ما سقط من حسابات أمريكا في عدوانها على إيران

2

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
4 مارس 2026مـ – 15 رمضان 1447هـ

تقرير || وديع العبسي

تورطت أمريكا في استمراء لعب دور الجندي الإسرائيلي، وأقحمت نفسها مرة أخرى في معركة ستكون القاصمة لها هذه الجولة. الأمر حتماً لن ينتهي بطيّ صفحة معركة أخرى تشنها على الجمهورية الإسلامية بتوسيط بعض الأطراف مع طهران، ولا يبدو أنها -المعركة- قابلة لعقد هدنة أو تهدئة، فالتوريط “الإسرائيلي” لواشنطن ولدول القواعد العسكرية الأمريكية بلغ حداً بالغ الحساسية مع تأكيد “نتنياهو” صراحة الهدف من المعركة وهو إسقاط النظام الإسلامي في إيران، وهذا يعني وضع المنطقة على موعد مع محطات فاصلة قد يتغير معها وجه “الشرق الأوسط” بالفعل، ولكن ليس بالصيغة الأمريكية “الإسرائيلية”.

لن يكون “شرق أوسط” جديداً يتوافق مع قدرات الكيان الهزيل الذي اعتاد شن الضربات من خلف المجند الأمريكي، سيكون شرق أوسط تُراجِع فيه كل الأنظمة حساباتها، وستأخذ بأسباب الاستقلال من الاستعمار الأمريكي، ولن تنظر حتى لأوراق الضغط التي تحتفظ بها واشنطن وتمارس من خلالها ابتزاز هذه الأنظمة.

إنهاء المهزلة الأمريكية
الجمهورية الإسلامية -هذه المرة، خصوصاً مع فقدانها لأبرز رموزها- عازمة على إنهاء المهزلة الأمريكية، ووضع حد للكيان الصهيوني المدلل، والمحكوم من حفنة مجرمين لخزعبلات “تلمودية”، قام بوضعها حاخامات عاشوا عقدة الهزائم التي مرّغت أنوفهم، في صدر الإسلام.

ولما كان النظام في إيران إسلامياً، فإن هدف العدو المعلن هذه المرة يمس عقيدة أكثر من (90) مليون مسلم، في بلد ما يزال يعيش الحالة الثورية منذ ما يقارب الخمسين عاماً، ويستند إلى حضارة تمتد إلى ما يقارب ثلاثة آلاف عام. ما يعني أن جملة من الحقائق تجعل من المستحيل -شكلاً ومضموناً- الوصول بالعدوان إلى الهدف الذي يريد. ما يعني أيضاً طول أمد المعركة، وبالتالي تراكماً كمياً وكيفياً لما يتلقاه من الموجات الدفاعية الإيرانية.

منذ الساعات الأولى من العدوان أظهر جيش الدولة الإسلامية في ردّه بأساً استثنائياً، وطال كل ما يراه “ترامب” و”نتنياهو” أهدافاً لن يكون لدى متخذي القرار في طهران جرأة استهدافها. فضرب القطع البحرية الأمريكية بما فيها حاملة الطائرات “لنكولن”، واستهدف مناطقها العسكرية في الدول التي تتواجد فيها، كما كان للعمق “الإسرائيلي” الفصل الخاص به، حيث سجلت عمليات الرصد والتدوين والتقييم الإسرائيلية وصول الصواريخ الإيرانية إلى مديات لم تكن متوقعة، اخترقت تحصينات تحت الأرض، وبأحمال تفجيرية لم يكن في حسبان العدو أن تمتلك إيران الجرأة على استخدامها.

إثر ذلك -ورغم اتباع الكيانين الأمريكي و”الإسرائيلي” سياسة التعتيم- فرض ارتفاع أعداد القتلى والمصابين عليهما الإفصاح عن “جزء” من خسائرهما البشرية وعلى منهجية “تقطير” المعلومات خشية الرأي العام الداخلي لكليهما.

خلط كل أوراق المنطقة
في المعركة القائمة، وما تتكشف عنه من نتائج وخيمة متصاعدة على المعتدي الأمريكي و”الإسرائيلي”، يبدو أن الفاتورة ستكون كارثية، بنتائج ستقلص عليهما الخيارات، فلا يصبح أمامهما إلا خيار “الاستسلام”، فالاستمرار بلا رؤية واضحة لكيفية تحاشي ردة الفعل القاسية والخشنة، مع العجز عن إيقاف مصادر الخطر، يعني مزيداً من الخسائر الاستراتيجية، أبسطها تآكل القوة والحضور، الذي بدوره سيقود إلى تراجع وانحسار تأثيرهما على المنطقة.

يعزز ذلك أن التمادي الصهيوأمريكي في ترجمة نزعة الاستكبار إلى عدوان غير مبرر على إحدى دول المنطقة المحورية، قد يتسبب في خلط كل أوراق المنطقة، ما سيدفع دول العالم إلى تحديد مواقفها وفقاً إما لمصالحها أو لطموحها في أن يكون لها مصالح في هذه الجغرافيا التي أنعم الله عليها بالموقع وبالثروات، وستفرض هذه الفوضى الأمريكية -في واحدة من أهم مناطق العالم الاستراتيجية- على الآخرين التحرك العملي، ما قد يشكل ضغطاً “حرجاً” للولايات المتحدة.

حينها سيكون الإعياء وتآكل القوة قد أنهك الغازي الأمريكي، حتى وإن لجأ إلى استدعاء الإسناد من قواعده العسكرية المنتشرة على مستوى العالم، فهذا الإجراء بذاته سيكون مؤشراً أكيداً على حجم الخسائر التي تلحق به وبمندوبه “الإسرائيلي”، وبالتالي ستدخل أمريكا مأزقاً استراتيجياً لا مخرج منه إلا برفع الراية، والأكيد في هذا السياق أن هذا المشهد سيكون بمثابة البيئة الطبيعية والمواتية لإعادة توزيع وترتيب القوى العالمية، ولن يكون فيه مكان للضعيف إذا أراد أن يظل على هذه الوضعية، والاتكاء فقط على قوة أمريكا.

تكتيك أمريكي مستهلك
من “خاتمة الطوفان – الوعد الصادق 4” الإيرانية إلى “الغضب الملحمي” الأمريكية و”زئير الأسد” الصهيونية، تطايرت المقذوفات: طائرات، وقنابل، وصواريخ. كلٌّ أدلى بدلوه، وفيما كان التوجه الأمريكي “الإسرائيلي” هو القتل في مسعى وهمي لنشر الرعب في نفوس الأطفال والنساء والمجتمع المدني، وخلخلة منظومة القيادة والسيطرة، كان جيش الدولة الإسلامية يقاتل بأخلاق، ويستهدف مناطق العدو الحساسة، وهو أمر كافٍ لأن يصيبه في مقتل، والمعركة لا تزال في أولها، واستمرار تلقي “اللكمات” بنفس الوتيرة والإيقاع أو بتصاعدها يعني دخول العدو في حقبة انكسار تاريخي، تنتهي فيها أساطير القوة والتسيد والاستباحة.

لهذا يرى الخبراء بأن الطريقة الثابتة التي تتبعها أمريكا في عملياتها العسكرية، بالبدء بالحشد والتهويل، ثم ادعاء المرونة، ثم الخديعة بشن عدوان مفاجئ يتركز على البنية التحتية دون أي مراعاة للجانب المدني، تكتيك مكشوف ومستهلك، وصار من الطبيعي أن يقوم الطرف الآخر بما أمكنه من الاحتياطات، وإن كان من الصعب أخذ كل الاحترازات مع عدو يقاتل بلا أخلاق. مع ذلك فإن محاولات التخدير وإيهام الطرف المُستهدَف بأن الوضع لم يصل بعد إلى نقطة الانفجار ما يجعله في حالة استرخاء، أظهرت فشلها الذريع في هذه الجولة من العدوان على الجمهورية الإسلامية، خصوصاً وأن الأمريكي ما لبث أن استخدم هذه الطريقة في حرب الـ”12″ يوماً.

وها هي النتائج تأتي بشكل معاكس لأهداف العدو، وتقود الوضع إلى تعقيد بالغ للأمن الإقليمي؛ ليتسبب “ترامب” بلعنة لبلاده، كما سيفقد العدو “الإسرائيلي” فاعلية الورقة الأمريكية الوحيدة التي يمتلكها للتلويح بها أمام من يناهض مشروعه التوسعي واستمرار احتلاله للأراضي العربية في فلسطين ولبنان وسوريا.