كيف يحوّل الإعلام العربي شهر رمضان إلى موسم ترفيه مفرغ من القيم؟
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
17 فبراير 2026مـ – 29 شعبان 1447هـ
تقريــر || عباس القاعدي
يحلّ شهر رمضان هذا العام في ظل تحولات كبرى تعصف بالعالم، وفي وقت تتصاعد فيه وتيرة الاستهداف الذي تتعرض له الأمة العربية والإسلامية، ضمن سياق صراعات دولية وإقليمية متشابكة تُلقي بظلالها الثقيلة على واقع الشعوب وأمنها واستقرارها.
وتشهد العديد من البلدان العربية والإسلامية أزمات متلاحقة وحالات من الفوضى والاضطراب، يقف خلفها المشروع الصهيوني بدعم أمريكي مباشر، لإعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مصالح اليهود، مستفيدين من مكامن الضعف والاختلالات الداخلية في واقع الأمة.
وفي هذا الإطار، يؤكد السيد القائد عبد الملك بدرالدين الحوثي في خطابه الأخير، بمناسبة التهيئة الرمضانية، أن الأمة تواجه “وضعية ضاغطة” شاملة صاغها الأعداء لدفعها قسرًا نحو مسارات سلبية، إما الارتماء في أحضانهم تحت وهم الحلول الزائفة، أو القبول بواقع مفروض قائم على الخضوع والتبعية.
ولا يقتصر الاستهداف على الجانب العسكري والأمني، بل يمتد إلى ما يُعرف بـ“الحرب الناعمة”، من خلال حملات فكرية وثقافية وإعلامية مكثفة تستهدف القيم والأخلاق والهوية، في محاولة لتمييع المجتمعات وإفساد بنيتها الداخلية، ويُنظر إلى هذا النمط من الحرب باعتباره الأخطر، كونه يسعى إلى تفكيك الداخل وضرب المناعة الحضارية للأمة من جذورها.
كما تترافق هذه الهجمة مع أدوات حرب نفسية تقوم على تهويل قدرات الخصوم، وتضخيم مشاعر العجز، وبث روح الإحباط واليأس، بما يؤدي إلى إضعاف المعنويات وتهيئة الأرضية للهزيمة النفسية قبل أي مواجهة ميدانية.
وأمام هذه التحديات، يبرز شهر رمضان محطة إيمانية وتربوية كبرى، تستنهض وعي الأمة، وتعيد ترسيخ هويتها، وتعزز عوامل الصمود والثبات، بما يشكّل درعًا معنويًا وأخلاقيًا في مواجهة الضغوط العسكرية والثقافية والنفسية على حد سواء.
محطة إيمانية وتربوية كبرى
شهرُ رمضان محطةٌ إلهية عظيمة، وموسمٌ ربانيٌّ خصّه الله سبحانه وتعالى بخصوصيةٍ فريدة، وجعله منحةً كبرى للأمة الإسلامية، ففيه تتجلى مظاهر الارتباط بالله تعالى، ويتعزز التمسك بتعاليم القرآن وآدابه، وتزداد روح العبادة والطاعة بصورةٍ تفوق سائر شهور العام.
فالصيام في حقيقته ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو انضباطٌ شامل عن الذنوب والمخالفات، وتزكيةٌ للنفس، وارتقاءٌ في السلوك والأخلاق، ورمضان هو شهر القرآن، وشهر العبادة، وشهر الطاعة والقرب من الله، وشهر الإحسان والبذل، وشهر الجهاد في سبيله. ومن هنا، فإن الثمرة الطبيعية للبرنامج الرمضاني الإيماني تكون النصر والتوفيق بعون الله، لأن الأمة حينما تعود إلى منابع قوتها الروحية والقيمية، تستعيد عوامل عزتها وتمكينها.
غير أن هذا الموسم الرمضاني العظيم يشهد في المقابل حالة استنفار لافتة من قوى الفساد والإفساد، فكأن تلك القوى تدرك قيمة رمضان وأثره في بناء الوعي والهوية أكثر مما يدركه كثيرٌ من المسلمين، ولهذا تتأهب مؤسسات إعلامية وثقافية وفنية كبرى لاستقبال الشهر بخطط إنتاجية مكثفة، وتُضخ فيه ميزانيات ضخمة تُقدَّر بحسب بعض الإحصاءات بما يتراوح بين 50 و70 في المئة من الإنفاق السنوي لبعض القنوات العربية منها السعودية والخليجية.
وتشير التقديرات إلى تصاعد ملحوظ في حجم الإنفاق على المسلسلات والبرامج الترفيهية خلال هذا الشهر، في مقابل غياب شبه تام للمواد التي تعالج قضايا الأمة المصيرية، أو تلامس هموم العرب والمسلمين ومستقبلهم، حتى إن صحفية إسرائيلية عبّرت عن دهشتها وإعجابها بالدور الذي يلعبه الإعلام العربي الرسمي بحسب توصيفها في تشويه صورة رمضان وتحويله من موسم عبادة وبناء إلى موسم استهلاك ولهو.
إعلام المعجزة الصهيونية وغزة خارج الشاشة
في أعقاب عملية طوفان الأقصى وما تلاها من مجازر وحرب إبادة شنّها العدو الصهيوني على غزة،صحافية إسرائيلية، نشرت مقالًا العام الماضي، عبّرت فيه عن دهشتها وإعجابها، بالدور الذي يؤديه الإعلام العربي الرسمي في تشويه صورة شهر رمضان وانتزاع روحه الإيمانية.
وأوضحت أنها تابعت سبعةً وثلاثين مسلسلًا عربيًا عُرضت خلال شهر رمضان ووصلت إلى ملايين المنازل في العالم العربي، في موسم ترتفع فيه نسب المشاهدة إلى مستويات قياسية. وقالت إنها راقبت تلك الأعمال بدقة، لكنها لم تجد فيها أي إشارة إلى “إسرائيل”، لا تصريحًا ولا تلميحًا، ولا أي ذكر لغزة أو فلسطين أو المسجد الأقصى، أو حتى للحروب والمجازر والأحداث المصيرية التي تعيشها المنطقة.
وبحسب ما أوردته، فإن الإعلام العربي على حد تعبيرها “حقق معجزة”، إذ كان في مراحل سابقة يمنح “العدو الصهيوني” حضورًا ولو محدودًا في بعض الأعمال الدرامية، أما اليوم، وبعد كل ما جرى من تطورات دامية، فإن عشرات المسلسلات تمرّ دون أي أثر لفلسطين أو غزة أو الأقصى، وكأن الاحتلال ليس واقعًا قائمًا ولا جزءًا من المشهد الإقليمي.
وختمت مقالها بنبرة سخرية واضحة، قائلة إنها تواصلت مع أصدقاء لها في العالم العربي لتقول لهم باستهزاء: “رمضان كريم”، في إشارةٍ فسّرتها بأنها دعوة للاستمرار في الانشغال بالمسلسلات والبرامج والمسابقات، بعيدًا عن قضاياهم المصيرية، وهو بحسب قولها ما يتمناه الاحتلال ويراه مكسبًا مجانيًا.
الإنفاق السعودي المفتوح لخنق وعي الأمة
سبقت شهر رمضان هذا العام موجة من التنافس الشديد بين القنوات التلفزيونية والشبكات الإعلامية، التي تتسابق على عرض مسلسلاتها وبرامجها ومسابقاتها، في محاولة لفرض حضورها وتحقيق الأهداف المرسومة لذلك الإنفاق الضخم في هذا الموسم.
وفي هذا الإطار، تنفق السعودية في شهر رمضان ميزانيات هائلة، أحيانًا تعادل ميزانيات دول كبيرة، كما تفعل شبكة «إم بي سي» السعودية، بكل قنواتها المختلفة،سعياً لتحقيق أهداف تربوية وسلوكية وثقافية، لكن تلك الأهداف في مجملها، تهدف إلى خطف رمضان بقيمه وآدابه ومعانيه من الشعوب الإسلامية، وإبعادها عن جوهره ومعانيه السامية التي شرعها الله سبحانه وتعالى، وجعل الموسم الرمضاني أكثر تجاريًا وترفيهيًا من كونه محطة إيمانية.
وبالتالي فإن النظام السعودي، الذي يُقدَّم بوصفه حامي الحرمين الشريفين وزعيم العالم الإسلامي، يمول هذه القنوات، بينما تستخدم جزءًا من التمويل في قنوات دينية، لكنها تعمل على خطاب تحريضي وطائفي، مستغلة العواطف وخداع الجمهور، في محاولة لإضعاف الوعي الديني، إلا أن هذه الأساليب لم تعد تخدع كثيرًا من أبناء الأمة في زمن انكشاف الحقائق.
خيوط التأثير الخفي
وثائق المجرم أبستين كشفت عن الوجه المظلم والحقيقي للمنظومة التي تحكم العالم، منظومة قائمة على الشر والإجرام والتوحش، تتجاوز حدود الخيال البشري، إذ تُظهر الوثائق تورط زعماء وقادة عالميين، وبعض الحكام العرب والأثرياء المشاهير، في هذه الانحرافات، ما يوضح نوع الثقافة والفن والقيم التي يسعى هؤلاء لنشرها بين الشعوب.
وفي هذا السياق، يظهر تأثير ذلك في الإعلام العربي، وبشكل خاص خلال شهر رمضان، حيث تُقدَّم أعمال فنية ضخمة من أفلام ومسلسلات ومسابقات، وتُنفق عليها أموال طائلة، لكنها تهدف إلى تشويه القيم، وتعزيز النزعات المادية والحيوانية، وتمجيد الشذوذ والانحراف، وجعل الانحراف الأخلاقي نوعًا من البطولة والجرأة والنجومية في المجتمع.
هذه المعطيات تُبيّن كيف أن الترفيه المدعوم بالمال السعودي والخليجي، والسيطرة الإعلامية أصبح أداة للتأثير على وعي الشعوب، وإضعاف هويتها الأخلاقية والاجتماعية، بما يتماشى مع مصالح المنظومة الإجرامية العالمية التي كشفت عنها ملفات أبستين.
حربًا مباشرة على القيم والأخلاق
الواضح للجميع أن أتباع المجرم أبستين وأولياء الشيطان يعملون بلا هوادة، وينفقون بسخاء هائل لتحويل شهر رمضان ولياليه إلى مجرد تسلية، وبرامج خادشة للحياء، بعيدة كل البعد عن الهوية والقيم الأخلاقية للمجتمع المسلم، سواء في رمضان أو غيره.
في المقابل، كان يفترض أن يكون هناك إعلام عربي مضاد، يمثل المؤمنين الصادقين، الواعين لأهمية رمضان، التي تجعل المسلم يترك الكثير من عاداته اليومية، ليخصص هذا الشهر للطاعة، والقربة، والإحسان، والعفة، والتوبة والاستغفار. لكن المواطن العربي والمسلم يفاجأ بأن الإعلام الناطق بالعربية يُعدّ رمضان ولياليه كما لو كان العدو، مهيئًا برامج متنوعة لا تمت بأي صلة إلى قيم الإسلام وآداب المجتمع المسلم. بل العاقل يدرك أن ما يُنتج ويُعرض يمثل حربًا مباشرة على القيم والأخلاق، حربًا على الشعوب الإسلامية وثقافتها وهويتها، وحربًا معنوية على آدابها وأخلاقها.
إنها حرب بما للكلمة من معنى، هدفها سرقة هوية الشعوب، وتقويض انتمائها، وتدمير أخلاقها. ولهذا، كثير من الناس يتعاملون مع الحرب الناعمة والثقافية التي يمارسها إعلام الميوعة والشذوذ، إعلام التفاهة، باعتبارها مجرد ترفيه، وهذا خطأ جسيم، فهي شكل من أشكال الحرب الخطيرة على قيم وآداب المجتمعات في كل أنحاء الأرض، في حين كان لشهر رمضان عند أبنائها في البلدان الإسلامية خصوصية، اهتمامًا، هيبة وقدسية وجلالًا لا يضاهيه شيء.
