقة والأمن الإقليمي والحرب القائمة في أوكرانيا، كما يمكن أن تستفيد الصين عبر توسيع دورها الاقتصادي والدبلوماسي بوصفها وسيطاً محتملاً أو شريكاً في إعادة إعمار البنية التحتية المتضررة.
في المقابل، قد يدفع استمرار الحرب أطرافاً أخرى إلى البحث عن صيغ تهدئة أو تسويات جديدة لتفادي تداعيات أمنية واقتصادية أوسع، مثل دول الخليج العربية وعلى رأسها السعودية والإمارات وقطر والكويت وعُمان التي تخشى انعكاسات الحرب على أمن الطاقة والملاحة والاستقرار الداخلي، وكذلك الاتحاد الأوروبي الذي قد يتحرك دبلوماسياً لتقليل مخاطر ارتفاع أسعار النفط والغاز وتدفق موجات لجوء جديدة أو اضطرابات في سلاسل الإمداد.
ومع ذلك، يبقى العامل الحاسم في تقييم مسار الحرب هو مدى وضوح الهدف السياسي النهائي، لأن العمليات العسكرية مهما بلغت شدتها لا تتحول إلى مكسب استراتيجي دائم إلا إذا أفضت إلى نتائج سياسية قابلة للاستقرار والاستمرار.
الخلاصة:
تكشف تجربة الحرب على إيران أن الأهداف العسكرية -حتى عندما تُطرح بوصفها دقيقة ومحددة- تظل عرضة لإعادة الصياغة مع تطور الأحداث وتغير موازين القوى، فالحروب التي تبدأ كعمليات محدودة قد تنزلق إلى صراعات مفتوحة إذا لم تتحقق النتائج السياسية في الوقت المناسب، كما أن تعدد الأهداف -المعلنة والمضمرة- يساهم في إرباك عملية اتخاذ القرار ويُطيل أمد المواجهة.
بهذا المعنى، لا تمثل الحرب اختباراً لقدرة الجيوش على القتال فحسب، بل اختباراً لمدى تماسك الرؤية الاستراتيجية وقدرة القيادة السياسية على تحويل التفوق العسكري إلى واقع سياسي مستقر. وفي ظل التحولات الجارية في بنية النظام الدولي، قد تصبح مثل هذه الصراعات مؤشراً على مرحلة انتقالية تتراجع فيها قدرة الولايات المتحدة على فرض نتائج حاسمة، وقدرة الشعوب والدول على المقاومة وخوض حرب طويلة النفس تعجز معها القوى المعتدية على الصمود.
