حافة الهاوية والتهيئة الأمريكية للحرب .. قراءة في تصريحات ويتكوف حول فكرة “الاستسلام” و”امتلاك “قنبلة نووية”

1

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
25 فبراير 2026مـ – 8 رمضان 1447هـ

تقريــر || إبراهيم العنسي

تطلّ سياسة “حافة الهاوية” برأسها مجدداً في المشهد الجيوسياسي بين واشنطن وطهران، لرسم مخطط أمريكا في التهيئة للحرب غير المشروعة في سياق لغة الصفقات المتعجرفة.

في الواقع لم تكن تصريحات ستيف ويتكوف، مبعوث ترامب واستنكاره عدم استسلام طهران، مجرد زلة لسان أو تعبيراً عن دهشة عابرة، بقدر ماهي إعلان صريح عن استراتيجية أمريكية تتكرر ما قبل الحرب، قوامها ثنائية حادة غوغائية لا تقبل التأويل؛ فإما الإذعان لشروط واشنطن وتحويله إلى “فعل دبلوماسي”، أو تحمل تبعات مواجهة عسكرية شاملة كانت أو محدودة، وإن كانت واشنطن مترددة لأول مرة حول شن حرب قد تكون “الفخ الأخير” للقوة العظمى، حيث يتحضر العالم لتوازن عالمي جديد ضمن قوى متعددة.

وتبدو ادعاءات ويتكوف حول قرب امتلاك إيران “قنبلة نووية” خلال “أسبوع واحد” مجرد حملة دعائية مكشوفة تهدف إلى شيطنة طهران ومحاصرتها سياسياً قبيل مفاوضات الخميس في جنيف.

هذا الخطاب التحريضي يتناقض بوضوح مع تقارير الاستخبارات الأمريكية (CIA) والتقديرات العسكرية للعدو الإسرائيلي التي أكدت أن المسافة الفاصلة بين تخصيب اليورانيوم وصناعة رأس حربي نووي فعال تتطلب فترة لا تقل عن عامين من العمل التقني المعقد.

هذه السياسة تبدأ من فرضية أن الحشود العسكرية الأمريكية الفائقة، متمثلة في “الحشد البحري والجوي” الكبير بمئات الطائرات وحوالي 40 ألف جندي وعشرات السفن مع حاملتي طائرات، حيث تحاول واشنطن إظهارها على أنها ليست مجرد أداة قتالية، بل “هراوة” تفاوض ويُفترض بها كسر إرادة الخصم قبل إطلاق الرصاصة الأولى.

حين يتساءل ويتكوف باستنكار عن سبب عدم “استسلام” إيران رغم هذا الضغط، فهو يوجه رسالة للرأي العام العالمي مفادها أن واشنطن تمنح طهران “فرصة أخيرة” لتجنب الصدام عبر القبول بـ”الشروط الأمريكية كاملة”.

وبناءً عليه، يتم تصوير التحشيد العسكري كجهد “سلمي” قسري يهدف لإرغام الخصم على العودة إلى “براغماتية” سياسية، وفق التصور الأمريكي الاستعلائي.

ويلجأ خطاب ويتكوف إلى أسلوب المناورة عبر التساؤل عن سبب عدم إعلان إيران تخلّيها عن طموحاتها العسكرية النووية تحت وطأة الضغط الحالي، وهذه الجزئية في الخطاب هدفها ترسيخ رواية استباقية في العقل الجمعي الدولي، تقول إن الرفض الإيراني للمطالب الأمريكية لا ينبع من الدفاع عن السيادة الوطنية، ويصوره “دليل إدانة” قاطع على نية مبيتة لامتلاك سلاح نووي رغم رفض طهران لهذا الأمر بالجملة.

وهكذا تريد واشنطن تصوير المشهد رغم أن العالم يدرك أن التحضير الأمريكي للعدوان على إيران وراءه مخطط إمبريالي كبير يسعى للمزيد من تمزيق المنطقة لصالح الكيان الإسرائيلي ومشروع الهيمنة الجديد والذي يدفع بشدة نحو هذه الحرب.

ومن خلال هذا الربط، تسعى واشنطن لنزع الشرعية عن الموقف الإيراني، وتحويل الصراع من نزاع على نفوذ إقليمي إلى مهمة إنقاذ عالمية من خطر نووي وشيك، ما يمهد الطريق لتقبل أي ضربة عسكرية قادمة.

ويمكن تصنيف تصريحات ويتكوف هذه كـ “حجر الأساس في البروباغندا” الاستباقية للحرب، لنقل مسؤولية الانفجار العسكري المنتظر من المعتدي إلى المعتدى عليه، والتركيز على فكرة أن أمريكا كانت “تنتظر وتتساءل” يخدم هدفاً استراتيجياً واحداً وهو بناء حجة “الاضطرار”، فإذا ما اندلعت المواجهة، ستخرج الإدارة الأمريكية لتقول إنها سلكت كافة سبل الضغط، وعرضت مخارج دبلوماسية “تسميها استسلاماً”، والقول إن “التعنت” الإيراني هو ما استدعى التدخل العسكري ومخاطبة الداخل الأمريكي المنهك من الحروب والمعارض لها بالقول: “حاولنا بكل الطرق، لكنهم اختاروا الحرب”!.

هنا يتحول العدوان في السردية السياسية الأمريكية إلى شر لابد منه، حيث تأمل واشنطن أن يمنحها هذا غطاءً أخلاقياً وقانونياً أمام مواطنيها وحلفائها، ويبرئ ساحتها من تهمة إشعال الحرب عمدًا.

ومع تجاهل السياسة الأمريكية، للبعد السيكولوجي والتاريخي للدول، والتعامل مع الجغرافيا السياسية كمعادلة حسابية جافة بين “ضغط” و”استجابة”، فإن هذا التجاهل المقصود يحاول وضع إيران أمام خياري “الاستسلام” الذي يعني التجريد من أوراق قوتها، أو “الاستمرار في الصمود” الذي سيُستخدم كذريعة للحرب العسكرية تحت شعار “تحييد تهديد مستقبلي”.

وعلى الرغم من وضوح هذه النوايا، إلا أن قراءة المشهد تستوجب التوقف عند “البراغماتية المتناقضة” التي تحكم عقلية ترامب؛ ففي الوقت الذي يطالب فيه بـ “الاستسلام الكامل” كتاجر يبحث عن صفقة رابحة، يظل مسكوناً بخشية التورط في “حروب لا نهاية لها” كان قد وعد ناخبيه بإنهائها.

هذا التناقض البنيوي في الإدارة الحالية هو ما يجعل تصريحات ويتكوف تتأرجح قليلًا بين كونها تمهيداً فعلياً للغزو، أو مجرد محاولة لرفع سقف التوقعات واختبار الصبر الإيراني، فيما يمكن وصفه بـ “نباح بلا عض” يهدف لانتزاع تنازلات كبرى قبل الجلوس على طاولة المفاوضات.

وفي نموذج ترامب السياسي، لا يُنظر للجيش كأداة للحروب الطويلة، بل كـ “أداة ترهيب” لانتزاع تنازلات مجانية، وتصريح ويتكوف حول “الاستسلام” يعكس عقلية تجارية بحتة تقول:”لقد عرضنا البضاعة، وأظهرنا القوة، فلماذا لم يوقع الخصم بعد؟!

هذا التجاهل للكرامة الوطنية والبعد التاريخي للشعوب هو بالفعل “نقطة العمياء” في السياسة الأمريكية، حيث السعي لتحويل “عدم الخضوع” إلى “دليل إدانة”، يمارس معه قلب الحقائق “السيميائية”.

في العموم فإن ما صرح به ويتكوف هو إعلان رسمي لمرحلة “ما قبل الانفجار”، وهي مرحلة نزع الخيارات التي تمارسها القوى العظمى، فالسياسة الأمريكية الحالية تحصر المسارات في ممر ضيق جداً ينتهي إما بالتوقيع على وثيقة إذعان شاملة، أو بمواجهة عسكرية جرى تبريرها إعلامياً وأخلاقياً مسبقاً رغم افتقادها للشرعية الدولية وحتى موافقة الكونغرس الذي تجاوزه ترامب حتى الساعة.

ويمكن القول ختامًا إن ما يصرح به مسؤولو ترامب حول إيران يأتي ضمن استراتيجية جعل الحرب وكأنها “خيار إيراني” بامتياز نتيجة لرفض الشروط الأمريكية، بينما هي في الحقيقة قرار استراتيجي اتخذته واشنطن لفرض هيمنتها المطلقة، وما هذه التصريحات إلا الديباجة “الأخلاقية” لتلك الحرب التي ستكلف أمريكا الكثير، حيث بكين وموسكو تنتظران اندفاعة الثور الهائج في الوحل الإيراني.