إيران: استراتيجية “الدبلوماسية العسكرية” بين جنيف وهرمز
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
21 فبراير 2026مـ – 4 رمضان 1447هـ
تقرير || يحيى الشامي
تواصل إيران إدارة ملفها النووي بسياسة فريدة تجمع بين صلابة الدبلوماسية في قاعات جنيف الهادئة ومرونة المناورات العسكرية الاستباقية في مياه الخليج الصاخبة، في استراتيجية مزدوجة يمكن وصفها بـ”الدبلوماسية العسكرية”، وهي لا تهدف إلى استجداء الحلول، بل إلى فرض معادلات جديدة تعزز الموقف التفاوضي الإيراني، وتحمي مصالحها الحيوية في ظل تصاعد التهديدات الإقليمية والدولية.
يتميز الموقف الإيراني بفك الاشتباك بين الاستمرار في الحوار والاستعداد لأسوأ السيناريوهات، فبينما يجتمع عراقجي بمدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية ونظيره العُماني لتحضير الأرضية القانونية والدولية، فإن لغة طهران لا تخلو من حس وطني عالٍ. التأكيد الإيراني على أن “رفع العقوبات ليس منفصلاً عن أي مسار”، وأن تحديد نتيجة المفاوضات مسبقاً هو “أمر أحمق”، يعكس ثقةً استراتيجية راسخة، ويعكس تصريح المرشد الأعلى الذي يختصر المعادلة بوضوح: “أي بلد بلا أسلحة ردع يُداس تحت الأقدام”، المبدأ الذي يوجه هذه الدبلوماسية.
فبينما تتجه الأنظار لجولات المفاوضات غير المباشرة الجارية في سويسرا، يصل وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، محملاً بأفكار عملية لا تنازلات جاهزة. طهران تثبت للعالم أن مفهوم الدبلوماسية لديها لا يعني الرضوخ للإملاءات، بل هو التفاوض من أجل اتفاق “عادل ومنصف” يضمن حقوقها، وليس اتفاقاً يفرض شروط الهيمنة.
واشنطن، من جانبها، تطالب بتنازلات واسعة من إيران، بما في ذلك نقل كامل مخزون اليورانيوم المخصب، ووقف برنامج الصواريخ الباليستية. لكن إيران -وعلى لسان نائب وزير الخارجية حميد قنبري- أبدت استعدادها لتقديم “تنازلات في ما يتعلق بمخزونها من اليورانيوم العالي التخصيب”، مقابل رفع العقوبات. هذا الانفتاح المشروط يفتح باباً للتسوية، لكنه يؤكد على أن طهران لن تتنازل عن “حقها” في الصناعة النووية السلمية، وستقاتل لتحقيق “فوائد اقتصادية” من أي اتفاق.
المناورات العسكرية: لغة الردع التي يفهمها “الأقوياء”
تتزامن هذه المرونة الدبلوماسية مع مشهدية قوة عسكرية في مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي يمر عبره 20% من إنتاج النفط العالمي. مناورات “السيطرة الذكية” أجراها الحرس الثوري في توقيت جعلها أكثر من مجرد استعراض عسكري، إلى ترجمة عملية لمبدأ الرد السريع والشامل. في هذه المناورات، أثبتت إيران أنها لا تخشى تهديدات ثلاث حاملات طائرات أمريكية قادرة على شن 500 طلعة جوية يومياً.
الرسالة الإيرانية وصلت بوضوح إلى صناع القرار في واشنطن وكيان العدو، فالرد على أي عدوان لن يقتصر على الحدود الإيرانية، بل سيمتد ليشمل مصالح الخصوم في العمق. فالقادة العسكريون يؤكدون على أن “كل السفن الأجنبية تحت المراقبة الاستخبارية الكاملة”، وأن “الأخطر من حاملة الطائرات هو السلاح القادر على إغراقها”. وهو ما يضع الأرقام والتقنيات العسكرية الأمريكية في مواجهة معادلة وجودية: إما التفاوض العادل، أو الانزلاق إلى حرب لا يمكن حسمها بسهولة، تدفع المنطقة برمتها ثمنها لا إيران وحسب.
ما يزيد المشهد تعقيدًا هو التقارير التي تتحدث عن دعم صيني لإيران بمعلومات استخباراتية واتصالات عبر الأقمار الاصطناعية، ما يعزز قدرة طهران على الصمود أمام هجوم محتمل وشن هجمات انتقامية، ويكشف عن المواقع الدقيقة لأنظمة الدفاع الجوي الأمريكية في المنطقة. هذا التعاون الاستخباري يشير إلى أن أي مواجهة لن تكون مع طرف واحد، بل ضمن شبكة أوسع من التحالفات التي تعزز قدرات إيران على المواجهة.
عسكرة الدبلوماسية لصالح طهران ومأزق المستقبل
يرى مراقبون أن إدارة الرئيس الأمريكي “ترامب” حاولت “عسكرة” الدبلوماسية عبر إرسال تعزيزات ضخمة لوضع إيران في زاوية الضعيف، لكن النتيجة جاءت عكسية، فإيران استغلت هذا الحشد لتحقيق مكاسب سياسية، فوجود ثلاث حاملات في المنطقة لم يعد ورقة ضغط أمريكية خالصة، بل تحول إلى مبرر إضافي لطهران لتوحيد الجبهة الداخلية، وإظهار مرونة النظام في مواجهة التهديدات.
الرؤية الإيرانية تدرك أن “ساعة الصفر” التي تتحدث عنها تقارير الكيان العدائية مرتبطة باعتبارات سياسية داخلية أمريكية، وليس بقدرة عسكرية بحتة. هذا الإدراك يسمح لطهران بالمناورة على خطين متوازيين: استنزاف الخصم دبلوماسياً في جولات مطولة، مع استعراض عضلات عسكرية تذكر الطرف الآخر بأن كلفة المغامرة ستكون باهظة.
في ظل هذه “المعادلة الشبيهة بِعَضّ الأصابع”، يرى أن احتمالات الحرب والسلم “متساوية تقريباً”، فالمشهد مفتوح على ثلاثة مسارات: تسوية مؤلمة للطرفين تتضمن تنازلات متبادلة، أو ضربة عسكرية محدودة تعيد رسم قواعد التفاوض، أو الانزلاق إلى مواجهة أوسع تتجاوز حدود الملف النووي إلى موازين القوة في الشرق الأوسط بأسره، ولن يكون اقتصاد العالم بمنأى عنه.
طهران تملك مفاتيح اللعبة
بين منطق “عض الأصابع” الذي يرجح كفة الحرب والسلم بنسب متساوية، تمتلك إيران أوراقاً قد ترجح المعادلة لصالحها. الترسانة الصاروخية الباليستية التي تقدر بآلاف الصواريخ، والقادرة على إرباك حتى أكثر أنظمة الدفاع تطوراً، إلى جانب القدرة على إغلاق مضيق هرمز ورفع سعر النفط إلى أرقام قياسية، تشكل مظلة حماية قوية للمفاوض الإيراني. هذا إلى جانب امتلاك إيران ترسانة صواريخ باليستية تُقدر بنحو ألفي صاروخ، تشكل “مصدر القلق الأكبر” لكيان العدو والقواعد الأمريكية في المنطقة.
لقد أثبتت إيران أنها ليست لقمة سائغة، وأن استراتيجيتها تقوم على جعل “الخيار العسكري” كابوساً للبنوك الاستثمارية العالمية وحلفاء واشنطن في المنطقة.
في النهاية، يبدو أن طهران نجحت في فرض معادلة جديدة: لا يمكن فصل الحوار في جنيف عن احترام الحقوق السيادية في طهران، ولا يمكن الحديث عن السلام في المنطقة دون الأخذ بعين الاعتبار مخاوف الجمهورية الإسلامية، ومصالحها الوطنية
بين التهديد الأمريكي بتدخل عسكري وعواقب “مؤلمة جداً”، وبين التوعد الإيراني بالرد على أي هجوم، والتأكيد على “امتلاك أسلحة ردع”، تظل المفاوضات المباشرة وغير المباشرة أشبه برقصة استراتيجية معقدة تجري على حافة الهاوية.
