السيد القائد.. التدبير الإلهي يغزل كفن الطغيان ويحول بيت العدو مهدًا للخلاص
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
24 فبراير 2026مـ – 7 رمضان 1447هـ
تقريــر || عبدالقوي السباعي
في أجواءٍ إيمانيةٍ روحانية، تتقاطع فيها ظلال الماضي السحيق مع تعقيدات الحاضر الجيوسياسي، جاءت المحاضرة الرمضانية السادسة للسيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي -يحفظه الله- كقراءةٍ للسنن الإلهية المتعلقة بتفكيك مسارات استبداد الطاغوت وقوانين السقوط الحتمي.
لم تكن القصة التي استعرضها السيد القائد، مساء الاثنين، حول نبي الله موسى -عليه السلام- مجرد استرجاعٍ لسرديةٍ تاريخية أو وعظ ديني مجرد، وإنّما كانت تصويرًا دراماتيكيًّا لمرجعيةٍ إلهيّة تقرأ موازين القوى خارج حسابات الأرقام والعتاد، مستنطقًا من ثنايا البحر وقصر فرعون معادلة النصر والهزيمة التي تحكم عالمنا المعاصر.
تبدأ الرؤية الاستشرافية لهذه المحاضرة من نقطة الرعاية العجيبة؛ تلك الثغرة التي يفتحها الله في جدار المستحيل؛ فبينما كان فرعون يمارس أبشع صور الإبادة الممنهجة بتذبيح الأطفال لقطع طريق القدر، كان التدبير الإلهي ينسج خيوط النجاة من داخل منظومة العدو نفسها، ومن إلقاء موسى الرضيع في اليم، وصولاً إلى قصر الطاغية، يمثل ذروة التحدي للغطرسة البشرية.
ويرسم السيد القائد مفهوم تحييد القرار السيادي للعدو؛ ففرعون الذي يمتلك الجيوش والقرار، وجد نفسه عاجزًا أمام “المحبة” التي ألقاها الله على موسى، وتحول قلب العدو، بقرارٍ إلهي، من أداة للقتل إلى حضنٍ للرعاية.
هذا الاختراق للوجدان والمشاعر هو ما يسميه السيد القائد “تغيير الإجراءات والقرارات لصالح المستضعفين”، وهي رسالة مبطنة تفيد بأنّ القوى المستكبرة اليوم؛ مهمّا أحكمت قبضتها العسكرية والتكنولوجية والاستخباراتية، تظل مخترقة من حيث لا تحتسب، إذ أن تدبير الله يبدأ حين تنتهي قدرات البشر.
وفي لفتةٍ تأملية عميقة، توقف السيد القائد عند المثلث الناظم “أم موسى، وأخته، وزوجة فرعون”، ليعيد الاعتبار للدور المحوري للمرأة في حركة التغيير الكبرى في كل عصرٍ؛ إذ لم يكن دور زوجة فرعون مجرد عاطفة عابرة، وإنّما كان قرارًا إلهيًّا وُضع في قلب السلطة الفرعونية لتعطيل آلة القتل.
هذا التكريم للمرأة في مسيرة الأنبياء يؤكّد أنّ المعركة مع الطغيان ليست عسكرية بحتة؛ بل هي معركة وعي ومواقف إنسانية وقيمية تتداخل فيها الأدوار لتصنع النصر، واستحضار هذا الدور العظيم يكسر الصورة النمطية ويؤكّد أنّ حماية المستضعفين وتأهيلهم تبدأ من الأسرة والموقف الفردي الشجاع الذي يتحدى إرادة الطاغية في عقر داره.
وينتقل السيد القائد من الشخصي إلى الكوني، رابطًا بين “الخطيئة” و”السقوط”؛ فالتساؤل الجوهري الذي طرحه حول أسباب سقوط الكيانات رغم قوتها، وجد إجابته في قوله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ}، والخطيئة هنا تتمثل في بنيوية النظام القائم على الاستكبار والجبروت ونشر الفساد.
ويرى السيد القائد في هذه الآية المباركة باعتبارها قانونًا فيزيائيًّا للتاريخ؛ عندما تتحول القوة إلى أداة للشيطنة والإفساد المطلق؛ فإنها تفقد مبرر بقائها الكوني، والله سبحانه وتعالى، المهيمن على هذا الوجود، لا يترك الظلم يتمادى إلى ما لا نهاية؛ فهناك سقف للإجرام إذا ما بلغه الطاغية، بدأت آليات الهلاك الذاتي بالعمل.
وهُنــا يبرز الربط المذهل بين الفرعونية التاريخية والفرعونية المعاصرة المتمثلة في الاستكبار الأمريكي والصهيوني؛ إذ يرى السيد القائد أن التصور الذي ساد لدى “فرعون وهامان وجنودهما” بأن “الإذلال والهيمنة” هما الضمانة للاستمرار، هو ذاته الوهم الذي يسيطر على الإدارة الأمريكية وكيان العدو الإسرائيلي اليوم؛ فهم يظنون أن الترسانة العسكرية والحصار الاقتصادي سيبديان عجز الشعوب إلى الأبد، غافلين على أن تراكم الخطيئات -من المجازر في غزة إلى نشر الرذيلة والظلم العالمي- هو الوقود الذي سيحرق كياناتهم.
في هذا السياق، يستقرئ السيد القائد أن هذه القوى، رغم نفوذها الذي يراه البعض خالدًا، تسير على ذات المنحدر الذي سلكته إمبراطوريات سابقة ظنت أنها ممسكة بزمام القدر؛ فإذا بها تصبح أثرًا بعد عين بقرارٍ إلهي صُنع بأيدي المستضعفين وبأسباب هيأها الله سبحانه وتعالى حتى من داخل معسكر الأعداء.
والخاتمة التي وضعها السيد القائد لهذه المحاضرة في إطارها السياسي هي حتمية السقوط بقرار وحكمة؛ إذ ليس السقوط صدفة تاريخية، وإنّما مؤاخذة إلهية مرتبطة بمستوى الطغيان؛ فكلما ازداد العدو غطرسة وظلمًا وإفسادًا، اقترب من لحظة “اليم” الخاصة به.
والدرس المستفاد الذي يطرحه السيد القائد هو أن الله لا يترك عباده هملاً، وأن التدبير الإلهي يعمل في الخفاء لتأهيل المستضعفين وتغيير الموازين، واليقين الذي تنضح به المحاضرة يُشير إلى أننا نعيش فصلاً جديدًا من قصة موسى وفرعون، حيث القوة المادية العمياء تصطدم بصخرة الإرادة الإلهية التي جعلت من التابوت الصغير وسيلة لهدم عرش عظيم، ليبقى التاريخ شاهدًا على أن الكلمة الأخيرة ليست لمن يملك السلاح، وإنّما لمن يمتلك الرعاية الإلهية والحق الأخلاقي.
