قراءةٌ في معادلة السيد القائد الاستراتيجية لفك ارتهان الأمة والعبور نحو الخلاص والسيادة

2

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
23 فبراير 2026مـ – 6 رمضان 1447هـ

تقريــر || عبدالقوي السباعي

جاءت محاضرة السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي -يحفظه الله- لتضع النقاط على حروف المواجهة والصراع الوجودي، حيث تكثفت فيها روحانية الإيمان والثبات مع صرامة الموقف السياسي؛ إذ “لا مناص.. ولا طريق للنجاة إلا بالمواجهة؛ فكل المسارات الاستهلاكية أهدرت عقودًا من الزمن”، واليوم، باتت المعادلة واضحة: “الاعتصام بالله” هو القوة التي تكسر الطغيان الصهيوني الأمريكي، والأمل ليس في طاولة مفاوضات، وإنّما في قبضة تأبى الانكسار.

إطلالة السيد القائد في الليلة الخامسة من الليالي الرمضانية المباركة، مساء اليوم الأحد، لم تكن مجرد إلقاء محاضرة سردية لقصص الأحداث اليومية المريرة في غزة وفلسطين، وإنّما كانت تشريحًا دقيقًا لبنية “الاستضعاف والطغيان” قديمًا وحديثًا، وبنية الخداع الاستراتيجي الذي يمارسه المحور الصهيوني الأمريكي، ويُعيد التعريف لمفهوم المواجهة في زمنٍ يحاول فيه العدو فرض البلادة الجماعية كبديلٍ عن الوعي والتحرك.

المتأمل في نبرة السيد القائد وما وراء مفرداته، يدرك أننا بصدد إعلان عن سقوط رهان السراب الذي سكن مخيلة معظم النخب السياسية العربية لعقود، واستبداله بمعادلةٍ قرآنية وميدانية لا تقبل القسمة على اثنين؛ إمّا الاعتصام بالله والمواجهة، أو الفناء تحت أقدام الهيكل المزعوم، ومشروع (إسرائيل الكبرى) من النيل إلى الفرات، إنها معركة الوعي والوجود.

بدأ السيد القائد بتفكيك أداة “الخداع” التي يعتمدها الأعداء، مشيرًا إلى أنّ العناوين السياسية البراقة؛ مهما تعدّدت مسمياتها، تظل قشورًا تُخفي تحتها حقائق دموية واضحة لا غبار عليها؛ فحين يتحدث عن “مجلس ترامب” أو السياسات الأمريكية المتعاقبة؛ فإنه يرسل رسالة مفادها أنّ الوجوه قد تتغير لكن المقصلة واحدة؛ فالوضوح العملي للجرائم اليومية ضد الشعب الفلسطيني ينسف كل محاولات التجميل الدبلوماسي.

هذا الربط بين الخداع السياسي والواقع الميداني يعكس رؤية ثاقبة ترفض الانجرار وراء الجعجعة الإعلامية، وتؤكّد أنّ الأفعال في غزة هي المفسر الوحيد والصادق للأقوال داخل أمريكا وكيان الاحتلال الصهيوني وأهدافه ومؤامراته؛ فالطغيان مكشوف، والأهداف واضحة، والقرار الآن بيد الأمة؛ فإمّا السيادة والكرامة، وإمّا البقاء تحت وطأة الوهم.

وينتقل السيد القائد إلى قلب المعركة الرمزية والمقدسة، حيث حذّر من تصاعد استهداف المقدسات الإسلامية، وعلى رأسها المسجد الأقصى، وقراءته للقيود الجديدة التي تضيق على المصلين وتحدد سقفًا عدديًّا للصلاة لم تكن مجرد رصد لإجراءات إدارية تعسفية؛ بل قراءةٌ في “بروتوكولات التهويد” التي تهدف للوصول إلى الغاية النهائية: “تدمير المسجد الأقصى وإنهائه كمعلمٍ إسلامي مقدس واستبداله بالهيكل المزعوم”.

هُنــا يضع السيد القائد الأمة أمام مسؤوليتها الدينية قبل السياسية، محذّرًا من أنّ المساس بالأقصى هو مساس بجوهر الهوية الإسلامية، وأنّ السكوت عن هذه الخطوات “العدائية الخطيرة جدًا” يُمهد الطريق للكارثة الكبرى التي لا تنتهي إلا بمحو الوجود الإسلامي من القدس.

وفي سياق أعمق، يغوص السيد القائد في استراتيجية “صناعة اللامبالاة” التي ينتهجها العدو، لأنّ الأخطر من القتل الجسدي، برأي السيد، هو قتل “الإرادة” وجعل الأمة تتغاضى عمّا يصنعون، وهذا التحذير يلمس جوهر الحرب النفسية المعاصرة؛ فالعدو يريد تحويل المجازر في غزة، ونسف المباني، وحالات التجويع والحصار المستمرة، إلى مشاهد روتينية لا تثير حفيظة الشعوب.

واستمرار الانتهاكات في الضفة الغربية والاعتداءات المكثفة على لبنان، رغم كل “الاتفاقيات والضمانات”، هو الدليل القاطع على أنّ العدو الإسرائيلي لا يفهم لغة العهود، وإنّما يستغلها كستارٍ لاستكمال مشروعه التوسعي، وبهذا ينسف أسطورة الضامن الأمريكي، مؤكّدًا أنّ السفير الأمريكي بتصريحاته ليس إلا لسان حال الإدارة التي تشارك في كل جريمة، وتهدف للسيطرة الكاملة على المنطقة وثرواتها.

ويضع السيد القائد الأمة أمام خياري “السراب والنجاة”؛ فالتجارب المريرة منذ اتفاقية “أوسلو” وما تبعها أثبتت أنّ مراهنة السلطة الفلسطينية على المسارات الدبلوماسية لم تجلب سوى التهجير والتدمير والنهب، واصفًا هذه المسارات بأنها “استهلاكية واستنزافية ومضيعة للوقت”، وهي توصيفات دقيقة لواقع الغرق في التفاصيل التي يختلقها العدو لإشغال الأمة عن جوهر الصراع.

ويرى السيد القائد أنّ النجاة من هذا يكمن بالعودة إلى “الاعتصام بالله”، وهي ليست دعوة وعظ مجرّدة، بل عدها “طريق النجاة” الوحيد والعملي الذي يمنح الأمة التماسك الداخلي والقدرة على مواجهة الطغيان الصهيوني الأمريكي المكشوف.

والقراءة الكلية لكلام السيد القائد في هذه المحاضرة تؤكّد أننا في مرحلة كشف الحساب مع المراحل الماضية؛ فالعدوان اليوم هو تعبير عن أطماع يهودية صريحة، والسفير الأمريكي، كما يوضح السيد، لا يوارب في تأكيد دعم بلاده للسيطرة الصهيونية على بلداننا وثرواتنا، وهو ما يجعل المواجهة ضرورة وجودية لا مفر منها، وإنّ المناص الوحيد الذي رسمه يتلخص في السعي الجاد للتخلص من هذا الكيان، لأن وجوده بحد ذاته هو أصل الأزمات والانتهاكات.

ويمثل هذا الطرح خارطة طريق للوعي الجمعي؛ فهو يدعو الأمة لرفض دور الضحية الصامتة والانتقال إلى مربع المواجهة الواعية، والربط بين غزة، الضفة، لبنان، والقدس، وسوريا يرسم وحدة ساحات لا تقتصر على السلاح فقط، وإنّما تمتد أيضًا لوحدة المصير والوعي.

الرسالة الأقوى التي يمكن قراءتها بين السطور هي أنّ الأمة التي تمتلك الحق التاريخي والمشروع لا يجب أنّ تتعلق بـ “سراب الوعود الأمريكية”؛ بل بقوتها الذاتية واعتصامها بخالقها، لأن نكث العدو للالتزامات هو الثابت الوحيد، وما دون ذلك هو وهم ستبدده صرخة الحق وإرادة الشعوب الحرة، التي تؤمن بالمنهج والقيادة الربانية.