العمى الصهيو-أمريكي في إيران: كيف تحولت تكنولوجيا الحرب الغاشمة إلى نقطة ضعف أمام إيران؟

2

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
10 مارس 2026مـ – 21 رمضان 1447هـ

تقريــر || إبراهيم العنسي

في ظل تصاعد حدة المواجهة المباشرة بعد العدوان الأمريكي الإسرائيلي على جمهورية إيران الإسلامية، لم تعد المعركة تُدار بمنطق الغلبة الميدانية التقليدية أو السيطرة على الجغرافيا، بل تحولت إلى استراتيجية “تفكيك الركائز الحيوية”.

تدرك إيران أن نقاط القوة في هذا التحالف المعادي تتمثل في التفوق التكنولوجي، الرفاه الاقتصادي، وهيمنة الطاقة؛ تلك النقاط هي ذاتها “كعب أخيل” التي يمكن من خلالها شل حركة الخصم.

إنها مرحلة جديدة ستقودها إيران كما قادت مرحلة “إعماء أمريكا” في الجو والبحر والبر بضرب راداراتها وتحييد عيونها الراصدة، حيث حرب “رفع الكلفة” التي تضع لها طهران قائمة أهداف مميزة لتضرب في صميم العقد الاجتماعي والاقتصادي للكيان الصهيوني، وتضع الإدارة الأمريكية أمام معضلة الاختيار بين هيبتها العالمية وبين الاستقرار الداخلي المهدد بانفجار أسعار الطاقة وفشل المنظومات الدفاعية.

هذه المرحلة وهذا القرار الذي جاء رداً على الغارات الجوية التي استهدفت بنى تحتية إيرانية مثل مصفاة “تندغويان” ومحطات تحلية المياه والكهرباء في “طهران وقشم”، هي رسالة إيران الصريحة: “إذا ضُربت بنيتنا التحتية، فكل البنى التحتية للعدو الإسرائيلي والمصالح الأمريكية في المنطقة أهداف مشروعة”.

الجبهة الصهيونية

تدرك إيران أن شل حركة الكيان الإسرائيلي لا يتطلب احتلال أراضٍ بقدر ما يتطلب تدمير المرافق التي تجعل الحياة اليومية والإنتاج الصناعي ممكناً. وهناك قائمة ضخمة من الأهداف الحساسة داخل الكيان:

مجمع حيفا الصناعي واللوجستي

تمثل مدينة حيفا الخاصرة الرخوة للكيان؛ فهي تضم ميناء حيفا القديم والجديد، اللذين يمثلان بوابة الكيان الرئيسية للاستيراد والتصدير. استهداف هذه الموانئ يعني قطع خطوط الإمداد الغذائي والسلعي تماماً. لكن الخطر الأكبر يكمن في مصافي حيفا ومستودعات الأمونيا؛ فإصابة مباشرة لمستودعات المواد الكيميائية والأمونيـا قد تؤدي إلى كارثة بيئية وبشرية تفوق انفجار مرفأ بيروت بأضعاف، ما يجبر مئات الآلاف من المستوطنين على النزوح الجماعي الدائم. كما أن استهداف أحواض بناء السفن، حيث ترسو المدمرات الإسرائيلية وقطع الأسطول الحربي، يعني شل القدرة البحرية الهجومية والدفاعية للكيان، وتحويل ميناء حيفا من مرفق استراتيجي إلى مقبرة للسفن.

الموانئ والطاقة في المتوسط

قطاع الطاقة والكهرباء داخل الكيان يأتي كأبرز هذه الأهداف، حيث يعتمد العدو بشكل شبه كامل على الغاز الطبيعي لتوليد الطاقة؛ لذا فإن استهداف منصات استخراج الغاز مثل منصتي “تمار” و”ليفياثان” في البحر المتوسط وكذلك حقل “كاريش”، أو ضرب محطات توليد الطاقة الرئيسية كمحطة “أوروت رابين” في الخضيرة ومحطة “روتنبرغ” في عسقلان، وتدمير توربيناتها، من شأنه أن يُدخل مساحات واسعة من البلاد في ظلام دامس لأسابيع، خاصة إذا ما طال الاستهداف شبكة التوزيع والمحولات الكبرى التي تمنع وصول الكهرباء حتى لو بقيت المحطات سليمة. وما حدث بالأمس من انقطاع للكهرباء في تل أبيب مؤشر قوي على إمكانية ضرب استقرار الخدمات التي يقوم عليها نشاط الاستثمار وحياة المجتمع اللقيط.

ويتصل هذا الشلل مباشرة بقطاع الموانئ البحرية واللوجستيات؛ فالعدو الإسرائيلي الذي يستورد ويصدر أكثر من 90% من بضائعه ومواده الغذائية عبر البحر، يخشى بشدة من تعطيل مينائي حيفا وأسدود، اللذين يمثلان الشريانين الرئيسيين للتجارة الدولية، وتوقفهما يعني نقصاً حاداً في السلع وارتفاعاً جنونياً في الأسعار، يفاقمه الشلل الحاصل في ميناء إيلات الذي يعد بوابة التجارة مع آسيا وأفريقيا، وهذا سيرفع “أقساط التأمين البحري” إلى مستويات فلكية، ويجعل وصول أي سفينة شحن إلى الكيان الإسرائيلي مغامرة خاسرة تجارياً حتى لو ظلت الموانئ تعمل.

منشآت تحلية المياه

أما على صعيد الاحتياجات الأساسية، فتبرز منشآت المياه والتحلية كهدف وجودي، حيث تعتمد البلاد على تحلية مياه البحر لتوفير حوالي 80% من مياه الشرب عبر محطات التحلية الكبرى في “سوريك” وأسدود والخضيرة، واستهداف هذه المنشآت أو خزانات المياه وشبكات النقل يهدد الأمن المائي المباشر لملايين السكان في المدن والمغتصبات. وسيعني ببساطة “تعطيش الكيان”، أي أن إصابة هذه المحطات تجعل المدن الكبرى غير قابلة للسكن، وتخلق أزمة إنسانية تفوق قدرة الجبهة الداخلية على الاحتمال، ما سيحول الضغط العسكري إلى ضغط شعبي خانق على الحكومة الصهيونية.

استهداف عصب القوة

وعلى الصعيد المالي، يواجه قطاع التكنولوجيا العالية الذي يساهم بـ 20% من الناتج المحلي، و50% من الصادرات الصهيونية، تهديداً كبيراً؛ فبدون كهرباء مستمرة وغاز رخيص، ستفر رؤوس الأموال والشركات العالمية من تل أبيب إلى عواصم أكثر أماناً، وهذا يعني انهياراً اقتصادياً لا يمكن ترميمه في سنوات، كما أنه سيشكل تهديداً وجودياً عند استهداف مراكز البيانات والمناطق الصناعية التكنولوجية مثل “وادي السيليكون” في تل أبيب وهرتزليا، وسيؤدي لهروب الاستثمارات وتوقف النمو.

وبالإضافة إلى تدمير مراكز البيانات في “وادي السيليكون” الإسرائيلي، فإن الهجمات السيبرانية الإيرانية المتزامنة مع الضربات العسكرية يمكن أن تعطل أنظمة الملاحة (GPS) وتوجيه الموانئ والمطارات قبل قصفها، ما يضاعف حالة الإرباك. كما يمكنها استهداف السجلات المدنية والمصرفية الصهيونية لخلق حالة من فقدان الهوية المالية والقانونية للمستوطنين، وهذا سيدفع نحو “الهجرة العكسية” ليس خوفاً من القتل فقط، بل لفقدان عوامل الحياة والرفاهية التي جاء من أجلها قطعان المستوطنين من حول العالم.

يتزامن ذلك مع القلق من استهداف البنية التحتية للنقل والاتصالات، وتحديداً مطار “بن غوريون” الدولي، المنفذ الجوي الوحيد الفعال، الذي يؤدي إغلاقه لعزل البلاد تماماً، توازياً مع ضرب شبكة السكك الحديدية والطرق السريعة والجسور الحيوية التي تشل حركة القوات والمدنيين. وتبرز الأهداف السيادية والمالية كضربة معنوية واقتصادية قاضية، من خلال استهداف مباني حكومة الكيان والبرلمان (الكنيست) في القدس، أو شن هجمات على بورصة تل أبيب والمصارف الكبرى، وهذا قد يقود إلى ضرب الثقة في النظام المالي الصهيوني وانهيار عملة العدو الإسرائيلي (الشيكل).

ضرب الوعي الصهيوني

وتتشابك خيوط الاستراتيجية الإيرانية لتنسج واقعاً معقداً يهدف إلى تقويض أسس البقاء داخل الكيان الصهيوني، حيث لم يعد الاستهداف العسكري مجرد رد فعل، إنما صار أداة كيّ الوعي الجمعي ودفع المجتمع الاستيطاني نحو تفكيك نفسه ذاتياً من الداخل. وتتجلى أصدق صور هذا في “زلزال الهجرة العكسية” الذي حوّل الكيان إلى بيئة طاردة تفتقر لأدنى مقومات الأمان والرفاه، وهو ما تترجمه الأرقام الصادمة لعامي 2024 و2025 التي سجلت مغادرة أكثر من 152,000 مستوطن في هجرة دائمة بلا عودة، في قفزة تاريخية تعكس ذعراً وجودياً غير مسبوق.

ويتجسد الذعر الصهيوني ما قبل هذه الحرب في التهافت الجنوني على السفارات الأجنبية، وعلى رأسها سفارة البرتغال التي شهدت طوابير بشرية هائلة وانهياراً متكرراً لأنظمة الحجز الإلكتروني بسبب الإقبال الهائل، حيث يسعى المستوطنون لاقتناص “جواز سفر الخلاص” الذي يمنحهم حق العيش والعمل في الاتحاد الأوروبي بعيداً عن مديات الصواريخ الإيرانية، خاصة وأن الارتباط بالأرض لدى هؤلاء المستوطنين يظل ارتباطاً “نفعياً” يتلاشى بمجرد تحول الإقامة إلى مخاطرة وجودية وتكلفة اقتصادية باهظة. في ضوء هذا يمكن تخيل إلى أي مدى يمكن أن يدفع التصعيد الإيراني بضرب مقومات حياة المجتمع الصهيوني اللقيط إلى تقريب الهروب الكبير من فلسطين المحتلة.

ومؤشرات هذا الهروب لا تقتصر على صالات المطارات التي تعيش حالة من الشلل والارتباك، بل تمتد لتشمل المعابر البرية، حيث رصدت التقارير العبرية هروب قطعان المستوطنين عبر معبر “طابا” الحدودي، كمنفذ هروب أوليّ نحو سيناء ومنها إلى وجهات دولية كقبرص واليونان، في محاولة للالتفاف على احتمالات إغلاق الأجواء أو استهداف مطار بن غوريون. هذا التدفق البشري نحو المعابر البرية والموانئ البحرية، بما فيها محاولات المغادرة عبر اليخوت والسفن الخاصة من موانئ إيلات وأسدود، يعكس قناعة تامة لدى الجمهور الصهيوني بصدقية تصريحات القادة الإيرانيين حول “حرب الاستنزاف طويلة الأمد” التي ستجعل من مدن الكيان مناطق غير قابلة للسكن.

وكما تشير استطلاعات الرأي داخل الكيان فإن 45% من حملة الشهادات العليا في قطاع (التكنولوجيا فائقة التطور) قد شرعوا بالفعل في إجراءات استخراج جنسيات أجنبية، وتصدرت البرتغال القائمة بنسبة طلبات ارتفعت بمعدل 450% منذ بدء المواجهة المباشرة مع إيران. الأخطر من الرقم الكلي هو نوعية المهاجرين؛ إذ تشير الإحصاءات إلى أن 60% من المغادرين هم من الفئات الشابة والمهنيين (أطباء، مهندسو تكنولوجيا، وأكاديميون). هؤلاء لا يبحثون عن الأمان فقط، بل يهربون من التضخم الذي ضرب الكيان وفقدان الجدوى الاقتصادية.

الجبهة الأمريكية

ما يمكن أن يوجع ترامب وفريقه هو الاقتصاد، أسعار الطاقة، وهيبة القوة الأمريكية. هنا تدرك إيران أن استهداف الطاقة العالمية سيكون له تأثير حاسم في “صناديق الاقتراع” في الانتخابات الأمريكية القادمة. فترامب يعلم أن استقرار الاقتصاد الأمريكي مرتبط باستقرار أسعار النفط. وتحديث قائمة الأهداف الإيرانية لتشمل المصالح الحيوية والاستثمارات الأمريكية في الخليج والمنطقة يعني أن أي مصفاة أو حقل نفط تشرف عليه شركات أمريكية (مثل إكسون موبيل أو شيفرون) قد يصبح هدفاً. واستهداف هذه المنشآت سيؤدي لقفزة في أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة أكثر مما هو حاصل اليوم بعد أسبوع من العدوان على إيران، ما سيثير غضب الناخب الأمريكي ويضرب الوعود التي قطعها ترامب بخفض التضخم، وبذلك تتحول الحرب في الشرق الأوسط إلى “نزيف سياسي” لترامب في واشنطن.

أيضاً، بدلاً من مهاجمة الثكنات العسكرية المحصنة فقط، قد تنتقل إيران لاستهداف المراكز اللوجستية التي تمول وتدعم الوجود الأمريكي، كاستهداف المطارات والموانئ التي تستخدمها القوات الأمريكية للتموين؛ وهذا يعني جعل تكلفة البقاء في المنطقة باهظة جداً وغير قابلة للاستمرار. كما أن استهداف “الاستثمارات الرئيسية” يعني ضرب الشركات العملاقة التي تمثل واجهة النفوذ الأمريكي، حيث سيضع فريق ترامب أمام ضغوط جارفة من “لوبيات الاقتصاد” الأمريكية التي لن تقبل بخسارة مليارات الدولارات من أجل مغامرة عسكرية غير مضمونة النتائج.

ولأن ترامب يفتخر دائماً بأن الأسلحة الأمريكية هي “الأفضل في العالم”، فإن نجاح إيران في اختراق المنظومات الدفاعية الأمريكية مثل (الباتريوت والثاد) كما برز بقوة خلال أسبوع من الحرب، واستهداف أهداف نوعية وحساسة، يكسر هذه الهيبة ويضرب سوق السلاح الأمريكي عالمياً. هذا “الوجع المعنوي” يحرج الإدارة الأمريكية أمام حلفائها ويُظهر واشنطن كقوة عجزت عن حماية مصالحها ومصالح شركائها أمام ضربات “مقاومة” مصممة ومستعدة للتضحية.

ويمكن القول إن انتقاء الأهداف من قبل إيران يعكس فهماً عميقاً لنقاط ضعف “المشروع الصهيوني-الأمريكي”. فإيران لم تعد تهدف فقط لإلحاق ضرر عسكري بعد ضرب منشآت حيوية لها، بل تهدف إلى تفكيك جدوى الاستثمار في داخل الكيان الإسرائيلي ورفع كلفة النفوذ الأمريكي إلى حد العجز.