التمادي الصهيوني وتغيير قواعد الاشتباك.. كيف وصلت إيران إلى عملية الوعد الصادق (4)
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
3 مارس 2026مـ – 14 رمضان 1447هـ
تقريــر || إبراهيم يحيى الديلمي
دخلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد انتصار ثورتها سنة 1979م في صراع دائم مع الولايات المتحدة الأمريكية وكيان العدو الإسرائيلي وحلفاء الشر في المنطقة.
وخلال فترات الحكم المتعاقبة في أمريكا لم تخرج السياسية الأمريكية من نطاق الحرب على إيران بأشكالها المتنوعة الصلبة والناعمة، فزجت بصدام حسين في حرب استمرت 8 سنوات، وفشل الرهان الأمريكي في اسقاط النظام وهزيمة الثورة الإسلامية، ثم دخلت إيران في صراع ناعم مع دول الغرب وأمريكا والكيان الصهيوني استمر حتى يومنا هذا.
ويعد طوفان الأقصى فاتحة جديدة لتغيير قواعد الاشتباك في المنطقة، حيث بدأ الكيان الصهيوني في تنفيذ استراتيجية جديدة، ومخطط جديد يتضمن الاستهداف المباشر لإيران ومصالحها في المنطقة، ما دفع طهران للرد العسكري في محاولة للجم العدو، واجباره على تغيير استراتيجية.
الوعد الصادق (1).. تثبيت معادلة الردع:
في مطلع أبريل 2024م نفذ كيان العدو الإسرائيلي هجوماً غادرًا استهدف القنصلية الإيرانية في العاصمة السورية دمشق، ما دفع ايران للرد على تجاوز الخطوط الحمراء، فنفذت ايران عملية الوعد الصادق (1) رداً على هذا الهجوم الذي أدى إلى استشهاد قائدين بارزين في فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى استشهاد 5 مستشارين عسكريين إيرانيين.
وفي حينها سارعت طهران إلى التأكيد بأن العملية تأتي في إطار حقها في الدفاع عن النفس وفقًا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، ومع أن طبيعة هذه العملية كانت ردّا محدوداً ومحسوب السقف، إلا أنها شكلت تجسيدًا صادقًا لهيبة إيران التي وجهت من خلالها رسالة أساسية لأعدائها، وأكدت فيها قدرتها على كسر منطق “الضربة بلا ثمن” وتأكيد القدرة على الرد، ما اعتبر تثبيتًا لمعادلة ردع نجحت إيران باقتدار في إسقاطها على الواقع الميداني.
الوعد الصادق2: توسيع نطاق الاشتباك المدروس:
ثم جاءت عملية الوعد الصادق 2، ردًا على اغتيال كيان العدو الإسرائيلي لرئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) إسماعيل هنية، في 31 يوليو 2024 أثناء تواجده في طهران، الأمر الذي شكل انتهاكًا خطيرًا للسيادة الإيرانية وهو ما جعل الرد على هذا الانتهاك أمرًا ضروريا، خاصةً وقد اعتبرته إيران أيضًا انتقامًا لاغتيال سماحة الأمين العام لحزب الله شهيد الإنسانية السيد حسن نصر الله، الذي اغتيل يوم 27 سبتمبر 2024.
وحينها وصف قائد الثورة الإسلامية السيد علي الخامنئي- رضوان الله عليه- هذه الاغتيالات بأنها “جرائم لن تمر دون عقاب”، وتعهد بأن “القوات المسلحة الإيرانية ستجعل النظام الصهيوني الخبيث بائسا”.
وعليه، أطلقت إيران هذه العملية في الأول من أكتوبر2024، حيث شنت هجومًا صاروخيًا واسع النطاق استهدف كيان العدو الإسرائيلي، ونُفذ بأكثر من 250 صاروخاً من طرازات مختلفة، من بينها صواريخ باليستية من نوع “فتاح-1″، وانطلقت من مواقع عدة داخل البلاد، أبرزها [تبريز، وكاشان وضواحي طهران]، وأسفر الهجوم عن وقوع إصابات بشرية وأضرار مادية، كما تسبب في إغلاق المجال الجوي للكيان ودفع ملايين المغتصبين الصهاينة إلى الاختباء في الملاجئ.
ووفقًا لوسائل إعلام رسمية في طهران، شكّل استخدام الصواريخ الفرط صوتية لأول مرة في هذه العملية، تطورًا لافتًا في القدرات العسكرية الإيرانية، حيث تكبد العدو الصهيوني خسائر فادحة باعتراف سلطات العدو، فقد أفادت بلدية “هود هشارون”، الواقعة شمال منطقة يافا، بتعرض نحو 100 منزل لأضرار جراء القصف الصاروخي الإيراني، كما كشف جيش كيان العدو في 4 أكتوبر2024، ولأول مرة، أن الهجوم الصاروخي الإيراني استهدف قاعدتي سلاح الجو “نيفاتيم” و”تل نوف”.
واتسمت هذه العملية بالتصعيد التكتيكي المدروس وذلك من خلال تنويع الوسائط الهجومية (صواريخ-مسيّرات-هجمات دقيقة) وأما دلالتها الاستراتيجية فتمثلت في أنها نقلت المواجهة إلى رفع كلفة الخصم وإجباره على استنزاف دفاعاته الجوية وانتشاره العسكري، كما برز عنصر “تعدد الجبهات المحتمل” ولو على مستوى الرسائل، بما وسّع هامش الردع من ساحة واحدة إلى نطاق إقليمي أوسع.
الوعد الصادق 3: معركة العقول والقدرات المركّبة:
وجاءت عملية “الوعد الصادق 3” في الـ 14 من يونيو كرد انتقامي على العدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية فجر 13 يونيو 2025، حيث استهدف البنية التحتية الإيرانية والمنشآت النووية، وأسفر عن مقتل علماء نوويين وقادة بارزين في الحرس الثوري الإيراني، على رأسهم قائده اللواء حسين سلامي.
وبعد ساعات من أول طلقة غادرة للعدوان أعلنت وكالة الأنباء الإيرانية “بدء الرد الإيراني الساحق” تحت تسمية “الوعد الصادق 3” بإطلاق مئات الصواريخ الباليستية باتجاه كيان العدو الإسرائيلي، وقد وصف قائد شرطة لواء [تل أبيب] الهجوم الإيراني بأنه “حدث كبير” استهدف مواقع عدة، مشيراً إلى انهيار وتدمير طوابق في عدد من المباني في مدينة يافا، فيما أفادت القناة 13 الصهيونية بأن الرد الإيراني تسبب في دمار غير مسبوق لحق بمنطقة يافا، حيث تعرضت عشرات المباني والمركبات لأضرار مباشرة بفعل الصواريخ الإيرانية أو شظايا صواريخ الاعتراض.
وتميزت هذه العملية رغم امتلاك العدو لعنصر المباغتة، بقدرة إيران على امتصاص الضربة وبكونها نقلة نوعية في إدارة الصراع، حيث لم يعد الهدف توجيه ضربة عسكرية بقدر ما فرضت معادلة ردع مركّبة تقوم على التأثير النفسي، والإرباك العملياتي، وإعادة ضبط قواعد الاشتباك.
كما اتسمت عملية “الوعد الصادق 3” بالتركيز الواضح على التكامل بين الوسائط، بدل الاعتماد على أداة واحدة، وبالعمليات المركّبة والتوقيت المدروس، وتمثلت أدواتها في الدمج بين الضغط العسكري والحرب النفسية والإعلامية بهدف إرباك الخصم وتشتيت منظومات الإنذار والرد.
وسجلت إيران بهذه العملية نصرًا كبيرَا على العدو تمثل في قدرتها أولاً على الامتصاص السريع للضربات، ونجاحها ثانيًا في الإمساك بزمام المبادرة والسيطرة على مجريات المعركة، وهو ما أدى إلى فشل العدو الذريع في تحقيق أهدافه من العدوان ناهيك عن أن إيران كانت هي صاحبة الضربة الأخيرة.
الوعد الصادق4: سرعة الرد الفائقة:
وأطلقت الجمهورية الإسلامية الإيرانية عملية “الوعد الصادق 4” ردًا على العدوان الأمريكي الصهيوني صباح الـ 28 من فبراير2026 والذي أسفر عن استشهاد المرشد الإيراني الشهيد القائد السيد علي الخامنئي وعدد من قيادات عسكرية بارزة.
واتسمت العملية بسرعة الرد الإيراني الأخير من حيث النوعية والتوقيت مقارنة بالرد في حرب الـ 12 يوماً، كما اتسمت هذه العملية أيضًا بالتصعيد عالي السقف والأكثر اتساعاً من حيث توسيع مسرح العمليات وتكامل الساحات بهدف فرض معادلة ردع إقليمية جديدة.
وتعكس عمليات “الوعد الصادق” بمراحلها الأربع تحوّلاً تدريجياً في طبيعة المواجهة الإقليمية، وهي تثبت أن كيان العدو الإسرائيلي هو السبب وراء كل ما يحدث، ونتيجة للدعم الأمريكي اللامحدود وصلت المنطقة إلى مرحلة الانفجار، فاغتيال السيد الخامنئي رضوان الله عليه يعني محاولةً لكسر هيبة الأمة الإيرانية، ورسم خرائط جديدة للمنطقة، والدخول في معركة تغيير النظام واستبداله بحلفاء لأمريكا و “إسرائيل” وهو ما لا يمكن السماح به من قبل ايران وحلفائها، ولهذا نشهد توسعاً في نطاق الحرب مغايراً لكل المراحل السابقة، واذا لم يتم تداركه بسرعة فإن المنطقة برمتها على فوهة بركان.
