كيف ينتظر ترامب أثقل هزيمة في تاريخ أمريكا

0

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
5 مارس 2026مـ – 16 رمضان 1447هـ

تقرير || علي الدرواني

تتسم السيرة العسكرية للولايات المتحدة في العقود الأخيرة بظاهرة لافتة؛ فبينما تمتلك واشنطن الترسانة الأكثر تطوراً في تاريخ البشرية، إلا أن نتائج حروبها غالباً ما تنتهي بخسارة استراتيجية تناقض تفوقها الميداني، من غابات فيتنام إلى جبال أفغانستان وصحاري العراق، وجدت أمريكا نفسها عالقة في دوامة من الحروب غير المتكافئة، حيث تنجح في الهيمنة على القوة العسكرية للخصم خلال أيام، لكنها تغرق لسنوات في مواجهة خطط اليوم التالي والمقاومة الشعبية، مما يؤدي في النهاية إلى انسحابات اضطرارية تترك خلفها فراغاً وفشلاً في تحقيق الأهداف الجيوسياسية المعلنة، وهو ما جعل مفهوم النصر الأمريكي يبدو باهتا وتائها وسط تكاليف بشرية ومادية باهظة.

إبستين يغير مبادئ ترامب:
إن ثقل تلك الهزائم هو الذي دفع ترامب ليتبنى في حملاته الرئاسية الثلاث مفهوم أمريكا أولا، وكذلك لا للحروب، وفي خطاب تنصيبه الثاني قال “لن أبدأ الحروب، سأوقف الحروب”، وكرر مهاجمة حروب أمريكا التي لا تتوقف في الشرق الاوسط، واعتبر أنها أضاعت بوصلة أمريكا عن مواجهة تهديد التمدد الصيني، الأمر الذي دفع الأوساط الامريكية للاستنتاج بأن ترامب ناقض مبادئه تحت ضغط اسرائيلي مارسه نتنياهو ولا يستبعد المراقبون أن تكون ملفات أبستين مخصصة لدفعه لخوض هذه الحرب، وأن توقيت نشر الملفات لم يكن بريئا.

نفاد الذخائر يمنع النصر السريع:
مع انطلاق العدوان على إيران السبت الماضي، راهن المجرم ترامب على نصر خاطف وسريع لا يستغرق 4 أيام، وذلك عبر عملية الاغتيال المنسقة مع الكيان الاسرائيلي استهدفت المرشد الأعلى وقادة الصف الأول، ظناً منه أن غياب الرأس سيؤدي لانهيار الجسد، لكن الواقع الميداني بدأ يذيب التوقعات؛ فإيران ليست دولة كرتونية تنهار برحيل زعيمها، بل منظومة أيديولوجية وعسكرية تعتمد القيادة اللامركزية وعقيدة الدفاع الجهادي والشهادة المقدسة.

صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية قالت إن المخاوف العميقة بدأت تتكشف داخل أروقة القرار الأمريكي من الانزلاق إلى حرب طويلة، وأضافت ان هذه الهواجس تتجاوز مسألة الخسائر البشرية المباشرة، لتلامس عصب القدرات العسكرية الأمريكية المتمثل في مخزونات الدفاع الجوي، وسط أجواء وصفت بأنها مشحونة بالارتياب في واشنطن، ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة: إن هناك قلقا متزايدا بين كبار القادة العسكريين من استمرار القتال لأسابيع، مما سيزيد من الضغط على مخزونات الدفاع الجوي الأمريكية المحدودة أصلا.

لم يكن ترامب يستمع للنصائح التي قدمها رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين، للبيت الأبيض، ومفادها أن النقص في الذخائر والافتقار إلى الدعم العسكري الواسع من الحلفاء سيضيف مخاطر كبيرة على أي عملية في إيران، وعلى الأفراد الأمريكيين المعرضين للخطر.

إيران .. معضلة ترامب القاصمة:
تكمن خطورة المواجهة مع إيران بالنسبة لأمريكا في كونها تتجاوز حدود الحرب التقليدية لتصبح انتحارا استراتيجياً متكاملاً، حيث تصطدم الآلة العسكرية الأمريكية أولاً بجغرافيا قاتلة وتضاريس جبلية وعرة ومساحة شاسعة بمليون ونصف المليون كم مربع، تجعل من أي غزو بري كابوسا لوجستيا يتضاءل أمامه ما حدث في تورا بورا، ليزيد من تعقيد المشهد اصطدام الجندي الأمريكي بعقيدة جهادية واستشهادية فريدة، يطلب فيها المقاتل الإيراني الموت كهدف أسمى، محولاً كل نقطة في البر والبحر إلى ساحة عمليات استنزاف ونزيف بشري يومي لا تطيقه الحسابات السياسية في واشنطن.

ولا تتوقف المعضلة عند الحدود الجغرافية، بل تمتد لتشعل حريقاً إقليمياً شاملاً عبر استراتيجية وضعت القواعد والسفارات الأمريكية تحت رحمة المسيرات والصواريخ من عدة متزامنة، وصولاً إلى استخدام سلاح الطاقة عبر خنق مضيق هرمز وضرب المنشآت النفطية، مما دفع أسعار الوقود لقفزات جنونية تضع الاقتصاد الأمريكي تحت مقصلة التضخم، لترسم هذه العوامل مجتمعة ملامح أثقل هزيمة تاريخية قد تنهي حقبة الهيمنة القطبية للأبد.

لقد تجنب الرؤساء الأمريكيون المتعاقبون من كارتر وصولا إلى بايدن، الدخول في مواجهة شاملة مع إيران ليس حباً في السلام، بل لأن الحسابات الاستراتيجية كانت تشير دائما إلى أن كلفة الحرب أعلى بكثير من ثمن التعايش مع التهديد، بالاضافة إلى الخشية من استفادة أطراف أخرى مثل الصين وروسيا.

الصين تراقب من التل:
تجد الصين في غرق واشنطن في الوحل الإيراني فرصة ذهبية لتعزيز صعودها العالمي دون إطلاق رصاصة واحدة؛ فهي تراقب بابتسامة استنزاف المخزون الاستراتيجي الأمريكي من الذخائر الذكية والصواريخ الاعتراضية، مما يضعف الجاهزية العسكرية الأمريكية في المحيط الهادئ ويفتح ثغرة تاريخية أمام بكين لتعميق نفوذها حول تايوان وبحر الصين الجنوبي.

وبينما تنشغل الآلة العسكرية الأمريكية بمطاردة المسيرات في سماء الشرق الأوسط، تستغل الصين هذه الحال لتقديم نفسها كقوة دولية عقلانية وبديلة للهيمنة الأمريكية، مستفيدة في الوقت ذاته من البيانات الاستخباراتية والميدانية حول أداء السلاح الأمريكي أمام التكنولوجيا الشرقية، لتتحول إيران في المنظور الصيني إلى مختبر استنزاف ينهك الخصم الأمريكي ويقصر الطريق نحو القمة العالمية.

روسيا تجني المكاسب:

أما بالنسبة لروسيا، فإن اشتعال الجبهة الإيرانية يمثل طوق نجاة جيوسياسي وهدية غير متوقعة لتعزيز موقفها في حرب أوكرانيا.. مع حصول قفزة كبيرة في أسعار الطاقة العالمية، مما ينعش الخزينة الروسية بمليارات الدولارات التي تضمن استمرار آلتها العسكرية رغم العقوبات الغربية.

ومع تحول التركيز العسكري والسياسي لواشنطن نحو الثقب الأسود في المنطقة، بدأ الدعم الغربي لكييف يترنح أمام شح الذخائر والأولويات الجديدة، مما يمنح بوتين المساحة الكافية لحسم المعارك الميدانية في اوكرانيا وتثبيت أقدامه كقوة لا يمكن عزلها، محولا الهزيمة الأمريكية المتوقعة في إيران إلى انتصار غير مباشر لموسكو التي ترى في إنهاك العدو المشترك بداية النهاية لحقبة القطب الواحد ونشوء عالم متعدد الأقطاب تقوده هي وحلفاؤها.

واشنطن.. خسارة محققة:
في نهاية المطاف، يبدو أن واشنطن في عهد ترامب لم تتعلم من دروس التاريخ القريبة، واختارت أن تخوض مقامرة بنيامين نتنياهو، تحت وهم النصر السريع الذي روج له البيت الأبيض، وها هي بدأت تتحول بسرعة إلى نزيف استراتيجي لا يمكن وقفه.

وإذا كانت فيتنام قد كسرت كبرياء واشنطن، وأفغانستان استنزفت اقتصادها، والعراق فضحت عجزها وفشلها، فإن المواجهة الحالية مع إيران مرشحة لتكون أثقل هزيمة في تاريخها، لأنها لا تنهي فقط طموحات رئيس أو إدارة، وإنما تتجه لكي تضع حدا لقرن كامل من القطبية الأمريكية المنفردة على العالم.

إن ما ينتظره ترمب ليس هزيمة إقليمية فقط، بل هي هزيمة عالمية.