كيف شكّل خروج المارينز الأمريكي نقطة فاصلة في مسار السيادة اليمنية؟

0

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
12 فبراير 2026مـ – 24 شعبان 1447هـ

تقريــر || محمد ناصر حتروش

تتزامن الذكرى الحادية عشرة لخروج قوات المارينز الأمريكية من العاصمة صنعاء مع مسار وطني مستمر لترسيخ السيادة اليمنية التي انطلقت مع انتصار ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر، في محطة مفصلية أنهت مرحلة النفوذ الأمريكي المباشر، وأعادت رسم العلاقة بين اليمن والقوى الخارجية.

ويُعَد الحدث تحولًا استراتيجيًا في الوعي الشعبي والسياسي، كشف حقيقة الدور الأمريكي بوصفه أداة هيمنة لا شراكة.

آنذاك واكبت وسائل الإعلام اليمنية الحدث باعتباره إنجازًا تحرريًا غير مسبوق، فيما تفاوتت المواقف الإقليمية بين الاحتفاء ومحاولات التفريغ السياسي لمضمونه السيادي، ومع مرور السنوات، تراجعت مركزية الحدث في المشهد الإعلامي بفعل تكالب دول العدوان على اليمن على مدى عشرة أعوام، أضف إلى ذلك التحولات الإقليمية، رغم ما يحمله من دلالات عميقة تتصل بالاستقلال الوطني ورفض الوصاية.

وتعود الذكرى اليوم لتطرح سؤال الذاكرة الوطنية: كيف يمكن تحويل هذا الحدث إلى رمز دائم يعزز الوعي بخطورة الوجود الأجنبي؟ وكيف يمكن للإعلام أن يستثمره كأداة تحصين وطني في مواجهة مشاريع الهيمنة المستمرة؟

الحادي عشر من فبراير رمز وطني دائم
في السياق يرى عضو المكتب السياسي لأنصار الله محمد الفرح أن الإعلام اليمني تعامل مع خروج المارينز من صنعاء بوصفه إنجازًا تحرريًا نوعيًا يعكس نجاح ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر في استعادة القرار الوطني المستقل، مقدمًا الحدث أنه لحظة تاريخية فارقة أنهت أحد أبرز مظاهر الوصاية الأجنبية على اليمن.

ويؤكد -في حديث خاص لموقع أنصار الله- أن التغطيات الصحفية والتلفزيونية تبرز الحدث في إطار انتصار السيادة، وتربطه بمسار وطني شامل لتحرير القرار السياسي من الهيمنة الخارجية، معتبرًا أن هذه المعالجة الإعلامية تسهم في ترسيخ وعي شعبي بخطورة الوجود الأجنبي وأبعاده السياسية والأمنية.

ويشير إلى أن التغطية العربية تتفاوت في تعاطيها مع الحدث؛ فبينما تحتفي بعض الوسائل الإعلامية به كخطوة تحرر وطني، تسعى أخرى إلى إعادة تفسيره ضمن سياقات إقليمية تخدم أجندات سياسية بعيدة عن مضمونه السيادي الحقيقي، في محاولة لتفريغه من رمزيته الوطنية.

ويضيف: “إن الزخم الإعلامي القوي الذي يرافق الحدث في بداياته يتراجع لاحقًا مع تصاعد الأحداث العسكرية والتحولات الإقليمية، ما يؤدي إلى غيابه عن دائرة الاهتمام المستمر رغم أهميته التاريخية”، داعيًا إلى إحياء الذكرى سنويًا عبر حملات توعوية وبرامج نقاشية تعزز الذكرى كرمز نضالي دائم في الوعي الجمعي، شبيه بمحطات الاستقلال في تجارب الشعوب الأخرى، بما يعزز الموقف الشعبي الرافض لأي وجود أجنبي، ويجدّد الارتباط بقيم السيادة الوطنية.

ويؤكد أن الإعلام يمتلك القدرة على تحويل هذه الذكرى إلى محطة تعبئة ووعي وطني إذا ما جرى ربطها بالواقع السياسي الراهن والتحديات التي يواجهها اليمن اليوم.

جذور الهيمنة وسقوط مرحلة الوصاية
قبل لحظة خروج المارينز من صنعاء، كان النفوذ الأمريكي يتغلغل في مفاصل الدولة اليمنية بصورة مباشرة، متجاوزًا الأطر الدبلوماسية التقليدية إلى أدوار أمنية وسياسية وعسكرية عميقة التأثير.

لم يكن الوجود الأجنبي مجرد تمثيل رسمي، وإنما تحوّل إلى مركز إدارة للقرار الوطني، رافقته ترتيبات عسكرية مكثفة، وتحركات أمنية هدفت إلى تثبيت النفوذ الخارجي وضمان استمراريته.

وامتد التدخل الأمريكي ليشمل الاقتصاد ومجالات التنمية، حيث فُرضت سياسات عطّلت قدرات الدولة الإنتاجية وأضعفت مؤسساتها، بما يخدم مصالح القوى المتدخلة، ويحول دون بناء يمن مستقل قادر على إدارة موارده وثرواته.

وبحسب عضو المكتب السياسي لأنصار الله الدكتور حزام الأسد، فقد جاء خروج المارينز بوصفه نتيجة طبيعية لتحول شعبي وسياسي رافض لهذه الهيمنة، ومقدمة لمرحلة جديدة عنوانها استعادة السيادة والاستقلال الوطني.

وفي حديثه لموقع أنصار الله يوضح الدكتور الأسد أن الوجود الأمريكي في اليمن لم يكن -يومًا- تعاونًا أو تدريبًا كما كان يُسوَّق له، بل تموضعًا مباشرًا لإدارة التدخلات السياسية والعسكرية والأمنية، مشيرًا إلى أن السفارة الأمريكية تحولت إلى مركز قيادة فعلي يتجاوز الدور الدبلوماسي التقليدي.

ويبيّن أن تمركز قوات المارينز وتحويل محيط السفارة إلى ثكنة عسكرية يهدف إلى ترسيخ النفوذ الأمريكي وطمأنة أدواته الداخلية، في وقت تنفذ فيه الطائرات الأمريكية ضربات داخل الأراضي اليمنية دون أي موقف رسمي رافض.

ويشير إلى أن الهيمنة الأمريكية امتدت إلى الجانب الاقتصادي عبر تعطيل مسارات التنمية الزراعية والصناعية، وإضعاف مؤسسات الدولة، ومنع اليمن من استثمار ثرواته الطبيعية بما يخدم مصالح واشنطن وحلفاءها.

ويؤكد أن خروج المارينز يكشف حقيقة النفوذ الأمريكي بوصفه عبئًا على اليمن وأداة لمصادرة السيادة ونهب الثروة، وأن العدوان اللاحق على البلاد يشكّل رد فعل انتقامياً بعد سقوط مشروع الوصاية المباشرة.

وعي وطني دائم
تمثل ذكرى خروج المارينز من صنعاء محطة تاريخية مهمة، تختزل تحوّلًا عميقًا في علاقة اليمن بالهيمنة الخارجية، وفي وعي شعب أدرك أن السيادة مسار نضالي مستمر.

فهذه اللحظة كشفت أن إرادة الشعوب قادرة على كسر مشاريع الوصاية مهما بلغت قوتها، وأن استقلال القرار الوطني هو المدخل الحقيقي لبناء دولة حرة وقادرة.

غير أن تحويل هذا الحدث إلى رمز دائم يتطلب جهدًا إعلاميًا واعيًا يعيد استحضاره سنويًا ضمن خطاب وطني يربط الماضي بالحاضر، ويجعل منه أداة تحصين مجتمعي ضد أي عودة للنفوذ الأجنبي بأشكال جديدة.

وفي ظل استمرار الصراعات الإقليمية ومحاولات إعادة تشكيل النفوذ في المنطقة، تبقى هذه الذكرى فرصة لتجديد الوعي بخطورة الهيمنة، وترسيخ ثقافة الرفض الشعبي للتدخل الخارجي، وتعميق الانتماء لقيم الاستقلال والسيادة.