شهر رمضان.. محطةٌ تربوية تصقلُ نفسيةَ الإنسان

0

ذمــار نـيـوز || مـقـالات ||
13 فبراير 2026مـ – 25 شعبان 1447هـ

بقلم / عدنان علي الكبسي

كم من الأيّام والشهور بل والسنين مضت من أعمارنا طرأت على نفوسنا الكثير من الشوائب فترسبت حتى أثَّرت بشكل كبير على واقعنا العملي، وأثَّرت بشكل كبير أَيْـضًا على علاقتنا بالله سبحانه وتعالى.

كم من الأعمال العظيمة قصَّرنا فيها، وكم من الأعمال الصالحة فرَّطنا فيها، وَإذَا ما عملنا من الأعمال التي تقربنا إلى الله فبتكاسل منا، وكم من مواقفَ عظيمة دُعينا إليها فتخاذلنا.

أثقلتنا الذنوبُ فقصَّرنا في واجبات ومسؤوليات وأعمال مهمة نحن ملزمون بها في ديننا، ضعفت إرادتُنا أمام الشهوات والإغراءات، فسقطنا في المعاصي، وانفلتنا في الأعمال السيئة.

اعترتنا حالةُ الوهن فجاءنا الفتور، لانت صلابتُنا فبدأنا نتراجعُ رويدًا رويدًا، حتى جمدنا في التفاعل في أداء مسؤولياتنا، فكان تحَرّكنا بتثاقل، وَإذَا عملنا نعمل ببطء، فقدنا الشعور بالقوة حين كنا في معية الله، حتى انهارت عزائمنا نفتر حينًا وننشط حينًا، كادت نفوسُنا أن تستكين.

امتحان التمكين وصنم الوجاهة

أتت المناصب والمواقعُ فأردنا الألقاب، ورأينا لأنفسنا الاستحقاقات، وتنافسنا على الشهرة والسُّمعة؛ فلم نتماسك أمام امتحان التمكين، فتغيرت أنفسنا، حتى أصبح صنمُنا الكبير هو المنصب والسمعة والنفوذ، فغلظت طباعنا وكادت قلوبنا أن تقسو.

تغيَّرت مقاصدُنا فأردناها مقاصدَ شخصية، تقلَّدنا المسؤولية مِن أجلِ الرتب، وتنافسنا مِن أجلِ المناصب، حتى أصبنا بالملل فأصبح لدينا قليل من النشاط، داهمنا الفتور فقل الجد، مثلت الأهداف الشخصية عائقًا عن الأخوّة الإيمانية، وعن التعاون على البر والتقوى، وعن التعاون في النهوض بالمسؤوليات الجماعية؛ مِن أجلِ المنصب أَو الرتبة تحول البعض وللأسف إلى إنسان ساخط، حاقد، متذمر، معقَّد، يتخذ موقفَه من الحق وأهل الحق، يقعد، ويتخاذل، ويتنصَّل عن المسؤولية؛ والبعض إذَا لم يحصل على رُتبة معينة، أَو موقع معين، فهو سيتراجعُ عن طريقِ الحق، وسيتغيَّر، ويغيِّر موقفَه بشكلٍ تام، ويتنصَّل عن مسؤولياته، ثم لا يرغب في طريقِ الحق أصلًا، اختزل كُـلَّ آماله، وانفصل في آماله عن الله (سبحانه وتعالى)، وعمَّا عند الله، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.

أوبئة النفوس والحل الرمضاني

مرضت النفوسُ بأوبئة الطمع والشح والجشع والأنانية؛ حتى فقدت التوازن الطبيعي، فتعذَّبت النفوسُ في حالة من التوتر والقلق؛ نتيجةَ تغييب قضية الإنفاق.

تقذَّرت النفوس حتى أصبحت تحس بصعوبة تجاه فعل الخيرات، وأصبحت ميَّالة إلى حَــدِّ الهيجان نحو الشهوات، والخبائث، والسيئات، والعياذ بالله.

كان يشوب أداءَنا العملي الكثيرُ من التصرفات المزاجية، والتي تخالف توجيهاتِ الله، وتعليمات الله، حتى دخل في العمل نفسه التصرفاتُ السيئة، والإساءَاتُ المتكرّرة.

فها هو شهرُ رمضان أقبَلَ بأجوائه العامة، بما فيه من صيامٍ وقيامٍ وأعمالٍ صالحة… إلخ.

هو يثمر ثمرةً عظيمة، ويترك أثرًا إيجابيًّا لمن يغتنمه، لمن يتجه منذ البداية إلى اغتنام هذه الفرصة الثمينة جِـدًّا، وهذه المحطة العظيمة فيتزود منها التقوى.

شهرُ رمضانَ محطةٌ تربويةٌ تؤثِّرُ في الإنسان الأثر الإيجابي من جديد، لتصقلَ نفسيتَه، لتنعشَ روحيتَه من جديد، لتعالجَ تلك التأثيراتِ السلبية في نفسه من جديد.

مدرسة التقوى وقوة الإرادَة

يقول السيد المولى عبدالملك بدرالدين الحوثي (رضوان الله عليه): “فشهر رمضان المبارك هو محطة تربوية عظيمة جِـدًّا، نحن أحوجُ ما نكونُ إليها، تعالجُ الترسباتِ السلبيةَ والسيئة في النفوس، وتجلو صدأ القلوب، قلوبنا تصدأ، حسب التعبير المحلي [تُذَحِّل]، يطرأ عليها الصدأ، من الأخطاء، والمعاصي، والذنوب، والتأثيرات، ما يتأثر به الإنسانُ سلبًا من الواقع، وتجلو صدأ القلوب، وتسمو بالنفسِ البشرية، وتحيي المشاعر الإيمانية، تحيي في الوجدان الشعور بالقرب من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، هذا يضفي على الإنسان حالة الاطمئنان بشكلٍ كبير، والإنسان بحاجة إلى ذلك”.

نتعلَّمُ من مدرسة شهر رمضان المعطاءة التربوية قوة الإرادَة، وهذا شيءٌ مهمٌّ جِـدًّا للإنسان في كُـلّ حياته، في كُـلّ ما يواجهُه في هذه الحياة، وَأَيْـضًا شيءٌ مهمٌّ في أداء مسؤولياته في هذه الحياة كما ينبغي، في الالتزام بدين الله وأمره ونهيه، وفي الطاعة لله (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى).