حقيقة السيادة وحتمية الاصطفاف.. رسالة لاريجاني المفتوحة للعالم الإسلامي

3

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
17 مارس 2026مـ – 28 رمضان 1447هـ

في رسالة مفتوحة للعالم الإسلامي بعث بها أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، جاءت لتؤكّد حقيقة استراتيجية مفادها؛ أنّ أمن إيران هو حجر الزاوية لأمن المنطقة وليس العكس، واعتبار القوة الإيرانية ركيزةً لحماية الجوار لا تهديدًا له، وأنّ أيّة محاولة لتفكيكها أو عزلها لن تؤدي إلا إلى غرق المعتدين في مأزق لا مخرج منه.

والمتأمل لتوقيت هذه الرسالة، التي وُجهت اليوم الاثنين، يوحي بأن طهران تستشعر ضرورة إعادة تعريف قواعد اللعبة أمام الجيران الأشقاء، من منطلق الدفاع المشروع والهجوم المعنوي والسياسي الواجب الذي يضع الجميع أمام مسؤولياتهم القومية والدينية.

بدأ لاريجاني رسالته بوضع العالم الإسلامي وخصوصًا دول الجوار، أمام ستة بنود كحجةٍ وتبيان، تلخصت بـ “العدوان والغدر، العزلة والانتصار، التخاذل الديني، سيادة الرد، النصيحة والتحذير، ووحدة المصير”، في لغةٍ خطابية تنتمي إلى الموروثات الدينية التي تسعى إلى تثبيت حقائق أخلاقية قبل أن تكون سياسية.

لاريجاني بصفته أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، لا يتحدث هنا كدبلوماسي يبحث عن تسويات هشة، وإنّما يضع رؤية شاملة لكيفية إدارة إيران لصراعها مع قوى العدوان، مبرزًا في الوقت ذاته نظرة أخوية وإنّ كانت مشوبة بالعتب والحذر تجاه المحيط الإقليمي.

الرسالة في جوهرها، هي إعلان انتصار للإرادة الوطنية الإيرانية التي استطاعت تحويل العدوان الأمريكي الصهيوني إلى فرصة لتمتين الجبهة الداخلية وتعزيز نفوذ محور الجهاد والمقاومة؛ فطهران تهدف إلى وضع الحكومات العربية الجارة أمام خيار وحيد يصب في مصلحة شعوبها ومصلحة الاستقرار الإقليمي، وهو التوقف عن منح الغطاء للقواعد الأجنبية التي تستهدف السيادة الإيرانية، واعتبار القوة الإيرانية ركيزةً لحماية الجوار لا تهديدًا له.

ويقدّم لاريجاني رؤية القوة التي تؤكد أن إيران، بصلابتها، قد تجاوزت مرحلة الدفاع عن الوجود إلى مرحلة فرض القواعد، داعيًا المحيط الإسلامي للاستثمار في هذا الصمود الإيراني كدرع واقٍ ضد خداع القوى الكبرى، وهو ما يجعل الانحياز لطهران مصلحة قومية عليا لكل دولة تسعى للاستقلال الحقيقي.

المتأمل للبند الأول من الرسالة يكتشف عن حجم الاختراق النفسي والسياسي الذي حاول العدو الأمريكي والإسرائيلي تحقيقه؛ إذ يُشير لاريجاني بوضوح إلى أن العدوان الأخير لم يكن مجرد عمل عسكري معزول، بل كان “مخادعًا” كونه وقع في خضم مفاوضات سياسية، وهذا التوصيف يحمل في طياته تحذيرًا من أن الثقة في المسارات الدبلوماسية مع الغرب قد وصلت إلى أدنى مستوياتها، وأن الهدف النهائي للعدو كان “تفكيك إيران” ككيان سياسي وجغرافي.

ويلفت إلى أنّ استشهاد القادة العسكريين والمدنيين، وفي مقدمتهم “القائد الكبير والمضحي”، لم يعد في المنظور الإيراني مجرد خسارة بشرية، وإنّما تحول إلى وقود لتصلب “المقاومة الوطنية والإسلامية من الشعب الإيراني”، وهنا تبرز الرسالة فكرة أن القوة الإيرانية عسكريًّا نابعة من إرادة شعبية صلبة استطاعت تحويل الصدمة إلى فعل مقاوم، وهو ما يضع المعتدي في “مأزق استراتيجي” لا يجد منه مخرجًا.

وبالانتقال إلى البعد الإقليمي، تبرز لغة العتب الصريح واللاذع في آنٍ واحد، حيث يسلط لاريجاني الضوء على العزلة التي فرضتها الدول الإسلامية على طهران في لحظات المواجهة، والإشارة إلى أنّ أيّ دولة إسلامية لم تقف إلى جانب الشعب الإيراني إلا في حالات نادرة وبحدود المواقف السياسية؛ محاكمة علنية لمفهوم التضامن الإسلامي.

ومع ذلك، يصر لاريجاني على أن إرادة الشعب الإيراني كانت كافية لقمع العدو، وهو ما يرسل رسالة استغناء مغلفة بالقوة، مفادها أن إيران قادرة على حماية نفسها ذاتيًّا، لكنها في الوقت ذاته تتساءل عن جدوى التحالفات الإسلامية القائمة، وهذا التناقض الذي يطرحه بين الفعل والقول لدى الحكومات الإسلامية، مستشهدًا بالحديث النبوي الشريف حول إجابة نداء المستغيث، يمثل ضغطًا أخلاقيًّا يسعى لتعرية الشرعية الدينية المزعومة للأنظمة التي تلتزم الحياد أو تميل للطرف الآخر، متسائلاً بمرارة: “فأي إسلام هذا؟”.

وتتصاعد حدة الرسالة حين تقارب المسألة الأكثر حساسية في العلاقات الإقليمية، وهي وجود القواعد العسكرية الأمريكية في الدول المجاورة؛ إذ يرفض لاريجاني بشدة الذرائع الواهية التي تسوقها بعض الدول لاعتبار إيران عدوًا لمجرد أنها استهدفت مصالح أمريكية أو إسرائيلية على أراضيها.

المنطق الإيراني هنا يضع الجوار أمام معادلة بسيطة ومؤلمة؛ إذ كيف يُطلب من طهران الصمت والقواعد المنطلقة من أراضيكم تُستخدم لضرب عمقها؟ إنّ هذا الجزء من الرسالة يمثل رؤية الحرب وما حولها، حيث تعتبر إيران أن المواجهة الحالية ليست صراعًا حدوديًّا، وإنّما حرب بين معسكرين واضحين؛ “الشيطان الأكبر أمريكا والأصغر (إسرائيل)” من جهة، وإيران المسلمة وقوى المقاومة من جهةٍ أخرى.

والسؤال الجوهري الذي طرحه لاريجاني: “إلى أيّ جانب تقفون؟”، هو دعوة لتحديد التموضع الاستراتيجي في منطقة لا تقبل الرمادية، ويدعو الحكومات الإسلامية للتفكر في مستقبل العالم الإسلامي، محذّرًا من أنّ أمريكا “لا وفاء لها” وأنّ كيان الاحتلال الإسرائيلي هو العدو التاريخي للجميع.

رسالة لاريجاني تهدف إلى نزع فتيل فوبيا الهيمنة الإيرانية التي تسوقها الأطراف الدولية المعادية، مؤكّدًا أن إيران هي “الناصح” وليست “المهيمن”؛ وفيما يحمل غصن زيتون مشروط بالوعي، يطالب القادة الأشقاء بالوقوف لحظة تأمل أمام أنفسهم وأمام استحقاقات المنطقة والعالم الإسلامي ككل.

لاريجاني يدرك أنّ وحدة الأمة هي المفتاح الوحيد لضمان الأمن والتقدم والاستقلال، وهي ثلاثية لا يمكن تحقيقها في ظل التبعية للقوى الخارجية التي تسعى لتفتيت المنطقة واستنزاف ثرواتها، وبالتالي قدّم بلاغًا نهائيًّا ويضع الكرة في ملعب العواصم الإسلامية؛ فإمّا الانحياز لهوية المنطقة ومستقبلها المشترك، أو الاستمرار في مسارات التبعية التي لن تقود إلا إلى مزيد من الضعف.

رسالة تبليغ الحجة التي أراد بها لاريجاني أنّ يوثق التاريخ أن إيران كانت تمد يدها لأشقاءها، في خضم العدوان عليها، ليس ضعفًا، وإنّما إيمانًا بأن المصير الواحد يفرض موقفًا واحدًا في مواجهة أعداء لا يفرقون بين عاصمة إسلامية وأخرى.