اعتراف ترامب بصناعة “الجولاني” وامتداحه.. مُباركة لتحويل سوريا إلى ساحة آمنة للتوسع “الإسرائيلي”
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
21 فبراير 2026مـ – 4 رمضان 1447هـ
تقريــر || نوح جلّاس
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتوالى فيها مشاريع إعادة تشكيل المنطقة ومسارات التطبيع وإعادة التموضع الأمريكي، جاءت تصريحات ترامب التي امتدح فيها “الجولاني” لتزيد من انكشاف حقيقة صانع هذه الشخصية لتحكم سوريا، وحدود الدور المطلوب من “سلطاتها”، وتبين بوضوح طبيعة المرحلة الجديدة في البلاد.
وفي تصريح لافت، قال ترامب: “رئيس سوريا الذي كنت عملياً سبباً في وصوله إلى الرئاسة يقوم بعمل استثنائي”، مضيفاً أن “سوريا تتوحد فعلاً وتسير في الاتجاه الصحيح، وحتى الآن كان تعامله جيداً جداً مع الأكراد”.
تصريحات بدت، في ظاهرها، إشادة سياسية أو مجاملة، لكنها في مضمونها مؤشر على رضا أمريكي عن أداء يتماهى مع متطلبات المشروع الصهيوني في الداخل السوري، فيما تكشف أيضاً طبيعة العلاقة بين واشنطن وسلطات “الجولاني”، وتوضح المعايير التي تقيس بها الإدارة الأمريكية ما تسميه “العمل الاستثنائي” و”الوحدة”.
مديح مقابل وظيفة سياسية:
إقرار ترامب بأنه كان عملياً سبباً في وصول الجولاني إلى الرئاسة، يؤكد أن أمريكا هي التي تولت بشكل مباشر إجراءات إسقاط نظام الأسد، بالتحشيد والتجييش وصولاً إلى صنع الجولاني كـ”رئيس لسوريا”، كما تكشف عن طبيعة الدور المطلوب من هذه السلطة المصنعة أمريكياً.
ومع مقارنة هذه الإشادة الأمريكية مع معطيات المشهد الميداني، تتضح أنها كانت مقابل جملة من السلوكيات التي تصب في خدمة المشروع الصهيوني داخل الأراضي السورية؛ فمنذ تسلم سلطات الجولاني الحكم، تتواصل التوغلات والانتهاكات الإسرائيلية داخل الجنوب السوري، في إطار تثبيت واقع احتلالي جديد وتوسيع نطاق السيطرة.
ورغم ذلك، تلتزم سلطات الجولاني صمتاً لافتاً، دون أي تحرك سياسي أو عسكري جاد يرقى إلى مستوى الحدث، وهو ما يضع هذا الموقف المخزي في سياق توفير بيئة آمنة للتمدد الإسرائيلي.
هذا الصمت، في ميزان واشنطن، هو “العمل الاستثنائي” الذي يستحق الثناء؛ لأنه يضمن تحييد الجبهة السورية، ويزيل أي تهديد لكيان الاحتلال، ويعيد رسم وظيفة الدولة السورية بما يتوافق مع المتطلبات الأمنية الأمريكية – الصهيونية.
“سوريا تتوحد”.. وفق المقاييس الأمريكية:
حديث ترامب عن أن “سوريا تتوحد فعلاً وتسير في الاتجاه الصحيح” يأتي في وقت تشهد فيه البلاد انقسامات حادة وتوترات داخلية، فضلاً عن اتهامات متكررة لسلطات الجولاني بممارسات قمعية واعتداءات بحق مكونات اجتماعية مختلفة، من العلويين إلى الدروز وصولاً إلى الأكراد.
وإذا كان ترامب يرى في هذا الواقع “وحدة”، فإن ذلك يكشف بوضوح المنظور الأمريكي للوحدة السورية؛ وحدة تقوم على تفكيك البنية الوطنية الجامعة، وإدارة التناقضات الداخلية بطريقة تُبقي الدولة ضعيفة ومجزأة سياسياً واجتماعياً، لكنها منضبطة أمنياً تجاه الكيان الصهيوني، وتوفر بيئة آمنة لتوغله في المنطقة.
حتى إشادته بـ”حسن التعامل مع الأكراد” لا تنفصل عن هذا السياق؛ فالمعيار هنا ضمان ترتيبات لا تتعارض مع الخرائط والنفوذ الأمريكي في الشمال الشرقي، وتبقي خطوط التواصل مفتوحة مع القوى التي تشكل ركيزة للوجود الأمريكي هناك.
المشهد في أوضح صورة.. وظيفة مشبوهة ومفضوحة:
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو واشنطن ناظرة إلى دمشق اليوم بوصفها ساحة لإعادة التموضع، لا دولة ذات سيادة كاملة؛ فالمطلوب من سلطاتها الجديدة، وفق القراءة الأمريكية، هو إزالة “الأخطار” التي كانت تشكلها سوريا قبل سقوط نظام الأسد على كيان الاحتلال، وضبط المشهد الداخلي بما يمنع تشكل أي تهديد مستقبلي، فضلاً عن التوجه لجعل سوريا منطلقاً للتمدد الصهيوني ضمن مشروع ما يسمى “إسرائيل الكبرى”.
وفي هذا السياق، برزت تصريحات سابقة لأحمد الشرع “الجولاني” تحدث فيها عن خطوات وإجراءات اتُّخذت لتبديد المخاوف الأمنية المرتبطة بالكيان الصهيوني، بالتوازي مع صمت واضح تجاه التوسع الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، وهو صمت يتناغم عملياً مع الأهداف المعلنة وغير المعلنة لواشنطن وكيانها اللقيط.
وأمام هذا، فإن مديح ترامب للجولاني لا يمكن عزله عن الحسابات الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة؛ فـ”العمل الاستثنائي” الذي يتحدث عنه البيت الأبيض، و”الوحدة” التي يراها تتحقق، يُقاسان بمدى انسجام السلطة القائمة مع متطلبات الأمن الصهيوني وإعادة هندسة التوازنات الداخلية بما يخدم الأجندة الأمريكية، بعيداً عن صلب الواجب الذي من المفترض أن تقوم به هذه السلطات في استعادة سيادة سوريا أو حماية أراضيها.
وبين “الإشادة الترامبية” العلنية، و”التواطؤ الجولاني” إزاء التمدد الإسرائيلي، تتضح ملامح مرحلة تُعاد فيها صياغة الدور السوري وفق وظيفة أمنية تُرضي واشنطن وتطمئن كيان الاحتلال لكي يتمدد ولا يبالي.
