خبراء وناشطون: يوم القدس العالمي يعيد رسم ملامح الصراع ويكشف هشاشة المشروع الأمريكي

0

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
16 مارس 2026مـ – 27 رمضان 1447هـ

تقريــر || محمد ناصر حتروش

أتى إحياء يوم القدس العالمي هذا العام في سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد، حيث تتداخل المواجهات العسكرية مع التحولات السياسية الكبرى التي تشهدها المنطقة منذ اندلاع معركة “طوفان الأقصى” وما تلاها من تصعيد واسع بين محور المقاومة من جهة، والولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي من جهة أخرى.

وفي ظل هذا المشهد المتشابك، يكتسب يوم القدس بعداً يتجاوز كونه مناسبة تضامنية سنوية ليصبح منصة سياسية وفكرية تعكس طبيعة التحولات في موازين القوى الإقليمية.

ويرى مراقبون أن هذه المناسبة باتت تمثل مؤشراً على تحولات أعمق في بنية الصراع، إذ تجمع النخب السياسية والإعلامية في عدة دول عربية وإسلامية حول مركزية القضية الفلسطينية واستمرار حضورها في الوعي الشعبي والسياسي.

وتأتي هذه الفعاليات في وقت تتسع فيه دائرة المواجهة مع العدو الصهيوني، مع تصاعد دور القوى الداعمة لفلسطين في أكثر من ساحة، من إيران واليمن إلى لبنان والعراق.

وفي هذا السياق، عبّر عدد من الناشطين والباحثين والإعلاميين من إيران واليمن ومصر وفلسطين عن قراءاتهم المختلفة لدلالات إحياء يوم القدس العالمي هذا العام، حيث ركّز كل منهم على زاوية خاصة تعكس موقع بلده ودوره في معادلة الصراع الدائرة.

وتكشف هذه القراءات -رغم اختلاف مقارباتها- عن قاسم مشترك يتمثل في اعتبار أن المرحلة الراهنة تمثل لحظة مفصلية قد تعيد رسم ملامح الصراع في المنطقة، وتعيد التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية في الوعي العربي والإسلامي.

معركة تعيد رسم الموازين
في السياق، يؤكد الناشط الإعلامي الإيراني علي ناصري أن إحياء يوم القدس العالمي هذا العام يأتي في ظل مرحلة تاريخية مفصلية في مسار الصراع مع الولايات المتحدة والكيان، معتبراً أن المواجهة الدائرة حالياً تمثل حرب وجود بالنسبة لمحور المقاومة.

وفي حديثه لموقع أنصارالله، يؤكد ناصري أن العمليات العسكرية المتواصلة في أكثر من ساحة، من فلسطين ولبنان إلى اليمن، تشكل حلقات مترابطة ضمن مسار استراتيجي يهدف إلى إنهاء الهيمنة الأمريكية في المنطقة.

ويرى أن العدو الإسرائيلي يمثل القاعدة العسكرية الأبرز للولايات المتحدة في المنطقة، وأن استمرار المواجهة سيؤدي في النهاية إلى تراجع النفوذ الأمريكي وفتح المجال أمام مرحلة إقليمية جديدة تقودها قوى المقاومة.

وتعكس قراءة ناصري زاوية جيوسياسية تركز على البعد الاستراتيجي للصراع، حيث يُنظر إلى المواجهة الحالية باعتبارها جزءاً من إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية.

ويظهر في هذا الطرح فكرة الانتقال من الصراع المحدود إلى صراع طويل المدى، يعيد تعريف موقع الولايات المتحدة في المنطقة.

من جانبها، ترى الإعلامية اليمنية فردوس الوادعي أن يوم القدس العالمي هذا العام يحمل طابعاً مختلفاً مقارنة بالسنوات الماضية، إذ يترافق مع شعور متزايد لدى الشعوب المؤيدة لفلسطين بأن المنطقة تقترب من مرحلة حاسمة في مسار الصراع.

وتشير الوادعي -في حديثها لموقع أنصارالله- إلى أن الأحداث المتسارعة في الإقليم -بما في ذلك المواجهات العسكرية المتعددة- أعادت إحياء حالة التعبئة الشعبية حول القضية الفلسطينية، وجعلت من يوم القدس مناسبة تعكس مستوى عالياً من الاستعداد للتضحية والدعم.

وتؤكد أن استمرار حضور القضية الفلسطينية في الوجدان الشعبي يمثل عاملاً حاسماً في إبقاء القضية حية رغم كل محاولات تهميشها أو تجاوزها سياسياً.

وتسلط مقاربة الوادعي الضوء على البعد الشعبي والوجداني للصراع، حيث يظهر يوم القدس كأداة لإعادة تعبئة الرأي العام وتعزيز التضامن مع فلسطين، إذ يثبت هذا الطرح أهمية العامل المعنوي في الصراعات الطويلة، حيث تتحول المناسبات إلى أدوات للحفاظ على الزخم الشعبي.

يوم القدس يحفظ مركزية فلسطين
بدوره، يركز الكاتب والباحث السياسي المصري السيد شبل على البعد الفكري والسياسي ليوم القدس العالمي، معتبراً أن هذه المناسبة تمثل آلية للحفاظ على مركزية القضية الفلسطينية في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة.

ويقول في حديث خاص لموقع أنصارالله: “المبادرة التي أطلقها الإمام روح الله الخميني قبل عقود هدفت إلى ترسيخ الوعي بأن الصراع في فلسطين يعتبر قضية ترتبط بمفاهيم العدالة والحق التاريخي للشعوب”.

ويرى أن استمرار إحياء هذا اليوم يعكس قدرة القضية الفلسطينية على تجاوز محاولات التهميش، كما يعكس في الوقت نفسه ارتباطها الوثيق بموازين القوى الإقليمية والتحولات السياسية في المنطقة.

ويقدم شبل قراءة فكرية للصراع، تركز على البعد الرمزي والسياسي للمناسبات الجماهيرية في الحفاظ على مركزية القضية الفلسطينية، لافتا إلى أن المعركة لا تقتصر على الميدان العسكري، بل تمتد إلى المجال الثقافي والإعلامي حيث يجري تشكيل الوعي العام.

أما رئيس الهيئة التنفيذية للحراك الوطني الفلسطيني خالد عبد المجيد فيرى أن يوم القدس العالمي هذا العام يتزامن مع مرحلة دقيقة من تاريخ النضال الفلسطيني، خاصة بعد التطورات التي أعقبت عملية “طوفان الأقصى” وما تبعها من مواجهات ممتدة في عدة ساحات.

ويؤكد -في حديث خاص لموقع أنصارالله- أن الدعم الذي قدمته قوى متعددة في المنطقة للقضية الفلسطينية يعكس اتساع دائرة التضامن مع الشعب الفلسطيني، مشيراً إلى أن هذه التطورات أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الإقليمي والدولي.

ويشدد على أن الشعب الفلسطيني سيبقى وفياً لكل القوى والشعوب التي وقفت إلى جانبه في مواجهة الاحتلال.

ووفقا للناشطة الإعلامية اللبنانية سندس الأسعد فإن إحياء يوم القدس العالمي يكتسب هذا العام أهمية مضاعفة في ظل تصاعد الاعتداءات الصهيوأمريكية على شعوب المنطقة، وما يرافقها من محاولات سياسية وإعلامية واضحة لطمس القضية الفلسطينية.

وتقول الأسعد في حديث خاص لموقع أنصارالله: “إن يوم القدس لم يعد مجرد مناسبة تضامنية سنوية، إنما أصبح محطة لإعادة توجيه البوصلة نحو فلسطين باعتبارها القضية المركزية للأمة، مُستذكِرة المبادرة التي أطلقها الإمام روح الله الخميني لتأكيد التضامن مع الشعب الفلسطيني ورفض كل أشكال الاحتلال حتى يتحقق النصر.

وتشير إلى أن هذا الوعد القرآني ينسجم مع مدرسة سبط الرسول الأعظم الإمام الحسين الكربلائي، حيث تحوّل قيامه إلى محرك طبيعي للمقاومة ومواجهة الطغيان مهما كلف ذلك من تضحيات، مستدلة بتصريحات تاريخية لقادة محور المقاومة مثل تعهد الأمين العام لحزب الله الأسبق عباس الموسوي، واستنتاجات الشهيد السيد علي خامنئي، والسيد عبدالملك الحوثي، والشهيد السيد حسن نصرالله حول هشاشة الكيان الصهيوني، لتؤكد أن المقاومة الفلسطينية اليوم ليست مجرد خيار سياسي، بل موقف أخلاقي وديني متجذر في الوعي الإسلامي والكرامة الإنسانية.

ويمكننا القول إن فعالية يوم القدس العالمي تحولت إلى محطة سياسية وفكرية تعكس طبيعة الصراع المفتوح في المنطقة، وتكشف في الوقت ذاته عن تزايد حضور القضية الفلسطينية في النقاشات الاستراتيجية والشعبية على حد سواء.

وتشير التطورات المتسارعة إلى أن القضية الفلسطينية استعادت موقعها المركزي في معادلات المنطقة، بعد سنوات من المساعي الأمريكية الصهيونية الفاشلة لطمس القضية الفلسطينية واخضاع المنطقة للهيمنة الأمريكية والصهيونية.

ويظهر من خلال ذلك أن الصراع الدائر بين محوري الحق والشر أصبح جزءاً أساسياً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الأبعاد العسكرية والسياسية والثقافية والإعلامية.

وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن يوم القدس العالمي يواصل أداء دوره كمنصة جامعة لتجديد التأكيد على مركزية فلسطين في الوعي العربي والإسلامي، وكأحد المؤشرات على استمرار حضور القضية في ضمير الشعوب، رغم النفوذ الأمريكي والصهيوني ومساعيهما الحثيثة للسيطرة على المنطقة والتحكم بقرارها.