رمضان تحت الحصار: “تكايا” غزة خطُّ الحياة في عام المجاعة الثالث

1

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
20 فبراير 2026مـ – 3 رمضان 1447هـ

استقبل أبناء قطاع غزة شهر رمضان المبارك للعام الثالث على التوالي في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي المفتوح، حيث تفرض تداعيات الحرب والحصار واقعاً إنسانياً واقتصادياً هو الأشد قسوة، وبينما كانت أزقة القطاع في رمضان تزدحم تاريخياً بمظاهر الزينة وصخب الأسواق وروائح القطايف، بات المشهد اليوم مقتصراً على خيام النزوح وركام البيوت، وأشلاء الضحايا.

وفي ظل انعدام القدرة الشرائية وتلاشي الطقوس الاجتماعية التي ميزت المجتمع الغزي لعقود، تتصدر “التكايا” الشعبية والمبادرات الإغاثية المستقلة المشهد الإنساني في قطاع غزة كخط دفاع أخير ضد سياسة التجويع التي يمارسها الكيان الإسرائيلي، والتي وصفتها منظمة “هيومن رايتس ووتش” في تقاريرها الحقوقية بأنها جريمة حرب تُستخدم فيها المجاعة كسلاح ضد المدنيين، ومع اشتداد وطأة العدوان الإسرائيلي للعام الثالث، تحولت هذه المطابخ المتواضعة من عمل خيري موسمي إلى شريان حياة وحيد لمئات الآلاف من العائلات النازحة التي فقدت قدرتها على الطهي بسبب الحصار الإسرائيلي الذي يمنع إدخال غاز الطهي.

“تكايا” الصمود
في قلب مخيمات النزوح بـ”دير البلح”، يشرف المتطوع محمود الناعوق على إحدى التكايا التي تقدم وجبات يومية لآلاف النازحين، يوضح الناعوق أن العمل يواجه تحديات جسيمة نتيجة الحصار الخانق وإغلاق المعابر المتكرر، ويؤكد أن الاعتماد الكلي بات ينصب على ما يتوفر من معلبات وبقوليات شحيحة، مشيراً إلى أن “التكية هي فعل مقاومة لإبقاء الناس على قيد الحياة أمام حصار إسرائيلي يهدف إلى كسر إرادتهم عبر تجويع أطفالهم”.

وتشير بيانات صادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى أن تعمد العدو الإسرائيلي استهداف قوافل المساعدات وعرقلة وصول شاحنات الدقيق والوقود أدى إلى خروج عشرات المخابز عن الخدمة، ما ضاعف الضغط على التكايا الشعبية التي باتت تعتمد على بدائل بدائية للطهي، وفي هذا السياق، تقول المتطوعة “أم العبد” التي تعمل في مطبخ ميداني شمال القطاع، إن إعداد الطعام يتم وسط خطر القصف المستمر، حيث تضطر لطهي كميات ضخمة من “الجريشة” أو “العدس” فوق نيران الحطب المشتعلة من ركام المنازل المدمرة، مؤكدة أن “الوجبة التي تقدم للنازح هي وسيلته الوحيدة للإفطار في ظل الحصار الذي فرضه العدو لشهور طويلة”.

وتواجه هذه المبادرات في رمضان الحالي أزمة مضاعفة تتعلق بالنقص الحاد في المياه الصالحة للشرب والطهي بعد تدمير البنية التحتية المائية، حيث تضطر بعض التكايا لنقل المياه عبر شاحنات متهالكة تقطع مسافات طويلة تحت تهديد المسيرات الإسرائيلية، ومع ذلك، يصر القائمون عليها على الاستمرار، معتبرين أن النجاح في تقديم وجبة إفطار لأسرة نازحة يمثل انتصاراً إنسانياً على آلة القتل والتجويع التي تسعى لتحويل غزة إلى منطقة غير قابلة للحياة، في ظل التعنت الصهيوني والتواطؤ الدولي والصمت العربي الإسلامي.

ومن الناحية الحقوقية، يوضح رامي عبده، رئيس الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، أن العدو الإسرائيلي يتبع سياسة “التقطير” في إدخال المساعدات لضمان بقاء السكان تحت حد الكفاف، وهو ما يجعل مبادرات التكايا هدفاً غير مباشر للعرقلة الإسرائيلية عبر منع دخول الزيوت واللحوم المجمدة، ويضيف عبده في تصريحات صحفية أن هذه المبادرات الشعبية نجحت في سد فجوة عجزت عنها المنظمات الدولية المكبلة بالقيود العسكرية الإسرائيلية، مشدداً على أن استمرار عمل هذه التكايا مرهون بالتمويل الشعبي والمخاطرة الشخصية للمتطوعين الذين استُهدف بعضهم بشكل مباشر أثناء أداء مهامهم الإنسانية.

أصناف من المعاناة
وفي ظل هذا الواقع، يؤكد المركز الفلسطيني للإعلام أن الأنشطة التجارية تحولت من المتاجر الكبرى إلى خيام بسيطة، كما هو حال “سوبر ماركت القدرة” في خان يونس، الذي كان يعد من أضخم المراكز التجارية قبل أن تدمره صواريخ العدو الإسرائيلي، ويوضح صاحب المتجر، زاهر القدرة، أن خسائره تجاوزت مليوني دولار، مشيراً إلى أن محاولات الاستمرار من داخل خيمة على شارع الرشيد الساحلي تواجه تحديات وجودية تتعلق بشح السلع الأساسية، وتذبذب الأسعار الحاد، وانعدام وسائل التبريد والكهرباء، ما يجعل تأمين متطلبات رمضان مغامرة يومية محفوفة بالمخاطر.

وعلى صعيد الحياة اليومية للنازحين، تبرز معاناة العائلات التي فقدت مصادر دخلها واستقرارها، حيث تذكر المواطنة شيماء أبو حمام، النازحة من جباليا، أن عائلتها تعتمد بشكل كلي على وجبات “التكايا” الخيرية لتأمين الإفطار، في ظل عجزها عن شراء أبسط المستلزمات كالتمر واللبن بسبب الارتفاع الجنوني في الأسعار الذي سببه العدوان والحصار، ويؤكد الموظف المتقاعد “أيمن مهنا” هذا العجز، مشيراً إلى أن الرواتب لم تعد تغطي الحد الأدنى من الاحتياجات، ما جعل الصيام بالنسبة للكثير واقعاً مفروضاً منذ أشهر نتيجة الجوع ونقص الإمدادات.

ولا تتوقف مأساة الغزيين عند حدود الفقر والجوع، بل تمتد لتشمل غصة الفقد التي تلازم الموائد المنقوصة، فؤاد ثابت، من دير البلح، يستقبل رمضان الأول بدون نجله عبد الله الذي ارتقى في اليوم الأخير من رمضان الماضي، واصفاً غياب صوته عن السفرة بأنه جرح لا يندمل، وفي سياق متصل، يعبر منير أبو العطا عن ألمه المضاعف لفقدان ولديه اللذين استشهدا في قصف إسرائيلي استهدف مسجداً، مؤكداً أن رمضان الذي كان يجمع العائلة بات اليوم موسماً لاستحضار الفراغ الثقيل الذي تركه رحيلهما.

ومن الناحية الاقتصادية، يؤكد الخبير الاقتصادي ماهر الطباع أن انكماش الاقتصاد ووصول معدلات البطالة إلى نحو 80% أدى إلى انهيار كامل في القدرة الشرائية، حيث ارتفعت أسعار السلع بنسبة تتجاوز 300% مقارنة بما قبل العدوان، ويشير الطباع إلى أن انعدام السيولة النقدية جعل من شهر رمضان عبئاً مادياً إضافياً على الأسر التي باتت تحصر إنفاقها في الضروريات القصوى للبقاء على قيد الحياة.

وفي مراكز الإيواء، يصف النازحون غسان فياض ومحمد عليان التغير الجذري في الروح المعنوية للشهر الفضيل، حيث غابت صلوات الجماعة بعد تدمير العدو الإسرائيلي مئات المساجد، واستُبدلت بأضواء الزينة إنارة الهواتف المحمولة الخافتة، بينما يتم الطهي على الحطب بدلاً من الغاز المفقود، وتستذكر وداد حمودة طقوس الاستعداد التي كانت تبدأ قبل رؤية الهلال، مؤكدة أن تدمير المنازل وتشتت الأقارب بين مخيمات النزوح محا ملامح الشهر التي اعتاد عليها أهل غزة، ليتحول من موسم للسكينة والبهجة إلى شاهد على مدى الإجرام الصهيوني وقبح المجتمع الدولي.