مؤتمر باريس البحري.. اعتراف غربي بتحوّل ميزان القوة في البحار

1

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
11 فبراير 2026مـ – 23 شعبان 1447هـ

لم يعد البحر -كما افترضت القوى الغربية لعقود- مجالًا مفتوحًا للهيمنة الآمنة، أو ساحةً محكومة بالتفوق التقني وحده، فمع تصاعد المواجهات في البحر الأحمر برز واقع جديد فرضته معادلات ميدانية غير متوقعة، كشفت حدود القوة البحرية التقليدية، وأعادت تعريف مفهوم السيطرة في البيئات البحرية. وفي هذا السياق جاء مؤتمر باريس البحري -في نسخته الرابعة- ليعكس تحوّلًا عميقًا في التفكير العسكري الغربي، فنقاشات المؤتمر ليست متركزة –كسباقاتها– على توسيع النفوذ أو استعراض القوة، وإنما انصبت على استيعاب الصدمة العملياتية التي أحدثتها القوات المسلحة اليمنية، وما ترتب عليها من انهيار لافتراضات راسخة في العقيدة البحرية الغربية.

لقد تحوّل البحر الأحمر من ممر ملاحي استراتيجي إلى مختبر حقيقي لاختبار توازنات القوة والإرادة والتكتيك، وهو ما جعل المؤتمر محطة اعتراف صريح بأن زمن التفوق غير المتنازع عليه قد انتهى.

منذ سقوط جدار برلين على الأقل، تمتعت القوات البحرية الغربية، ولا سيما البحرية الأمريكية، بِحُرية كاملة في العمل البحري، دون مواجهة أي معارضة حقيقية، وقد مكّنها ذلك من بسط نفوذها في جميع أنحاء العالم، وتشكيل بنيتها وتنظيمها ولوجستياتها لتحقيق هذا الهدف، لكن مع بروز القوات المسلحة اليمنية بأسلحتها النوعية وإيمانها الراسخ، صارت تُشكّل الآن تحديًا جديدًا، فلم يعد المحيط الملاذ الآمن الذي كان عليه في السابق، فالبحرية اليمنية وما حققته من إنجازات خلال إسناد غزة خلقت آثارا تنظيمية وعملياتية ولوجستية ترتب عليها تبعات على شكل القوات المنتشرة، وحجم الأطقم، وتنظيم القاعدة الخلفية والدفاع عنها.

في مطلع فبراير الجاري عقد مؤتمر باريس بنسخته الرابعة، وجمع قادة البحرية من أمريكا وبريطانيا وهولندا وإيطاليا وفرنسا، وبدلا من مناقشة سبل تعزيز السطوة الغربية على البحار، سيطرت المخاطر التي أحدثتها القوات البحرية اليمنية على أوراق المؤتمر والذي اكتفى بضرورة الاستفادة من المعارك الضارية في البحر الأحمر.

القادة الغربيون أجمعوا على أن عمليات اليمن في البحر الأحمر غيّرت مفاهيم القتال البحري، وأجبرت القوى الغربية على إعادة تقييم عقيدتها العسكرية، مع التركيز على التدريب تحت الضغط، الاستعداد الدائم، والتعامل مع تهديدات غير متماثلة تشمل المسيّرات والصواريخ الباليستية.

معركة البحر الأحمر مدرسة للأكاديميات الغربية
قائد العمليات البحرية الأمريكية، الأدميرال داريل كودل، كشف أن مشروع «الأسطول الذهبي» لا يقتصر على بناء سفن جديدة، بل يمثل إعادة تصور شاملة لمستقبل البحرية الأمريكية، في ظل التحولات المتسارعة في طبيعة التهديدات البحرية حول العالم، وأوضح كودل أن الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية الجديدة تعطي أولوية لما وصفه بـ«حماية الوطن» ونصف الكرة الغربي، مشيراً إلى أن برامج بناء السفن الجديدة تهدف إلى تكييف القوة البحرية الأمريكية لمواجهة التهديدات المتنامية عالمياً، بالتعاون مع الحلفاء.

وفي حديثه عن التطورات الميدانية، اعتبر الأدميرال كودل أن عمليات البحر الأحمر شكّلت «فرصة حيوية» للتعامل مع واحدة من أعقد المهام البحرية، لافتاً إلى أن تعرض المجموعات الضاربة والمدمرات الأمريكية لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة في البحر الأحمر يُعد حدثاً غير مسبوق منذ الحرب العالمية الثانية.

وأضاف أن المنظومة العملياتية التي جرى تطويرها -نتيجة هذه المواجهات- أصبحت اليوم جزءاً من مراكز تطوير القتال في الولايات المتحدة، بما يعكس حجم الدروس المستفادة من تلك التجربة.

من جانبه، أكد رئيس أركان البحرية الفرنسية، الأدميرال نيكولا فوجور، أن القوات البحرية الغربية تمر بمرحلة تفرض إعادة النظر في أساليب التدريب وطرق اختبار القدرات القتالية، مشيراً إلى أن ما تم رصده في البحر الأحمر كشف عن نطاق واسع جداً من التهديدات.

وأوضح “فوجور” أن هذه التهديدات لم تقتصر على الطائرات المسيّرة الصغيرة، بل شملت مسيّرات أكبر حجماً، ومسيّرات سطحية، إضافة إلى صواريخ مضادة للسفن وصواريخ باليستية، ما يعكس تغيراً جذرياً في طبيعة المواجهات البحرية الحديثة.

من جانبه أوضح الكابتن جيروم هنري، رئيس قسم تدريب أفراد البحرية السطحية، أن البحرية الفرنسية تجري تجارب محاكاة جديدة تهدف إلى وضع الأطقم في “مواقف متزايدة التوتر”. هنري -الذي قاد سابقًا الفرقاطة “ألزاس” وتعرض لهجمات متكررة في البحر الأحمر- أكد أنه يوظف خبراته الميدانية لتقوية الأطقم وإعدادها لمواجهة ظروف القتال عالية الكثافة.

وأشار هنري -في حديثه لموقع ديفنس نيوز- إلى أن الضغط الشديد يُفقد الأفراد جزءًا من رباطة جأشهم، ويؤدي إلى ما يُعرف بـ”ضيق الأفق”، مضيفًا أن التحدي يكمن في كيفية إعداد الأطقم لمثل هذه الظروف. وأوضح أن التعديلات التدريبية تشمل: رفع معدل ضربات القلب عبر الجري أو تمارين الضغط قبل دخول أجهزة المحاكاة – إضافة الضوضاء والدخان وأسراب الطائرات المسيّرة – وإدخال أعطال متعمدة في الأسلحة لزيادة الحمل الحسي.

وبيّن هنري أنه استلهم هذه الأساليب من تدريبات الكوماندوز البحرية الفرنسية، ويسعى للاستفادة من خبرات القوات الأمريكية والإسرائيلية في هذا المجال. وأكد أن الهدف هو رفع مستويات التوتر “إلى أقصى حد ممكن” لضمان ردود فعل صحيحة في الميدان، مشيرًا إلى أن التجربة في البحر الأحمر أظهرت خطورة فقدان السيطرة تحت الضغط.

من جانبه، شدد الأدميرال هارولد ليبريجز، قائد البحرية الملكية الهولندية، على أن أهم درس مستفاد من البحر الأحمر هو ضرورة الاستعداد الدائم، موضحًا أن زمن الاستعداد بعد مغادرة الميناء قد انتهى، وأن كل شيء يجب أن يكون واقعيًا منذ البداية. ولفت إلى أن الضابط بول بيليفيلد، الذي قاد سفينة الدعم كاريل دورمان خلال انتشارها في البحر الأحمر، أصبح اليوم قائد التدريب البحري، لينقل الدروس المستفادة إلى الجيل الجديد.

أما الكابتن برايان مكافور، نائب مساعد رئيس أركان الحرب المعلوماتية في البحرية الملكية البريطانية، فقد أقر بأن القوات البحرية الغربية تفتقر إلى خبرات القتال عالي الكثافة، مشيرًا إلى أن تقلص عدد السفن ومشاكل الصيانة أثرت على مستوى التدريب، ودعا إلى استثمارٍ أكبر في التدريب القتالي للحفاظ على “روح القتال”، مستشهدًا بأن الفترة منذ حرب الفوكلاند أطول من الفترة الفاصلة بين تلك الحرب والحرب العالمية الثانية، وهو ما جعل القوات أقل جاهزية.

وأضاف أن البحر الأحمر مثّل “إعادة اكتشاف” للتهديدات منخفضة المستوى، مع التركيز على الأسلحة الصغيرة والدفاعات متعددة الطبقات، بما في ذلك التشويش والصواريخ الخفيفة والموجهة بالليزر. وأوضح أن تمرين الطائرات المسيّرة السنوي “وايلدفاير” ركّز على خطر التشبع بالنيران واحتمال وقوع أخطاء في بيئة مزدحمة.

كما تعمل البحرية الفرنسية على تقليل الانبعاثات اللاسلكية أثناء التدريبات، والاعتماد على انبعاثات العدو لبناء الوعي الظرفي، إضافة إلى تقليل الاعتماد على أنظمة تحديد المواقع عبر الأقمار الاصطناعية باستخدام أنظمة ملاحة بالقصور الذاتي ورصد النجوم. وأشار هنري إلى تمارين “العودة إلى الثمانينيات” التي تتضمن التخلي عن الاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية، والاكتفاء براديو HF وUHF، مع الحرص على الاقتصاد في تبادل المعلومات.

وفي السياق ذاته، حذّر الكابتن فلوريان الأحدب، قائد الفرقاطة الفرنسية لانغدوك، من أن الحرب السيبرانية قد تفقد القوات البحرية قدراتها “في أسوأ لحظة ممكنة”. وأكد أن الاستعداد لمثل هذه الاحتمالات يتطلب تدريبات تحاكي فقدان الاتصالات، والاعتماد على أساليب قديمة. وأضاف أن بحارة اليوم يعكسون واقع المجتمع المعاصر، وقد يواجهون صعوبة في العمل بدون الأدوات الحديثة، مشددًا على أن هذا التحدي يستحق الاستكشاف بجدية.

عنصر المفاجأة في معركة البحر الأحمر
وقياسا بحجم المعركة في البحر الأحمر وما أحدثته فإن الاعترافات الغربية ليست مستغربة، فالقوى الغبية ‘بقيادة الولايات المتحدة- هي من تفاجأت بالواقع الميداني المعقّد الذي فرضه الجيش اليمني والذي يختلف تماما مع الحسابات التي بُنيت على التفوق التقني المصحوب بالحروب النفسية، فالغرب -وطيلة العقود الماضية- يعتمد على تفوقه التقني الحاسم وبما يضمن له الانتصار في أي مواجهات بحرية، غير أن ما جرى في البحر الأحمر كشف العيوب الجوهرية للتقنية الغربية أمام وسائل منخفضة الكلفة وعالية التأثير تمكنت خلال فترة وجيزة من خلط الأوراق والتفوق على تلك التقنيات. وبالتالي فالأساليب والتكتيكات اليمنية أفشلت الحسابات الغربية التي اعتقدت أنها قادرة على حسم المعركة مع الجيش اليمني بسرعة فائقة بناءً على التفوق التقني والتكنولوجي.

أما في الجانب المعنوي فقد أثبتت القوات المسلحة اليمنية أن التقنية لا تحسم المعركة، فالحرب -بالدرجة الأساسية- هي هرب إرادة، وهو ما أدى إلى إجبار الغرب والولايات المتحدة على إعادة النظر في العقيدة العسكرية على مستويات التدريب والمناهج والوسائط والإمكانات المستخدمة، بعد أن واجهوا واقعاً مغايراً في البحر الأحمر.

المثير في اعترافات الكابتن برايان مكافور، نائب مساعد رئيس أركان الحرب المعلوماتية في البحرية الملكية البريطانية، أنه أقر بضرورة عدم الاعتماد الكامل على الاتصالات الفضائية، لأنها جعلت القوات الغربية مكشوفة أمام القدرات اليمنية، كما حدث خلال العمليات في البحر الأحمر، وبيّن أن ذلك يعكس امتلاك الجيش اليمني إمكانات متقدمة على مستويين: الأول يتعلق بالقدرات الاستخبارية والرادارية والتقنية التي مكنت من رصد الاتصالات الفضائية بين السفن وغرف القيادة وتحديد مواقعها وضربها، والثاني يتمثل في قدرات تكنولوجية متقدمة في مجال التعمية والتشويش على الاتصالات، ما أثار مخاوف غربية من تعطّل الاتصال بين القطع الحربية، ودفع بعضهم إلى الحديث عن ضرورة العودة إلى تقنيات الثمانينيات وتدريباتها.

يمكن القول إن القوات المسلحة اليمنية هي من أجادت استخدام عنصر المفاجأة، وهو عامل حاسم في الحروب، حيث أدخلت الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية في المعارك البحرية لأول مرة في التاريخ، بالإضافة لاستخدام تكتيكات معقدة ومرنة كالعمليات المشتركة بالصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيرة وتزامنها في الوصول إلى الأهداف بالرغم من الفارق الكبير في سرعتها، ناهيك عن الاستخدام الذكي في الرصد الاستخباري والتشويش وتحقيق الأهداف بدقة. كل هذه العوامل شكلت صدمة كبيرة لغرف عمليات العدو.

عنصر المفاجأة والاستخدام الأمثل للتقنيات مع سرعة اتخاذ القرار وبجرأة غير معهودة أجبرت القوى الكبرى -كالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وهولندا التي اعتادت فرض سيطرتها على الممرات والمحيطات- على الاعتراف بأنها واجهت تهديدات غير مسبوقة في البحر الأحمر، سواء على مستوى الأدوات المستخدمة أو كثافة العمليات أو الضغط المستمر أو عمليات الرصد والتعمية والتشويش، والتي أدت -في نهاية المطاف- إلى مغادرة منطقة البحر الأحمر دون تحقيق أي نتائج.

البحرية الغربية تدرك الهزيمة في البحر الأحمر
الإنجازات التي راكمتها القوات المسلحة اليمنية عززت الهزيمة الإدراكية في العقلية العسكرية الغربية بعدما أدى الضغط والارتباك النفسي الناتج عن العمليات اليمنية إلى تكوين صورة راسخة لدى القيادات البحرية الغربية بأن العودة إلى هذا المسرح مستقبلاً ستكون محمّلة بمخاطر وتهديدات غير متوقعة، مع بقاء عنصر المفاجأة حاضراً في أي مواجهة قادمة، خاصة وأن القوات المسلحة اليمنية أظهرت تطورا ملحوظا في كل عملية بحرية عن سابقاتها، بإقرار البحرية الأمريكية التي أقرت في وقت سابق بأن الجيش اليمني يستخدم أسلحة وصواريخ متطورة مع كل مواجهة بحرية. وهذه الاعترافات لا تمثل سوى “رأس جبل الجليد”، إذ كانت القوى الغربية تعتقد أن التطور التقني الهائل وثورة الاتصالات والمعلومات جعلت الجغرافيا عاملاً ثانوياً، وأنه لم تعد هناك مناطق آمنة أو صعبة المنال.

ويمكن القول إن معركة البحر الأحمر أعادت الاعتبار للجغرافيا كلاعب رئيس في نظريات الجيوبوليتيك والاستراتيجيات العسكرية، وأثبتت أن السيطرة التقنية وحدها لا تكفي لفرض الهيمنة، وأن الجغرافيا ما تزال عاملاً حاسماً في موازين الصراع. وهذا الجانب كان أحد المفاجآت للجيش اليمني بعدما تمكن من استهداف السفن على مسافات بعيدة من مناطق جبلية بعيدة عن سواحل البحر.

حاملات الطائرات من عنصر قوة إلى عنصر ضعف
إضافة إلى الإنجاز التقني والتكنولوجي اليمني فإن حاملات الطائرات والقوات البحرية الضخمة التي تمثل رمز القوة الأمريكية تحولت -وفق اعترافاتهم- من عنصر قوة إلى عنصر ضعف رغم امتلاكها تقنيات متقدمة، لأن التكتيكات اليمنية ووسائط القتال منخفضة الكلفة أربكت تلك المنظومات وفرضت واقعاً جديداً، بل ونجحت في فرض حصار بحري من البر. وبالتالي فإن النتائج التي أحدثتها معركة البحر الأحمر تجاوزت إطار المواجهة العسكرية المباشرة لتجعل اليمن نقطة مرجعية في تقييم الاستراتيجيات العسكرية، فتصريحات قيادات بحرية أمريكية أقرت بأن ما جرى أصبح أساساً يُبنى عليه في صياغة الخطط التدريبية والاستراتيجية مستقبلاً، ما يعني أن التحديات التي فرضتها العمليات اليمنية تجاوزت نظريات الجيوبوليتيكية لتصل إلى مستوى التقنيات المتقدمة وأساليب التدريب والاستراتيجيات العسكرية، الأمر الذي أجبر الغرب على إعادة تقييم فرضيات السيطرة المطلقة التي اعتمد عليها لعقود، وما سيترتب على ذلك من كلفة مادية ومعنوية على حد سواء.

 

ختاما
تكشف مخرجات مؤتمر باريس البحري -بما حملته من اعترافات مباشرة وغير مباشرة- أن معركة البحر الأحمر تُعَد تحوّلًا استراتيجيًا مسّ جوهر التفكير العسكري الغربي، فقد أثبتت التجربة أن التفوق التقني لا يكفي لحسم الصراعات، وأن الإرادة، والجغرافيا، والقدرة على توظيف أدوات منخفضة الكلفة بذكاء وجرأة قادرة على تقويض أعقد المنظومات البحرية، كما رسّخت العمليات اليمنية قناعة لدى القيادات الغربية بأن السيطرة على البحار لم تعد مسألة أدوات متفوقة، بل معادلة مركبة يتداخل فيها النفس الطويل والاستعداد الدائم وعامل المفاجأة. وبذلك، فمعركة البحر الأحمر باتت محطة مفصلية أعادت رسم حدود القوة البحرية، وفرضت على الغرب مراجعة عقيدته وهيبته البحرية في عالم لم تعد فيه البحار فضاءً مضمونًا للهيمنة.