هل تدفع فضائح إبستين ترامب نحو حرب مع إيران؟
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
5 فبراير 2026مـ – 17 شعبان 1447هـ
تقريــر || محمد ناصر حتروش
تفجّر ملفات جيفري إبستين زلزالاً أخلاقياً يهزّ أركان النظام العالمي؛ إذ تكشف ثلاثة ملايين وثيقة وألفا مقطع فيديو ومئة وثمانون ألف صورة عن منظومة إجرامية متكاملة تورّطت فيها النخبة السياسية والاقتصادية الغربية. وتتجاوز هذه الفضائح مجرد انحرافات فردية لتكشف عن شبكة منظّمة لاختطاف الأطفال واغتصابهم والاتجار بأعضائهم، في تناقض صارخ مع الخطاب الأخلاقي الذي طالما رفعته هذه النخبة شعاراً.
وتسقط هذه الوثائق المرعبة أقنعة الادعاءات الغربية حول حقوق الإنسان والطفل والمرأة، وتفضح الوجه الحقيقي لمن يحاولون فرض قيمهم المنحطة على شعوب العالم. وفيما تتصاعد التساؤلات حول توقيت نشر هذه الفضائح وارتباطها بالمناورات السياسية الأمريكية، يؤكد محللون من محور المقاومة أن ما يجري ليس استثناءً بل منهجية معتمدة لدى النخبة الصهيونية المسيطرة على مراكز القرار في واشنطن.
الأبعاد الجيوسياسية للفضيحة
في هذا السياق، يطرح عضو المكتب السياسي لأنصار الله، محمد الفرح، تساؤلاً محورياً حول التوقيت والدوافع: “هل نشر فضائح إبستين يهدف لدفع ترامب إلى حرب ضد طهران؟”. ويضيف في تغريدة له على منصة “إكس” متسائلاً: “لماذا يبحث ترامب عن ضربات خاطفة ولا يريد حرباً طويلة؟”؛ مردفاً القول: “إذا جئنا لمقاربة هذه الفرضية من زاوية سياسية بحتة، فلا يُستبعَد ذلك؛ إذ إن السياسة الأمريكية دأبت تاريخياً على الهروب من أزماتها وفضائحها الداخلية عبر افتعال الحروب وخلق الأزمات الخارجية. كما أن الصهيونية، في نشاطها السياسي والأمني، تعتمد بدرجة كبيرة على الابتزاز والاستدراج”.
ويكشف تحليل الفرح عن نمط متكرر في السلوك الأمريكي، حيث تلجأ الإدارات المتعاقبة إلى تصعيد التوترات الخارجية كلما تفاقمت أزماتها الداخلية. ويشكّل توقيت نشر ملفات إبستين مؤشراً على احتمالية استخدام هذه الفضيحة كورقة ضغط سياسية، سواء لابتزاز الإدارة الأمريكية أو لدفعها نحو مغامرات عسكرية تصرف الأنظار عن الانهيار الأخلاقي الذي تعيشه المؤسسة الحاكمة، غير أن الفرح يستبعد إمكانية الذهاب إلى حرب شاملة مع إيران.
ويشير إلى أن “النظر بواقعية إلى مدى إمكانية الذهاب إلى حرب مع إيران يُظهر أن هذا الاحتمال ضعيف. فمعلوم عن ترامب أنه رجل صفقات لا رجل حروب؛ يميل إلى التهديد والاستعراض أكثر من الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة، ولا سيما أن الحرب مع إيران ستكون مكلفة للغاية، ونتائجها غير مضمونة، فضلاً عن كونها تهدد المصالح الأمريكية في الخليج، وتشكل خطراً جسيماً على العدو الإسرائيلي والاقتصاد الأمريكي، خاصة إذا ما طال أمدها”.
ويضيف الفرح بُعداً استراتيجياً حاسماً مفاده أن الفضائح لا تُمحى بالحروب؛ فالإعلام الأمريكي والمعارضة لا ينسون بمجرد اندلاع نزاع عسكري، وكذلك الكونغرس. بل إن أي حرب خاسرة ستؤدي إلى مضاعفة الأزمة والفضيحة بدلاً من احتوائها أو تجاوزها، مشيراً إلى أن الخيارات تضيق أمام ترامب، مما يدفعه للتفكير في حرب خاطفة وليست طويلة، وهو ما خيّب أمله الوحيد عندما تغيرت إستراتيجية طهران العسكرية معلنة نهاية حقبة “اضرب واهرب”.
من جانبه، يقدّم عضو المكتب السياسي لأنصار الله، حزام الأسد، قراءة تركّز على طبيعة هذه الجرائم ضمن البنية الصهيونية الأمريكية قائلاً: “لو كانت ملفات وفضائح إبستين خروجاً عن سلوك النخبة الصهيونية في أمريكا، لتمّت محاسبة ترامب وإدارته المتورطة باختطاف واغتصاب وقتل القاصرات والأطفال بمحاكمة عاجلة. لكنها ليست استثناءً، بل منهجية معتمدة مهما حاولوا إخفاءها”.
ويكشف تحليل الأسد عن حقيقة جوهرية: غياب المحاسبة ليس فشلاً في النظام القضائي الأمريكي، بل دليل على أن هذه الممارسات تشكّل جزءاً عضوياً من منظومة السيطرة والابتزاز التي تعتمدها النخبة الحاكمة. ويضيف في تغريدة له: “فالتستر على هذه الجرائم وحماية مرتكبيها يكشف عن تواطؤ مؤسساتي شامل يمتد من الأجهزة الأمنية إلى القضاء والإعلام، وهو ما يؤكد أن الحديث عن ‘دولة القانون’ و’استقلال القضاء’ في أمريكا مجرد شعارات جوفاء تسقط أمام الوقائع الصادمة”.
ويتجاوز حديث الفرح والأسد النظرة السطحية للفضيحة كحالة فردية، ليضعها في سياقها الأوسع كأداة من أدوات السيطرة الصهيونية على مراكز القرار الأمريكية؛ فعبر شبكات الابتزاز الجنسي والجرائم الموثّقة، تضمن هذه النخبة ولاء السياسيين والمسؤولين وخضوعهم التام لأجنداتها، في منظومة محكمة تحوّل الجريمة إلى آلية حكم.
وفي السياق، يطرح علي العماد، عضو المكتب السياسي لأنصار الله، تساؤلات وجودية حول علاقتنا بالغرب وتصديقنا لخطابه رغم أفعاله: “لماذا نصدق ما نسمع منهم ولا نؤمن بما نرى من أفعالهم؟! لماذا ننكر الحقائق حينما ترتبط بهم؟ بينما في واقعنا الداخلي نتقبل أي إشاعة تجاه بعضنا الآخر! ماذا أصابنا؟”؛ ويجيب بحسم: “ها هو الغرب اليوم والأمس، قديماً وحديثاً، ارتبط بحقائق على رأسها أنه إجرامي، دموي، استغلالي، ينظر لبقية البشرية باستحقار”.
تكشف هذه التساؤلات عن أزمة وعي عميقة في المجتمعات التي وقعت تحت تأثير الهيمنة الثقافية والإعلامية الغربية. فرغم التاريخ الطويل من الاستعمار والاستغلال والجرائم، لا تزال شرائح واسعة تنظر إلى الغرب كنموذج حضاري يُحتذى، متجاهلة الوقائع الدامغة التي تكشف حقيقته الوحشية. يمثّل هذا الانفصام بين الخطاب والواقع أحد أخطر نتائج الغزو الثقافي الذي استهدف عقول الشعوب وأعاد تشكيل وعيها لصالح الهيمنة الغربية.
ويضع العماد هذه الفضائح في سياقها التاريخي، مؤكداً أن السلوك الإجرامي والاستغلالي ليس طارئاً بل متأصل في البنية الحضارية الغربية. فمن الاستعمار والإبادات الجماعية إلى الحروب العدوانية والاستغلال الاقتصادي، يشكّل “النظر للآخر باستحقار والتعامل معه كموضوع للاستغلال” سمة جوهرية في الذهنية الغربية، وهو ما تجسّده فضائح إبستين بأبشع صورها.
الجذور التلمودية للانحطاط
أما الناشط عبدالخالق دعبوش فيقدم قراءة فكرية ودينية عميقة للظاهرة، واصفاً جزيرة إبستين بأنها “تجلٍّ شيطاني مكتمل الأركان”. ويضيف في مقال له نُشر على “المسيرة نت”: “حين نتحدث عن اغتصاب الأطفال وعن تحويل البراءة إلى سلعة، فنحن لا نتحدث عن جريمة عادية بل عن انهيار إنساني شامل، عن لحظة يعلن فيها الشيطان انتصاره المؤقت على الضمير العالمي”.
ويربط دعبوش بين ما يجري وبين الآية القرآنية: “وشاركهم في الأموال والأولاد”، موضحاً: “في جزيرة الشيطان لم يغوِ أفراد عاديون بل نخب سياسيون، أصحاب نفوذ، مشاهير، وأصحاب قرار؛ أناس امتلكوا المال والسلطة لكنهم فقدوا الإنسان في داخلهم، وهنا تتجسد أخطر مراحل الغواية حين يموت الضمير ويتحول الإنسان إلى كائن تحكمه الشهوة وحدها”.
ويستدعي دعبوش كلام السيد القائد حفظه الله عن خطورة الشيطان: “الشيطان لا يعمل وحده بل عبر شياطين الإنس والجن، يتبادلون الأفكار، يزينون الجرائم، يغطونها بالقانون، ويصنعون لها واجهة حضارية كاذبة”. ويخلص إلى أن “جزيرة إبستين كانت صوت الشيطان بأوضح صوره؛ صوت يهمس للنخبة: أنت فوق القانون، أنت محمي، كل شيء مباح”.
آليات الابتزاز الصهيوني
وفي حين تكشف فضائح إبستين عن منظومة إجرامية متكاملة تتجاوز الانحراف الأخلاقي الفردي إلى بنية ممنهجة للسيطرة والابتزاز تديرها أجهزة استخباراتية صهيونية لضمان الهيمنة على مراكز القرار الأمريكية، تظهر الملفات جذور هذه المنظومة التي تمتد إلى الفكر التلمودي الذي يوفر الإطار الأيديولوجي لاستباحة الآخر واستعباده.
وفيما تُستخدم جزيرة إبستين كمركز عمليات لتوريط النخب السياسية في جرائم موثّقة وابتزازهم بها لاحقاً، تسقط هذه الفضائح الأقنعة عن النخبة الغربية التي طالما تغنّت بحقوق الإنسان، لتكشف عن واقع مروّع من الجرائم التي تشمل اختطاف الأطفال واغتصابهم والاتجار بأعضائهم، في تناقض صارخ يفضح زيف الادعاءات الغربية ويؤكد أن الخطاب الأخلاقي الذي يرفعه الغرب مجرد شعار لا ممارسة.
يصف الناشط اللبناني أسد قصير ما حصل في “جزيرة القاصرات” بأنه “أسوأ جرائم بحق الإنسانية من أكل لحوم الأطفال وقتلهم اغتصاباً وبيع الفتيات كإماء”، مؤكداً أن ذلك يصدّق تحذيرات الإمام الخامنئي قبل عشرين عاماً من أن “الحضارة الغربية في حقيقتها حضارة متوحشة لا إنسانية”. ويحدد قصير الجذور الحقيقية لهذا الانحطاط في “اللوبيات التلمودية التي سعت في الأرض فساداً”، موضحاً أن الفكر التلمودي يوفر الإطار الأيديولوجي الذي يبرر استباحة الآخر انطلاقاً من نظرة عنصرية تقسّم البشرية إلى “شعب مختار” وآخرين يُنظر إليهم كحيوانات في هيئة بشر.
بدورها، تكشف الكاتبة المصرية شيرين عرفة بُعداً استخباراتياً خطيراً تحت عنوان: “يغتصبون الفتيات الصغار من أجل أن يغتصب اليهود أمريكا”، ناقلة عن القس الأمريكي ريك ويلز في برنامجه “TruNews” تفاصيل “اغتصاب الساسة الأمريكان للفتيات الصغار لصالح إسرائيل، حيث يتم تصويرهم من قبل الموساد وابتزازهم به لاحقاً”. وتشير إلى اتهام القس لكل المؤسسات الأمريكية بالفساد وتأكيده على “تحكم اليهود الصهاينة في القرار الأمريكي”، ما يكشف عن آلية منظّمة لاستعباد صانعي القرار عبر توريطهم في جرائم موثّقة، وتحويل جزيرة إبستين إلى مركز عمليات استخباراتية لصناعة ملفات الابتزاز.
من جهته، يؤكد الكاتب والباحث السياسي العماني الدكتور أحمد الحراصي أن الوثائق المسرّبة “تكشف الجانب المظلم والقاسي والمخزي للنخبة التي تحكم هذا العالم سياسياً واقتصادياً”، تلك النخبة التي “تورّطت في خطف الأطفال واغتصابهم والاتجار بالأعضاء”، وهي ذاتها “التي طالما تغنّت بحقوق الطفل والمرأة والإنسان”. وفي تغريدة له، يبين الحراصي التناقض الصارخ بين شعارات هذه النخبة التي “تحاول أن تملي علينا ما يجب فعله في مجتمعاتنا وما ينبغي تعليمه في مدارسنا”، وبين ممارساتها الإجرامية، مؤكداً أن هذه الوثائق “أسقطت زيف الادعاءات الغربية الكاذبة وكشفت عُري الخطاب الأخلاقي الذي طالما رفعه الغرب شعاراً لا ممارسة”.
تشكّل فضائح إبستين نقطة تحول حاسمة في الوعي العالمي بحقيقة النظام الغربي؛ إذ تكشف الوثائق المسرّبة عن منظومة إجرامية تعتمد استباحة الطفولة كأداة للسيطرة والابتزاز، الأمر الذي يسقط الخطاب الأخلاقي الغربي الذي طالما بُررت به التدخلات العسكرية، فيما يكشف غياب المحاسبة عن تواطؤ مؤسساتي شامل.
