مبادرات تعيد للعدالة معناها
ذمــار نـيـوز || مـقـالات ||
14 فبراير 2026مـ – 26 شعبان 1447هـ
بقلم// ق. صارم الدين مفضل
في زمنٍ تتكاثر فيه الأزمات، وتثقل فيه الهموم على كاهل المجتمع، تبرز بعض المبادرات كنافذة نورٍ في جدار العتمة، وكصوت رحمةٍ في صخب التعقيدات. ومن بين هذه المبادرات الإنسانية والوطنية، تتقدم جهود اللجنة الرئاسية للإفراج عن السجناء المتعثرة قضاياهم في المحاكم والنيابات والسجون، بوصفها خطوة شجاعة أعادت الاعتبار لجوهر العدالة، وأعادت الأمل إلى قلوب أنهكها الانتظار خلف القضبان.
لقد امتدت زيارات اللجنة إلى السجون والحبوس الاحتياطية في أمانة العاصمة صنعاء، وسائر المحافظات الخاضعة لإدارة حكومة التغيير والبناء، لتفتح ملفاتٍ طال عليها الغبار، وقضايا تعطلت بفعل جمود النصوص، وروتين الإجراءات، وتعقيدات الواقع. كانت تلك الجهود بمثابة مراجعةٍ أخلاقية قبل أن تكون إدارية، وإنصافٍ إنساني قبل أن يكون قانونيًا.
كم من سجينٍ أمضى سنواتٍ طويلة خلف القضبان لا لخطورة فعله، بل لتعثر الإجراءات، أو لعجزٍ مالي حال بينه وبين استكمال حقٍ خاص، أو لغياب مساعٍ اجتماعية كان يمكن أن تطفئ جذوة الخصومة مبكرًا. لقد كشفت هذه الجهود أن العدالة لا ينبغي أن تُختزل في نصٍ جامد، ولا أن تُقيَّد بروتينٍ يفتقد روح المقصد، بل يجب أن تظل متصلةً بغايتها الكبرى: صون الكرامة الإنسانية وتحقيق السلم المجتمعي.
ولا يمكن إغفال الدور المحوري الذي اضطلعت به هيئة الزكاة، حين تجاوزت المفهوم التقليدي للدعم المالي، لتجعل من الزكاة جسرًا للحرية، وأداةً لإحياء الأمل. فكم من سجينٍ أنهى مدة عقوبته، وبقي أسيرًا لمبلغٍ مالي عجز هو وأسرته عن سداده، حتى جاءت هذه المبادرات لتغلق ملف معاناته، وتفتح له باب العودة إلى الحياة. إن تسديد تلك المبالغ لم يكن مجرد إجراء مالي، بل كان عملاً إنسانيًا عميق الأثر، أعاد آباءً إلى أبنائهم، وأبناءً إلى أمهاتهم، وأعاد للأسرة توازنها المفقود.
كما أن هذه الخطوات أعادت إحياء دور الشخصيات الاجتماعية والوجهاء في تقريب وجهات النظر، وإحياء ثقافة الصلح، والتخفيف من حدّة التعسف في التمسك بالحقوق الخاصة حين تتعارض مع مقاصد الرحمة والإصلاح. ففي زمنٍ تتغلب فيه أحيانًا نزعة الأنانية والتمسك الحرفي بالحقوق، جاءت هذه الجهود لتؤكد أن العفو والإحسان ليسا ضعفًا، بل قوة أخلاقية تسهم في استقرار المجتمع وتماسكه.
إن أهمية هذه المبادرات لا تقف عند حدود الإفراج عن مئات السجناء فحسب، بل تمتد إلى ترسيخ مفهومٍ أعمق للعدالة، عدالةٍ تراعي الظروف، وتبحث عن الحلول، وتقدّم الإصلاح على العقاب حين يتحقق المقصد. وهي رسالةٌ بأن الدولة والمجتمع، رغم التحديات، ما يزالان قادرين على التفاعل الإيجابي مع معاناة الأفراد، وعلى تصحيح المسار حين تتراكم الأخطاء.
من هنا، فإننا نثمّن عاليًا حرص القيادة الثورية والرئاسية ممثلة بالسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي يحفظه الله، ورئيس الجمهورية الاستاذ مهدي المشاط يحفظه الله، وكل من وجّه بها ودعمها وشارك فيها، وكل يدٍ امتدت لتفريج كربة إنسان جسّدت المعنى الحقيقي للتكافل، وأسهمت عمليًا في تحرير من أنهكهم العجز وضاقت بهم السبل.
إن ما تحقق ليس إنجازًا إداريًا فحسب، بل هو إنجازٌ أخلاقي وإنساني سيظل أثره ممتدًا في حياة مئات الأسر، وفي ذاكرة مجتمعٍ أحوج ما يكون إلى مبادرات الرحمة والإصلاح.
فهنيئًا لكل من كان سببًا في عودة الحرية إلى أصحابها، وفي إعادة البسمة إلى وجوهٍ غابت عنها طويلاً.
