عن مفهوم “الكلمة”
ذمــار نـيـوز || مـقـالات ||
27 فبراير 2026مـ – 10 رمضان 1447هـ
بقلم// أمة الملك قوارة
من معارج البيان إلى لُجج الدلالة، ومن ومض الحروف إلى إشراق المعاني، يتجلّى مفهوم الكلمة ، في سموّه وجلاله… وأيُّ كلمة؟ إنها الكلمة التي تتخلّق في محراب الوعي، وتنبثق من ينابيع الرحمة، وتتوشّح بوقار الحِلم، وتتزيّن بأخلاق النبل. كلمةٌ ليست حروفًا مرصوفة، بل طاقةٌ مُؤثِّرة، ونبضٌ واعٍ، وأثرٌ ممتدّ في أعماق الوجدان .
إن الكلمةُ كيانٌ معنويٌّ ذو سلطةٍ خفيّة؛ قد ترتقي بالنفوس إلى مدارج الطمأنينة، وقد تهوي بها إلى دركات الانكسار وحضيض الألم . هي أداة البناء والهدم، ومفتاح القلوب أو مغلاقها، وجسرُ التلاقي أو فجوةُ القطيعة.
في الفضاء الاجتماعي، من نواة الأسرة إلى مؤسسات المجتمع، ومن العلاقات الخاصة إلى المشهد الإنساني العام، يتشكّل وعينا الجمعي عبر الكلمة. بها تُبنى أُصر المودة ، وبها ينمو الكيان الإنساني، وبها تُصاغ القرارات ، وتُعقد العهود، وتُبنى الحضارات، وبها أيضًا تتأجّج النزاعات، وتتفكّك الروابط، وتضطرب الموازين.
إن الكلمة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون تعبيرًا صوتيًا؛ فهي حين تنطلق، لا تعود، وحين تستقر في السامع، تبدأ رحلتها في التأويل والتأثير وعندها يبدأ الأثر الناتج عنها يتجسد !؛ لذا فوعيُ ما نقول، وتقديرُ مآلاته، واستحضارُ أثره، هو جوهر الرُّقيّ الإنساني.
نحن نعيش في زمنٍ تتزاحم فيه الآلام الصامتة خلف الوجوه العابرة؛ قلوبٌ مثقلة، وأرواحٌ متعبة، وابتساماتٌ تخفي ارتجافًا داخليًا. من هنا تتعاظم قيمة الكلمة الرقيقة الراقية، وتسمو مكانة اللفظة اللطيفة الحانية؛ إذ قد تكون نجدةً خفيّة، أو إنقاذًا معنويًا، أو شعاع أملٍ في عتمةٍ كثيفة من ألهم الذي ليس بالضرورة أن يُرى.
فهلّا جعلنا كلماتنا رسائلَ وعيٍ ورحمة؟ هلّا صغنا عباراتنا بميزان الحكمة، ومرّرناها عبر مصفاة الضمير قبل إطلاقها؟ فالكلمة إمّا أن تكون بلسَمًا شافيًا، أو سهمًا ساما نافذًا !
إنها ليست مجرد لفظ بقدر ماهي موقف، وليست مجرد صوت بقدر ماهي قيمة، وليست مجرد تعبير، بقدر ما هي أثرٌ باقٍ في سجِلّ القلوب.
