كُرة المواجهة تتدحرج وترامب بين خيارين أحلاهما مر

3

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
15 مارس 2026مـ – 26 رمضان 1447هـ

فيما لا يزال ترامب يدعو لتحوُّل يخرجه من المأزق الذي أوقع نفسه وبلاده والعالم فيه، يبدو أن الوضع مرشح لفصل أكثر حدة من جولات الانتقام والتأديب التي ينفذها الجيش الإسلامي. ترامب الذي تصور أن ما قدمته طهران من تنازل في مفاوضات جنيف -حسب بدر البوسعيدي وزير خارجية عُمان- ضعفاً، فقويت شوكته وذهب إلى عمل إرهابي أفقد أمريكا ما بقي لها من مصداقية، بدأ يحصد عواقب حساباته القاصرة التي تكشف ما تعيشه منظومة الحكم الأمريكية من “غباء” سياسي وعسكري، وعجز في تقدير “الأزمة”، على عكس ما يروج له من تفوق في فهم الوقائع وما تقتضيه من تحركات.

لم يكن الأمر الأمريكي “الإسرائيلي” أكثر من تحرك عملي في إطار المخطط الذي يراد للأمة تحت أكثر من عنوان، ولذلك كانت المرونة التي أبدتها إيران في محادثات جنيف، محبِطة لأكثر شخصين دموية وإرهاباً في العالم؛ ترامب ونتنياهو، وعلى حين غفلة ارتكبا جريمتهما المخزية.

كرة الثلج تتدحرج أكثر فأكثر، وصار العالم بأسره يعيش قلقاً استراتيجياً من استمرار المواجهة دون رؤية واضحة تضع لها سقفاً أو إطاراً لا تتجاوزه، خشية تداعياتها الجيوسياسية والاقتصادية، وهو ما يفاقمه حقيقة أن أمريكا لم تعد تعلم إلى أين تسير بفضل العجوز ترامب. ويؤكد موقع “بوليتيكو” أنه في ظل هذه الظروف، لا يستطيع أي من قادة الولايات المتحدة تحديد أهداف واضحة للعملية أو جدول زمني لإنجازها.

ترامب في الفخ الإيراني

سياسياً جددت طهران تأكيدها على ممارسة حقها في الدفاع عن نفسها، ومع غياب أي مظلة دولية قانونية لضبط حركة فاقدي الاتزان من قادة الإرهاب الأمريكيين “والإسرائيليين”، يصير من حقها أيضاً تأديب المعتدين على قتلهم الشعب الإيراني. يقول أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني لـ”دونالد ترامب”: “لن نترككم وشأنكم حتى تعترفوا بخطئكم وتدفعوا ثمنه”. وسخر لاريجاني من ترامب الذي يحاول التنفس من خلال التغريدات، بالقول: “إشعال الحرب أمر سهل، لكن لا يمكن إنهاؤها ببضع تغريدات”.

وقال السياسي والقانوني الكويتي ناصر الدويلة: “إن المواجهة الجارية كشفت قوة أمريكا الحقيقية أن جيوش العرب أصبحت هي التي تحمي الوجود الأمريكي، ولم يعد للوجود الأمريكي أي دور في حماية الخليج” حسب الدويلة.

بينما أكد الأكاديمي والخبير في القانون الدولي يوري جدانوف أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقع في “فخ إيراني متعدد الأوجه”. جدانوف أوضح لصحيفة “موسكوفسكي كومسوموليتس” أنه حتى معارِضو ترامب بدأوا يلمّحون إلى أنه أوقع نفسه في مأزق حقيقي.

مرحلة مفتوحة دون سقف أو قيود

عسكرياً، أظهرت المؤسسة العسكرية في الجمهورية الإسلامية مؤشرات على مرحلة قد تكون أكثر إيلاماً على العدوين اللدودين للإنسانية وللسلم العالمي، أمريكا “وإسرائيل”، وأكثر فاجعة على العالم بتفاقم التداعيات. يأتي في هذا السياق، حديث نائب القائد العام للحرس الثوري الإيراني، العميد علي فدوي، بإمكانية استخدام سلاح جديد بتكنولوجيا عالية لا تملكه سوى إيران وروسيا، وهي صواريخ تطلق من تحت الماء وسرعتها 100 متر في الثانية.

ونصح العميد فدوي العدو بأن يضع في حسبانه “احتمال الدخول في حرب استنزاف طويلة الأمد، تؤدي إلى انهيار اقتصاد أمريكا والعالم أجمع”.

فيما أعلن متحدث باسم القوات الإيرانية عن مرحلة جديدة من العمليات العسكرية الواسعة ضد المصالح الأمريكية “والإسرائيلية” في المنطقة، مؤكداً أن المرحلة الجديدة لن تقوم على مبدأ “الرد بالمثل” فقط، بل ستشهد عمليات متواصلة ومفتوحة دون سقف أو قيود، في رسالة واضحة بأن طهران باتت عازمة على توسيع نطاق الرد على الاعتداءات الأمريكية “والإسرائيلية” التي استهدفت أراضيها ومصالحها. وتأكيداً على تنفيذ هذه الاستراتيجية فعلياً، كشف متحدث الحرس الثوري الإيراني بدء استهداف القطاع المصرفي الأمريكي “والإسرائيلي” في المنطقة رداً على الهجوم الذي استهدف أحد البنوك الإيرانية. مؤكداً أن الرد سيكون مفتوحاً ولن يقتصر على المجال العسكري فحسب، بل سيمتد ليشمل البنية الاقتصادية والمصالح الحيوية للعدو.

إلى ذلك أيضاً هدد الجيش الإيراني باستهداف الموانئ والأرصفة الإقليمية في حال تعرّضت الموانئ والأرصفة الإيرانية لهجمات، داعياً “دول المنطقة إلى طرد الأميركيين من أراضيها”. وهو ما نقله التلفزيون الرسمي عن متحدث باسم القوات المسلحة لم يذكر اسمه.

وفي تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية قال روبرت بيب أستاذ العلوم السياسية ومدير مشروع الأمن والتهديدات في جامعة شيكاغو الأمريكية إنه لا يمكن اعتبار الضربات الإيرانية مجرد أعمال انتقامية متفرقة، أو محاولات يائسة من نظام يحتضر، بل إنها تمثل استراتيجية تصعيد أفقي، ومحاولة لتغيير مسار النزاع من خلال توسيع نطاقه وإطالة أمده.

طول المعركة هزيمة أكيدة

كما أن إطالة أمد المواجهة أو اتساع نطاقها هو بذاته تصعيد، إذ يتأزم معه -على نحو أكيد- واقع المعتدي الأمريكي “والإسرائيلي” أكثر، بما ينعكس عليهما من تداعيات سياسية وعسكرية واقتصادية، وضغوط دولية جراء ما أقحما فيه استقرار العالم بسبب هذه المغامرة الطائشة.

يؤكد مدير برنامج استراتيجية أوروبا بالمجلس الأوروبي كريستوف بولسكي، أن استمرار التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران يحمل تداعيات واسعة على الاستقرار الدولي، موضحاً أن حلفاء واشنطن في أوروبا وآسيا يراقبون الوضع بحذر شديد، وأن غياب رؤية استراتيجية واضحة لدى الولايات المتحدة بشأن المدى الزمني أو السياسي للصراع يزيد من مخاوف المجتمع الدولي.

خياران أحلاهما “مُر”

وعلى ضوء ذلك ليس أمام أمريكا تحديداً -باعتبارها المحرك الأساسي للحرب والمظلة للطموحات الصهيونية التوسعية في المنطقة- غير الإقرار بالهزيمة، والانسحاب، أو كما ذهب مؤلف كتاب “القصف من أجل النصر: القوة الجوية والإكراه في الحرب”، البروفيسور روبرت بيب؛ المسارعة في إعلان “تحقيق” أهداف عملية “الغضب الملحمي”، وإنهاء وجود قواتها الجوية والبحرية الهائلة المُتمركزة قرب إيران. وهذا السيناريو يمكن أن يضع إدارة ترامب، على المدى القريب، في مواجهة انتقادات سياسية حادة لاحتمال عدم إتمامها المهمة، لكنه سيتيح لها الانتقال إلى قضايا أخرى أكثر إلحاحاً، مثل تلبية الاحتياجات الاقتصادية الداخلية، والحد من التداعيات السياسية لقرار مهاجمة إيران.

في كل الأحوال -وعلى أي شكل استقر الخيار- سيكون على أمريكا تحمل تبعات هذا الخيار، إنما يبقى الإقرار بالهزيمة “وتحمّل تكاليف سياسية قصيرة ومحدودة الآن”، أفضل من “تحمّل تكاليف سياسية أطول وأكثر غموضاً لاحقاً”، وبعبارة أخرى “قبول خسارة محدودة الآن بدلاً من المخاطرة بتفاقم الخسائر لاحقاً” حسب البروفيسور روبرت بيب، خصوصاً وأن الجمهورية الإسلامية أثبتت بهذا النَفَس الطويل قدرتها على إدارة مواجهة طويلة الأمد، ومصرّة على تأكيد وجوب القصاص وقهر العدو. وقال بيان للحرس الثوري: “لا نفكر إلا في استسلام العدو بالكامل. سننهي الحرب فقط عندما يزول خطر الهجمات عن البلاد”.