أمريكا بين تخلُّق كتلة المقاومة وسقوط دول التماهي
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
17 فبراير 2026مـ – 29 شعبان 1447هـ
تقرير || وديع العبسي
محاولة العدو -بوجهيه الأمريكي و”الإسرائيلي”- إيهامَ الآخرين بامتصاصه آثار الصدمات التي يعيشها وتجاوزه آثارها باتت سياسة معتادة ومستهلكة، لكنها تبقى بالنسبة له استراتيجية إجبارية بعد تآكل كل خياراته المتاحة لتثبيت الاستباحة وفرض الإرادة.
السنوات الأخيرة شهدت -على مستوى العالم- موجة عاصفة من التخلق من جهة، والتردي والانسحاق من جهة أخرى. ففيما تماهت قوى ودول مع المشروع الصهيوني الأمريكي إلى حد تلاشي شخصية هذه الدول نهائياً، تبلور محور المقاومة والممانعة والرفض. وما حالة الاضطراب التي شهدها العالم وما تزال مرشحة لموجة جديدة من الصراع، إلا مظهراً لهذا التخلق الجديد، حيث تغيرت النظرة إلى الاستثنائية الأمريكية في التعاطي مع القضايا الدولية، حين كان تدخلها بمجرد التصريحات يُحدث إرباكاً ويوجه المسارات وفق ما تشاء. ثم أصبح حالها كحال الدول الطبيعية تتلقى الضربات، وتخسر الرجال والعتاد، وتفر من ميدان المنازلة.
ولأن وقع هذه المظاهر يبدو قاسياً، باعتبار أن الحديث هو عن دولة تعاظمت في القوة على نحو لافت ومستمر منذ الحرب العالمية الثانية، حتى غدت صاحبة الكلمة العليا حتى في اختيار رؤساء الدول وتحديد شكل سياساتها الداخلية والخارجية، فإن الاعتراف بوجع الصدمات يبدو جارحاً للمكانة، والقشة التي ستقصم ما تبقى لها من كبرياء إن هي استسلمت لها. لهذا فإن تجاهلها الحقائق المتغيرة، والاستمرار في السير على أجندة الفوضى الخارجية تبقى وسيلة للهروب إلى الأمام وتحاشي مواجهة هذا الواقع.
إلى ذلك تحاول أمريكا رفع مستوى البلطجة العالمية لاستعادة خيوط التحكم بخارطة الكرة الأرضية وتحبيط قوى العالم عن امتلاك أي سلاح مواجهة، أكان سلاحاً عسكرياً أو اقتصادياً. فامتلاك أي دولة لأي مقومات نهوض هو -في الأجندة الصهيونية التي تنفذها أمريكا- بمثابة خطر على مشروع فرد شراع الهيمنة والتسلط وحكم العالم بقوة النار والحديد. ولا استثناء هنا لأحد حتى الدول التي قبلت بالاصطفاف معها.
فوضى أمنية وعشوائية دبلوماسية
المخطط هو إعلاء الشأن الصهيوني والقيام بمتطلبات تحويل العالم إلى حاشية تعمل على خدمة وراحة اليهود الصهاينة في أي مكان من العالم. و”ترامب” -كما يبدو بشخصيته المنفوخة بالصدمات النفسية، وعقليته السطحية، وسلوكه الهمجي البربري- هو من تم اختياره لهذه المهمة المصيرية في مرحلتها الأخيرة. وفعلاً مع مرور عام من توليه الرئاسة الثانية كان قد عاث في العالم فوضى أمنية وعشوائية دبلوماسية. تعامل مع الدول ذات المقومات -رغم ما يربط بعضها ببلاده من علاقات- باستعلاء، وفرض تحريك “إتاوات” الحماية صعوداً، وعربد في التعرفة الجمركية. حرك عصابة الغزو والنهب، فاعتدى على سيادة دول، وتسلل إلى أخرى، واختطف رئيس دولة مع زوجته، وأعلن نيته الاستيلاء على أراضٍ وجزر بحجة دعم الأمن القومي لبلاده.
“ترامب” بكل هذا يحاول القفز على شعوره بالتراجع، ومسابقة الزمن للتهيئة عملياً من أجل صناعة التحول لصالح الحركة الصهيونية. ويرى “ترامب” أن العالم اليوم في وضعية الجاهزية للتعايش مع هذا الطموح، والانتظار أكثر سيحمل بلا شك طوراً جديداً من تَخلُّق وتشكل قوى الاستقلال، خصوصاً مع تسلل الكثير منها إلى خارج الهيمنة الأمريكية، واستغلال مقوماتها الاقتصادية الاستراتيجية، وتوجه البعض منها لامتلاك الأسلحة الرادعة بالتزامن مع اتساع خارطة أصحاب النزعات الواضحة والثابتة من المقاومين للبلطجة الأمريكية والرافضين لتكريس منهجيتها لتثبيت الاستباحة.
ويأخذ هذا الخطر مكانه كعقدة للحركة الصهيونية يصعب حلحلتها، ما يدفع بالحركة إلى تدارك الوقت، وإعمال كل وسائل الاستهداف، والتسريع من تقليم مصادر القوة لدى مثل هذه الدول كالنفط والمعادن وباقي مواد الثراء، مع إقلاق حياة دول أخرى أعلنت -صراحة- عدائيتها للصهيونية الأمريكية، ورفعت السلاح في وجهها.
فنزويلا هي إحدى الدول المالكة للثروات الهائلة، وقد دشن بها “ترامب” موجة النهب الجديدة، وفي الانتظار باقي الدول اللاتينية. إيران أيضاً من جملة الدول التي تتمتع بقدرات هائلة اقتصادية وتسليحية، وتقع ضمن محاولات الاستهداف والسرقة المعلنة. روسيا، الصين، وحتى الهند وباكستان وكلها مثيرات لتوتر أمريكا و”إسرائيل” ومعهما مشروع الهيمنة، وإن أعطت بعض المواقف الدبلوماسية انطباعاً بغير ذلك.
ربما وحدها روسيا من دول الصف الأول التي تعي أن أمريكا لا تتقدم خطوة من أجل التصالح والتسامح إلا كانت هذه الخطوة مطلباً تفرضه أجندة الإخضاع ليس إلا، فتتعامل معها طوال الوقت على هذا الأساس، وفي حربها مع أوكرانيا شاهد على السياسة الأمريكية والإدراك الروسي، حيث محاولة الإنهاك والإرهاق لموسكو تتصدر طابع السلوك لواشنطن في هذا الملف. وما يخرج من غرف التكتيك الأمريكية من ادعاءات إنهاء هذه المواجهة العبثية يتحول إلى سلاح ضد روسيا وثقب لتبديد القدرات الأوروبية.
محور المقاومة يكشف ضآلة الدول المتماهية
في هذه الأثناء لا شيء يبدو في مستوى القدرة على دفع دول التماهي لاستغلال الحالة التي تعيشها أمريكا من أجل النأي بنفسها عن هذا العبث، وسلبيتها لعقود لم تضف لها شيئاً بقدر ما حطت من قدرها في ميزان ثقة البيت الأبيض، وكثيراً ما اعتبرها عالة عليه ما لم تبقَ في تحديث مستمر لوضعية التبعية من خلال دفعات مالية كبيرة لرفد الاقتصاد الأمريكي والحفاظ على رفاهية مجتمعه. وفي هذا الوقت أيضاً يبقى المحور الآخر المقاوم -رغم قلته عدداً وعدة- يمثل قلقاً بالغاً يكشف ضآلة الكم الكبير من الدول المتماهية معه في مشاريعه وطموحاته.
لذلك يراهن الأمريكي على إمكانية أن تكون الدول التابعة بمثابة الجدار العازل والممتص لصدمات التحولات الجديدة قبل أن تصل إلى عقر الولايات المتحدة. يوزع المهام بينها وفق قدرة كل منها على التأثير، ويرى في صمت البعض منها وعزلها لنفسها عن أي اعتمالات تحدث في العالم -وإن كانت تمس مصالحها- كدور مطلوب الآن، ليس لأن تحركها يمكن أن يشكل خطراً محتملاً، وإنما لأن تحركها لن يكون أكثر من عبء عليه، خصوصاً وهي التي رهنت أمنها إلى قدرته وتفوقه هو.
برنامج امتصاص الصدمات
وبالتركيز على محور المقاومة باتت أمريكا على ثقة تامة بأنه ليس فقط مجتمعاً يمكن أن يشكل خطراً على مخطط الاستباحة، وإنما كل دولة أو قوة فيه تمثل خطراً بذاتها. فيما تعطي اليمن أولوية عالية، فهو الأكثر امتلاكاً لإرادة إنهاء هذا التسلط الأمريكي على العالم، وهو الذي لم يثر بمواقفه الاستثنائية الدهشة فقط، وإنما أيضاً الإعجاب، ما يشير إلى أن ثمة رغبة دفينة هناك لدى بعض الدول للتخلص من ثقل الهيمنة الأمريكية، لكنها لا تمتلك جرأة القرار والتحرك كما فعل اليمن. وما تخشاه واشنطن أن تصل هذه الدول إلى المستوى المؤهل للتحول، تنضم إلى باقي الدول المتمردة على إرادتها.
ومع شعورها بإمكانية تحقق ذلك تتحرك بسياسة التجاهل لإعادة حضورها كقوة عظمى في عقل العالم الباطن، وخبراؤها قد حددوا لها برنامج امتصاص الصدمات في “عدم تمكين الآخر من الشعور بالنصر”، من خلال التمادي في التوجهات العدائية، سواء تجاه الخصوم التقليديين أو حديثي الظهور أو أي مكان من العالم. وكلما كان التحرك عبثياً وعشوائياً زاد ذلك في تصورها من فرص ترميم التصدعات والتشققات الوليدة من ضربات المقاومين.
