“إسرائيل” وإهلاك الحرث والنسل: الحرب على الزراعة كأداة إخضاع

0

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
12 فبراير 2026مـ – 24 شعبان 1447هـ

في الحروب الكبرى تُقصف المدن، وتُستهدف البنى التحتية، ويُقتل المدنيون تحت ذرائع أمنية وعسكرية شتى، لكن الأخطر من ذلك كله هو حين تتحول الأرض نفسها إلى هدفٍ مباشر؛ حين تُرشّ الحقول بالسموم، ويفتك بالأشجار، ويُحكم على الفلاحين بالموت عبر تجفيف مصادر رزقهم، هنا لا يعود العدوان مجرد مواجهة عسكرية، بل يتحول إلى سياسة اقتلاعٍ ممنهجة، تمسّ الحرث والنسل معا، وهذه هي النفسية اليهودية الإجرامية عبر التاريخ التي لا تتورع عن ارتكاب أي جريمة.

في الجولان السوري المحتل، كما في محيط القنيطرة، عمد العدو الإسرائيلي إلى رشّ المحاصيل الزراعية بمواد كيميائية شديدة السمية، الأمر ذاته يتكرر في جنوب لبنان، حيث لطالما شكّلت الحقول الممتدة بمحاذاة “الخط الأزرق” مصدر رزقٍ لعشرات القرى الحدودية، فبعد سنوات من القصف والعدوان الإسرائيلي، واستشهاد جرح الآلاف من المدنيين، وتهجير السكان، يأتي العدو الإسرائيلي بسياسة رشّ السموم ليكمل ما بدأته النيران، تُصاب المحاصيل بالجفاف المفاجئ، تتغير ألوانها، تموت قبل أوانها، وتخسر العائلات موسماً زراعياً كاملاً في لحظة واحدة، إنها الصهيونية الإجرامية على أصولها.

هذه الهجمة التي وثقتها تقارير حقوقية وميدانية في ريف القنيطرة السوري والقرى الحدودية اللبنانية خلال يناير 2026، كشفت عن الوجه الحقيقي الإجرامي للصهيونية والذي يتجاوز القذائف نحو تسميم المستقبل؛ إذ أظهرت الفحوصات المختبرية لوزارتي الزراعة والبيئة في دمشق وبيروت أن التربة تحولت إلى خزان للسموم المزمنة بفترة بقاء تتجاوز 180 يوماً. إن “عسر التوازن الميكروبي” الذي أحدثته هذه المواد ليس عرضاً جانبياً، بل هو استهداف مباشر لخصوبة الأرض، يرافقه خطر التسرطن الذي حذرت منه الوكالة الدولية لأبحاث السرطان، ما يجعل من كل حبة قمح أو ثمرة زيتون في تلك المناطق مشروع شهادة تحت وطأة السموم الصهيو-أمريكية.

التسلسل الزمني للعمليات
اتسمت العمليات الإسرائيلية العدوانية في مطلع عام 2026 بنمط تصاعدي ومنظم، حيث بدأت في الجبهة السورية قبل أن تنتقل إلى الجبهة اللبنانية، ما يوحي بوجود خطة عدوانية موحدة تندرج ضمن سياسة الإبادة الجماعية التي ينتهجها العدو الإسرائيلي، ففي المرحلة الأولى، والتي بدأت في يومي 26 و27 يناير 2026، رصدت التقارير الميدانية والجهات الحقوقية قيام طائرات زراعية إسرائيلية بالتحليق على ارتفاعات منخفضة ورش مواد كيميائية مجهولة فوق القرى والبلدات السورية المحاذية لخط “فض الاشتباك” في الجولان المحتل. شملت هذه العمليات قرى “العشة”، “كودنة”، “الأصبح”، وبلدة “الرفيد” في ريف القنيطرة الجنوبي. تكررت هذه العمليات للمرة الثالثة خلال أسبوع واحد في 30 يناير، حيث استهدفت مناطق في ريف القنيطرة الأوسط والشمالي، ما أدى إلى تلف فوري في المحاصيل الشتوية والمراعي الجبلية.

تزامن هذا النشاط العدواني مع عمليات ميدانية شملت إطلاق النار بالرشاشات الثقيلة باتجاه الأراضي الزراعية القريبة من منطقة التل وبلدة كودنة، ما خلق حالة من الرعب منعت المزارعين من الوصول إلى أراضيهم لتقييم الأضرار. وفي هذا العدوان لم يلتزم العدو الإسرائيلي حتى بالاتفاقيات التي وقعتها سلطة الأمر الواقع في سوريا مع الكيان الصهيوني مطلع العام الجاري، وهذا مؤشر أن ما سمي بالاتفاق الأمني مع الكيان الصهيوني هو في جوهره تنازل عن كامل السيادة مقابل بقاء الجولاني في السلطة.

في المرحلة الثانية من العمليات العدوانية الإسرائيلية على الأراضي الزراعية العربية والتي استهدفت الجنوب اللبناني في 1 فبراير 2026 حيث كشفت التحاليل المختبرية التي أجرتها وزارتا الزراعة والبيئة في لبنان، بالتعاون مع مختبرات دولية، فقد أظهرت العينات المأخوذة من التربة والنباتات في عيتا الشعب أن المادة الأساسية هي “الجليفوسات” (C3H8NO5P)، وهو مبيد أعشاب جهازي واسع النطاق. تكمن خطورة هذه المادة في قدرتها على اختراق أنسجة النبات وتثبيط إنزيم (EPSPS)، ما يؤدي إلى توقف بناء البروتينات الضرورية ونفوق النبات بالكامل خلال أيام قليلة.

النقطة الأكثر إثارة للقلق في نتائج المختبرات اللبنانية والسورية كانت في مستويات التركيز، لاسيما حيث وُجد أن تركيز الجليفوسات في المناطق المستهدفة يتجاوز المعدلات الطبيعية المسموح بها عالمياً في الاستخدام الزراعي بـ 20 إلى 30 ضعفاً، وفي بعض التقارير وصلت النسبة إلى 50 ضعفاً.

هذا التركيز الهائل يحول المادة من “مبيد أعشاب” إلى “عامل تعقيم حيوي” للتربة. فبينما يتحلل الجليفوسات في الظروف العادية خلال فترة تتراوح بين 7 إلى 60 يوماً، فإن التركيزات العالية تؤدي إلى تراكم نواتج التحلل مثل مادة (AMPA) التي تتميز ببقاء أطول في التربة وقدرة أعلى على الارتباط بجزيئات الطين، ما يهدد بآثار سمية تمتد لسنوات.

التصنيف الصحي والبيئي
وفي ما يتعلق بالتصنيف الصحي والبيئي (IARC 2026) تؤكد الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC) تصنيف الجليفوسات ضمن المجموعة (2A) كـ “مسرطن محتمل للإنسان”. وتؤدي التركيزات المرصودة في جنوب لبنان وسوريا إلى مخاطر حادة تشمل: تهيج الجهاز التنفسي والعيون للسكان القريبين، وتأثيرات سمية على الأطفال وكبار السن، وزيادة احتمالات الإصابة بسرطان الليمفوما غير الهودجكينية نتيجة التعرض المستمر للمتبقيات في التربة والغبار.

وقد سجلت تركيزات مادة “الجليفوسات” في التربة مستويات مرعبة تراوحت بين 150 و200 ملجم/كجم، وهي أرقام تتجاوز المعدلات العالمية الموصى بها بنسب فلكية تصل إلى 3000%، ما يحول التربة من مهد للحياة إلى مصيدة للموت الزؤام.

كما أظهرت التحليلات أن فترة البقاء المتوقعة لهذه السموم (نصف العمر) تجاوزت الـ 180 يوماً، مقارنة بـ 60 يوماً كحد أقصى في الظروف الطبيعية، وهو ما يكرس حالة من “السمية المزمنة” التي لا تمنح الطبيعة فرصة للتعافي. ومن رحم هذا التلوث الممنهج، برزت ظاهرة “العسر الميكروبي” التي تضرب التوازن الحيوي في مقتل، حيث تتعرض الكائنات الدقيقة المسؤولة عن خصوبة الأرض للإبادة، ما يعني -عملياً- إعدام قدرة المنطقة على الإنتاج الزراعي، وهذا الإجرام يفسر الطبيعة العدوانية لليهود الذين يسعون في الأرض الفساد كصفة لازمة لهم عبر التاريخ.

وعلى جبهة التنوع الحيوي، لم يكن النحل والملقحات بمعزل عن هذا الاستهداف الصهيو-أمريكي الممنهج للبيئة العربية، إذ تحول رحيق الأزهار إلى جرعات قاتلة تفتك بأطنان النحل، مسببة انهياراً في سلاسل الإمداد الطبيعية التي تعتمد عليها آلاف المحاصيل.

غزة نموذج للإجرام الصهيوني
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يجاهر فيها العدو الصهيوني باستهداف المحاصيل الزراعية، فقد ارتكب العدو هذه الجريمة في قطاع غزة عدة مرات ومنذ عام 2014، دأب الكيان الإسرائيلي على رش المبيدات مرتين سنوياً لخلق شريط بعمق 300 إلى 1000 متر يُمنع فيه نمو أي نبات يتجاوز طوله متراً واحداً، والهدف كما يقول العدو الصهيوني هو توفير رؤية بصرية واضحة لأنظمة المراقبة والقناصة، وبمعنى آخر فإن العدو الإسرائيلي يستبيح كل عائق يحول دون قتل المدنيين حتى وإن كان عائقا طبيعيا فما يهم العدو، ظهور الأم العربية في مرمى القناص الصهيوني بشكل جيد.

يمثل القطاع الزراعي في جنوب لبنان وريف القنيطرة السوري أكثر من مجرد مورد مالي؛ إنه الركيزة الأساسية للصمود الاجتماعي والارتباط بالأرض.

في جنوب لبنان يعد التبغ المحصول النقدي الأساسي لآلاف العائلات في القرى الحدودية مثل عيتا الشعب، رميش، ويارون. أدى قيام العدو الإسرائيلي بالرش الكيمائي في فبراير 2026 إلى تدمير شتول التبغ في مراحل نموها الحرجة، ما يعني فقدان الموسم بالكامل. وبالمثل، تضررت كروم الزيتون التي تشكل موروثاً تاريخياً واقتصادياً، حيث يؤدي الجليفوسات -بتركيزاته العالية- إلى “الموت التراجعي” للأغصان، وتلف الجذور.

وفي القنيطرة السورية استهدف العدو الإسرائيلي مناطق الرعي والمحاصيل الحقلية مثل القمح والعدس. وحذرت مديرية زراعة القنيطرة من أن تلوث المراعي سيؤدي إلى نفوق الماشية أو تراجع إنتاجيتها، مما يهدد الأمن الغذائي المحلي في محافظة تعاني -أصلاً- من آثار العدوان الممتد.

وفقاً لتقرير منظمة الأغذية والزراعة (FAO) في نهاية عام 2025، بلغت الخسائر الاقتصادية الكلية في القطاع الزراعي اللبناني نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية نحو 586 مليون دولار. إن عمليات الرش الكيميائي في مطلع 2026 ترفع هذه الفاتورة، وتجعل عملية التعافي شبه مستحيلة في ظل التلوث طويل الأمد للتربة والمياه الجوفية.

من الناحية العلمية الصرفة، يمثل الرش الكيميائي بتركيزات 30-50 ضعفاً كارثة زراعية تتطلب عقوداً للإصلاح، كما يعمل الجليفوسات على تغيير درجة حموضة التربة (pH)، ويقتل البكتيريا النافعة والفطريات الجذرية (Mycorrhizae) التي تساعد النباتات على امتصاص الفوسفور والنيتروجين. هذا يؤدي إلى حالة من “عقم التربة الوظيفي”، حيث تظل العناصر الغذائية موجودة ولكن النبات غير قادر على امتصاصها.

ويشير خبراء البيئة إلى أن عملية “تطهير” المناطق الحدودية من سموم الجليفوسات تتطلب:

1. المعالجة النباتية (Phytoremediation): زراعة أنواع معينة من النباتات غير الغذائية التي تملك قدرة عالية على امتصاص المتبقيات الكيميائية من التربة وتخزينها في أنسجتها، ثم التخلص من هذه النباتات كنفايات خطرة.

2. التنشيط الميكروبي: حقن التربة بسلالات بكتيرية متخصصة قادرة على تسريع تحلل روابط الكربون والفوسفور في مادة الجليفوسات.

3. الحظر الزراعي المؤقت: يجب منع استخدام الأراضي التي تعرضت للرش في إنتاج الغذاء لمدة لا تقل عن 24 إلى 36 شهراً لضمان نزول مستويات المتبقيات تحت “حد التسامح” (Tolerance Limit) الدولي.

إجرام دون رادع
وكالعادة فإن الحكومات العربية تكتفي بالصمت أو الإدانة في الحد الأقصى، فإن الحكومة اللبنانية، اكتفت بالإدانة ووصف العملية الإسرائيلية العدوانية بـ”الجريمة البيئية والصحية”، كما عملت أيضا على إعداد “ملف علمي وقانوني متكامل” لتقديمه إلى مجلس الأمن الدولي والمحكمة الجنائية الدولية.

أما حكومة الجولاني فهي كالعادة، لا ترى ولا تسمع ما يعمله العدو الصهيوني من إجرام في الأراضي السورية، وكما سكتت عن احتلال العدو الإسرائيلي لمساحات واسعة من القنيطرة وغيرها من المناطق، فإن الأمر أمام الجريمة الأخيرة للعدو الإسرائيلي المتمثلة برش السموم الكيمائية على الموارد الزراعية، لا ترقى إلى مستوى الإدانة في قاموس الجولاني وحكومته، فما يهمهم هو البقاء في السلطة مهما كانت التضحيات.

ختاما
إن ما جرى في ريف القنيطرة وجنوب لبنان هو حلقة في مسار طويل من استهداف العدو الإسرائيلي للإنسان عبر استهداف أرضه، من الرصاص الذي حصد الأرواح، إلى الجليفوسات الذي يحصد المواسم ويهدد الأجيال، تتكامل أدوات العدوان لتطال مقومات البقاء نفسها، فتجعل من التربة ساحة حربٍ مؤجلة، ومن الهواء والماء ناقلين صامتين للضرر.

إن إقدام العدو الإسرائيلي على تسميم الأرض، وتخريب التوازن الميكروبي للتربة، وضرب الملقحات والتنوع الحيوي، كلها مؤشرات على انتقال الصراع من مواجهة عسكرية مباشرة إلى حرب استنزاف بيئي واقتصادي طويلة الأمد، إنها محاولة لتحويل القرى الحدودية إلى مناطق طاردة للحياة، وإرغام سكانها على دفع ثمن البقاء فوق أرضهم.

وأمام الهمجية الإسرائيلية والصمت الدولي المخزي، ندرك جيدا أهمية الجهاد في سبيل الله لمواجهة اليهود الذين يسعون في الأرض فسادا، وإذا لم يتحرك الجميع لإنهاء هذا السرطان فإن الخطر اليهودي سيعم كل أرجاء الدنيا ويفتك بالبشرية أكثر مما حدث ويحدث.