ملفات إبستين.. الزلزال الذي عرى نظام الإفساد الصهيوني العالمي
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
5 فبراير 2026مـ – 17 شعبان 1447هـ
تقريــر || عباس القاعدي
يموج العالم اليوم في بحر متلاطم من الصراعات والفتن، حيث يسعى “شياطين الأرض” إلى إشعال الحروب وتفكيك المجتمعات لتكريس هيمنة المشروع الصهيوني، وما زالت أصداء قضية رجل المخابرات الصهيونية، المدعو “جيفري إبستين” تتردد كواحدةٍ من أبشع الملفات التي كشفت القناع عن كواليس إدارة هذا العالم.
لقد كشفت الوثائق المسربة حقائق مذهلة حول “نخبة” تتحكم في مصائر الشعوب؛ مجموعة من الغارقين في وحل الانحطاط الأخلاقي، والمنسلخين من كل قيمة إنسانية، وما نراه اليوم ليس إلا جزء من فظاعات جزيرة “إبستين”، تلك الجزيرة التي تحولت إلى فخٍّ لاستدراج وتوثيق سقطات القادة والمشاهير.
ولم تكن تلك الجزيرة مجرد مكان للفساد؛ بل كانت أداةً استباراتية وظفها رجل المخابرات الصهيونية “جيفري إبستين” لخدمة (الموساد) والمشروع الصهيوني، ومن خلال توثيق هذه الجرائم الأخلاقية والمتاجرة بالقُصَّر والأطفال، تم إخضاع الكثير من صناع القرار في أمريكا وأوروبا، إلى جانب ملوك وأثرياء بينهم عرب، ليصبحوا مجرد أدوات تتحرك وفق إرادة مَن يملك وثائق إدانتهم.
ما حدث في تلك الجزيرة من سادية وتوحش يتجاوز سلوك الغابة بمراحل؛ فحتى الحيوانات لا تصل إلى هذا المستوى من الانحطاط الذي بلغه قادة العالم هناك، إن هذه القضية لم تكن مجرد فضيحة عابرة، وإنّما هي المرآة التي عكست زيف “الحضارة” التي يتغنى بها الغرب، وكشفت عن مدى الانحدار القيمي الذي وصل إليه من يدّعون قيادة البشرية.
الأساليب الصهيونية لأسقاط رؤساء الدول
لم يكن “جيفري إبستين” مجرد سمسارٍ لشبكة دعارة عابرة للقارات؛ بل كان المحرك الفعلي والعقل المدبر لأخطر منظومة ابتزاز عالمية صُممت بدقة لخدمة المشروع الصهيوني، هذه الشبكة لم تستهدف الأفراد العاديين، وإنّما نَصبت شباكها حول “صيدٍ ثمين” شمل قادة دول، ورؤساء، وملوكاً، ومسؤولين رفيعي المستوى من مختلف القارات، بما في ذلك شخصيات من العالم العربي.
ولم تقتصر قائمة ضحايا أو شركاء إبستين على السياسيينوشخصيات عادية فحسب؛ بل امتدت لتطال “النخبة العالمية”التي تدير العالم،من رؤساء وملوك ومسؤولين في معظم الدول، بما في ذلك شخصيات من العالم العربي، وصولاً إلى أساطير المال والأعمال والرموز الثقافية والإعلامية ونجوم الفن والمجتمع.
لقد كانت الجزيرة والمنازل الفارهة بمثابة “مختبرات سقوط” مُعدَّة سلفاً، حيث يتم توثيق كل شاردة وواردة لاستخدامها كأوراق ضغط سياسية واستراتيجية تضمن بقاء هذه النخب تحت الوصاية الصهيونية.
اليوم محاولة حصر هذه الجرائم المنظمة والممتدة لعقود في شخص “جيفري إبستين” وحده، ما هي إلا محاولة لذر الرماد في العيون؛ فإبستين لم يكن سوى “الواجهة التنفيذية” لنشاط استخباري قذر تقف خلفه أيادٍ تعبث بمصائر الدول، إنها الأساليب الشيطانية التي تعتمد “الانسلاخ الأخلاقي” وسيلةً للسيطرة المطلقة، وتحويل صناع القرار إلى رهائن في قبضة منظومة لا تتورع عن استخدام أقذر الوسائل لبسط نفوذها العالمي.
ما تكشفه وثائق إبستين اليوم يتجاوز حدود الجريمة الأخلاقية، ليصبح إدانةً صريحة للنظام الدولي الذي تُديره شبكات خفية من وراء الستار، محوّلةً الدبلوماسية والسياسة إلى مادة للابتزاز والمتاجرة بالقيم الإنسانية.
تصفية إمبراطور الابتزاز
في السادس من يوليو عام 2019م، اعتُقل جيفري أبستين عند وصوله إلى أحد المطارات الأمريكية قادماً من فرنسا، ووجّهت إليه تهمة الاتجار بالأطفال وإدارة شبكة دعارة، وخضع لمحاكمة أولية في نفس العام، وكان من المقرر أن تُستأنف المحاكمة في عام ألفين وعشرين، لكن بشكل مفاجئ، وُجد أبستين ميتاً في زنزانته في العاشر من أغسطس من نفس العام.
وصرّحت السلطات الأمريكية؛ بأنّه انتحر وشنق نفسه، وقد تم تعطيل كاميرات المراقبة في السجن في الليلة التي توفي فيها، رغم أنه كان تحت مراقبة مشددةـ والمعروف لدى الأمريكيين والمراقبين أن الدولة العميقة في أمريكا، وكذلك اليهود، تخلصوا من هذا الشخص ليدفنوا معه أسراراً وفضائح خطيرة وصادمة للعالم تتعلق بهم، وليفضحوا أيضاً من خلاله العديد من قادة العالم لأهداف صهيونية.
لأنّ أبستين، بعدما اكتشف أنّ من كان يعمل لصالحهم في أمريكا ولوبيات اليهود، أرادوا تحميله مسؤولية النشاط الذي كان يديره، وقد عرفوا أنه كان ينوي كشف الكثير من الأسرار وفضح من كان وراءه حتى لا يتحمل المسؤولية وحده، لذلك، سبقت إليه الأيادي اليهودية الصهيونية التي تتحرك خلف الأضواء وتدير هذا المشهد وتخلصت منه، وسُجلت الحادثة على أنها قضية انتحار.
وبالتالي فإنّ تصفية جيفري إبستين، سواء كان ذلك شنقاً أو قتلاً، لم تنجح في دفن الأسرار المرعبة للنشاط الصهيوني في أمريكا والعالم؛ فهذه “الأداة” التي أدارت شبكات الابتزاز الدولية لم تكن تعمل بمعزل عن المخابرات الصهيونية، التي احترفت استخدام هذه الأساليب الشيطانية للإيقاع بقادة العالم ونخبه.
جزيرة السقوط العالمي وفخاخ الصهيونية
لقد كانت جزيرة إبستين الخاصة بمثابة محمية مغلقة للرذيلة، استُدرج إليها ملوك وأمراء ورؤساء وشخصيات نافذة، ليقعوا في فخاخ الفساد الأخلاقي والشذوذ الموثق بالصوت والصورة، مما حولهم إلى رهائن مسلوبي الإرادة في قبضة المشروع الصهيوني.
ولعل قائمة الجرائم التي شهدتها تلك الجزيرة تجاوزت بمراحل أعتى صور الانحراف الإجرامي المعروفة؛ فالمجرمون والسفاحون التقليديون يبدون “لطيفون” أمام تلك الفظاعات التي كان يرتكبها قادة العالم برعاية صهيونية، فلم يتوقف الأمر عند حدود المتاجرة بالأطفال والقُصَّر الذين جُلبوا من شتى بقاع الأرض، بل تعداه إلى ممارسات سادية وطقوس عقائدية دموية يندى لها جبين البشرية.
وتكشف الحقائق المسربة عن فظاعات تتجاوز العقل، حيث لم يقتصر الانتهاك على الشذوذ؛ بل امتد لعمليات تعذيب وقتل للضحايا ضمن طقوس موحشة، وصلت إلى حد سلخ الجثث وطهيها والاستمتاع بأكل لحوم البشر، والمشاهد السادية، التي وثقتها كاميرات إبستين بدقة، تعكس حقيقة “قادة العالم” الذين وقعوا في شباك الصهيونية؛ زعماء دول كبرى وصغرى وأثرياء يتحكمون في مصائر الشعوب، بينما هم في الواقع غارقون في ممارسات تنفر منها أكثر الكائنات حيوانية، مما يفضح الوجه الحقيقي والمظلم لمن يديرون المشهد العالمي من وراء الستار.
شهادة من الجحيم
صرخات الفتاة المكسيكية التي ظهرت في مقطع متداول وهي في حالة من الذهول والانهيار، لم تكن مجرد نوبة هلع عابرة، وإنّما كانت شهادة حية على فظاعات لا يستوعبها عقل، حيث كانت واحدة من المدعوات لإحياء حفلات الرقص في تلك الجزيرة المريبة، لكنها خرجت لتنقل للعالم مشهداً مرعباً، وهي تصرخ بصوت يملؤه القرف والاشمئزاز: ‘لقد أكلوا لحماً بشرياً!’.
كانت تروي والدموع تخنقها أنها لم تكن تعلم شيئاً عن طبيعة تلك الجرائم قبل ذهابها، لكنها صُدمت بالواقع المظلم؛ حيث كانت رائحة اللحم البشري المطبوخ تملأ المكان كجزء من طقوس مشينة، ويعود المقطع الصادم التي ظهرت فيه الفتاة المكسيكية، إلى عام 2009م، وفي ذلك الوقت، لم يلتفت أحد لصرخاتها، واعتبرها الكثيرون ضرباً من الخيال أو الهذيان، ولم يجرؤ أحد على تصديق أن الجزيرة التي يديرها ‘جيفري إبستين’ تحت إشراف صهيوني، كانت مسرحاً لأنشطة شيطانية تتجاوز حدود الجرائم الأخلاقية التقليدية.
لقد ظل هذا الجانب من النشاط الصهيوني الخفي بعيداً عن الأنظار وعن تصديق الرأي العام لسنوات طويلة، إلى أن بدأت الوثائق اليوم تؤكد أن ما قالته تلك الفتاة المنهارة لم يكن إلا جزءاً بسيطاً من حقيقة مريرة، تكشف مدى الوحشية التي وصل إليها قادة العالم وأثرياؤه خلف الأسوار المغلقة لتلك الجزيرة.
شياطين الأدرينوكروموالشباب الزائف
إنَّ من يضلُّ عن سبيل الهُدى ويرفض الانضواء تحت قيادة الحق، وأعلام الهدى، يجد نفسه قسراً تحت وطأة قيادات دنسة كأمثال المجرم ترامب ومن يدور في فلكه من المنحلين والشاذين؛ أولئك الذين يستعبدون الشعوب الغربية وبعض أنظمة الدولة العربية، ويطؤون الكرامة الإنسانية، بينما لا يزال البعض مخدوعاً بشعارات الديمقراطية الزائفة.
وما شهده العالم في جزيرة “إبستين” يمثل انحداراً تجاوز منطق الغاب وسلوك الحيوانات بمراحل، وتشير التقارير والأبحاث إلى فظاعات تتجاوز مجرد الشذوذ، حيث كان يتم استغلال براءة الأطفال في أبشع صورها؛ فوفقاً لما يتداوله باحثون حول مادة (الأدرينوكروم)، يُزعم أن هؤلاء “الشياطين” يعمدون إلى ترويع الأطفال وإثارة رعبهم الشديد ليدفعوا أجسادهم الغضة نحو إفراز هذه المادة تحت وطأة الخوف القاتل، ثم تُجمع هذه الإفرازات لتُحول إلى حقن يشتريها أثرياء العالم وقادته بملايين الدولارات، ظناً منهم أنها “إكسير الشباب” الذي سيمنحهم الحيوية والجمال والخلود، ويقيهم شر الشيخوخة.
والمشاهد المرعبة التي تم نشرها، تكشف حقيقة الطبقة التي تحكم العالم اليوم، أو ما يسمى النظام العالمي؛ نخبٌ لا تتورع عن امتصاص دماء الصغار واستثمار عذابهم من أجل نزوات فانية، مما يؤكد أن العالم أمام مواجهة بين قوى الخير والهُدى، وبين منظومة إجرامية غارقة في دماء الأبرياء وطقوس الانحلال.
نظام إبستين وسقوط أقنعة واشنطن
لا تقف فضيحة “جيفري إبستين” عند حدود الجريمة الأخلاقية، وإنّما هي الفضيحة الأضخم في العصر الحديث؛ حيث كشفت ثلاثة ملايين ونصف المليون وثيقة عن عالمٍ كامل كان يُدار في الظلام، ليتعرى دفعة واحدة أمام ذهول العالم.
والمثير للريبة حقاً ليس في شخص إبستين وحده؛ بل في تلك النخبة التي كانت تحيط به، والتي ما زالت تتربع على عروش المال والسلطة وصناعة القرار، وكأن شيئاً لم يكن، حيث تلاقت في محيط هذا الرجل أسماء لامعة من سياسيين، ومليارديرات، وأمراء، ووزراء، ورجال مال، ارتبطوا برجل أُدين باستغلال القاصرات قبل أنّ يلقى حتفه في زنزانته في واقعة تثير من الأسئلة أكثر مما تقدم من إجابات.
فبينما ترفع واشنطن شعارات الأخلاق والديمقراطية، كانت تُحاك في الكواليس شبكة علاقات تجمع المال بالسلطة وتتحصن بجدارٍ من الصمت المريب، وأسماء كبرى في عالم الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا مرت من هناك، مما يجعل السؤال مشروعاً وملحاً: من كان يعلم؟ ومن صمت؟ ولماذا؟
ولهذا فإنّ جزيرة إبستين كانت “نقطة التقاء الانحطاط” داخل منظومة تدعي أنها معيار الحضارة الإنسانية، والخطورة هنا لا تكمن في الجريمة ذاتها فحسب؛ بل في “الانتقائية” الفجة؛ فكيف تنصّب هذه الطبقة نفسها قاضياً أخلاقياً على شعوب العالم، تصنف هذا “متخلفاً” وذاك “خطيراً”، وهذا “إرهابي” وتفرض العقوبات والحصار باسم القيم؛ بينما نكتشف عند فتح الملفات أنّ تلك القيم كانت تُعلق على أبواب الجزيرة قبل الدخول.
لقد كانت جزيرة خارج القانون والرقابة والأخلاق، لكنها كانت في صلب النظام العالمي الأمريكي، واليوم، مع كل صفحة أو وثيقة تُكشف، لا نبحث عن مجرمين أفراد فحسب، بل نحن بصدد محاكمة “نظام” شارك، وحمى، وصمت، هذه ليست مجرد قصة رجل مات، بل هي محاكمة لطبقة حكمت العالم وما زالت تحاول إقناعنا بأنها تمثل “الخير والسلام”، بينما كانت تواري خلف ستارها أسوأ ما يمكن أن تنحدر إليه النفس البشرية.
انحطاط القيادات وضرورة المشروع المنقذ
حين يتربع منحرفٌ بوزن المجرم والشاذ “دونالد ترامب” على عرش قيادة أمريكا، وتجد دول العالم، وبكل أسف بما فيهم زعماء من العالم الإسلامي والعربي، أنفسهم رهن إشارته وتحت وطأة سطوته، ندرك حجم الهاوية التي تردى فيها واقعنا المعاصر.
وهذا المشهد هو إعلان عن وصول البشرية إلى ذروة الانحطاط الأخلاقي؛ ممّا يؤكّد الحاجة الماسة والملحة لظهور “المنقذ” والمشروع التصحيحي الذي يعيد للإنسان كرامته المسلوبة، ولا يوجد مشروع في العالم يعيد للأمة كرامتها، سوى المشروع القرآني بقيادة السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي يحفظه الله.
إنَّ ما نتابعه اليوم من تداعيات ملفات “إبستين” يتجاوز كونه مجرد فضيحة لشخصٍ فاسد، وهو التوصيف الذي تحاول “الدولة العميقة” في أمريكا والدوائر الصهيونية حصره فيه لتضليل الرأي العام، والحقيقة الصادمة هي أن “إبستين” لم يكن إلا ترساً في آلة، وعنصراً تنفيذياً ضمن استراتيجية ومنهجية إجرامية صهيونية شاملة؛ هدفها الأسمى هو السيطرة المطلقة على العالم عبر بوابة الإفساد الممنهج.
لقد صُممت هذه الشبكات الشيطانية لتكون أداةً لإخضاع النخب، والرموز، والقادة، والمسؤولين في مختلف القارات؛ فمن خلال إيقاعهم في وحل الرذيلة وتوثيق سقطاتهم، تضمن الصهيونية بقاء هؤلاء القادة مجرد “دمى” تحركها الخيوط الخفية من وراء الستار، ولهذا فإننا لا نواجه مجرماً فرداً، بل نواجه مشروعاً يسعى لتمزيق النسيج الأخلاقي للبشرية ليتسنى له حكمها من وسط الركام.
ملفات جيفري سلاح الابتزاز الصهيوني
عادت فضائح “جيفري إبستين” لتتصدر المشهد العالمي، وتوقيت هذا الظهور ليس وليد الصدفة بأي حال؛ فإفراج وزارة العدل الأمريكية عن ملايين الوثائق وآلاف المقاطع والصور، والتي تضمنت اتهامات صريحة لـ “دونالد ترامب” بارتكاب جرائم مروعة بحق قاصرات وأطفال، يطرح تساؤلاً جوهرياً: لماذا الآن؟
ولعل حالة التردد التي يبديها ترامب تجاه شن هجوم عسكري على إيران أثارت غضب “تل أبيب”، التي ترى في أيّ مسار دبلوماسي تهديداً لمصالحها التوسعية، وهنا تتحول ملفات إبستين من مجرد سجلات جنائية إلى “أداة ضغط” سياسية استخباراتية لإجبار الإدارة الأمريكية على اتخاذ قرارات تخدم الأجندة الصهيونية.
وبالتالي؛ فإن فتح هذه الملفات اليوم ليس بحثاً عن عدالة غائبة، وإنّما هي عملية “ليّ ذراع” لترامب، الذي ورد اسمه في الوثائق آلاف المرات؛ ليظل مجرد “خاتم” في إصبع اللوبي الصهيوني، والهدف النهائي هو دفع الولايات المتحدة لخوض حروب بالوكالة عن الصهاينة، وعلى رأسها العدوان على الجمهورية الإسلامية في إيران.
هذا المنهج الإجرامي ليس غريباً على من وصفهم الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم بالخبث والإفساد؛ ففي قلوبهم مرضٌ يزداد يوماً بعد يوم، يمارسون الرذيلة والفساد تحت شعارات “الإصلاح” و”الديمقراطية” و”حقوق الإنسان”. لكن الحقائق اليوم تؤكد ما جاء به القرآن الكريم؛ فهم المفسدون الحقيقيون الذين غرقوا في الشذوذ والانحطاط، ويسعون في الأرض فساداً للسيطرة على مقدرات الشعوب عبر تحطيم قيمها وابتزاز قادتها.
الوجه الحقيقي لليهود
إذن لا عجب من انكشاف هذه الملفات الصادمة التي تذهل شعوب العالم بجرائم وممارسات يندى لها الجبين، ويقف اللسان عاجزاً عن وصفها أو الحديث عنها بشكل مباشر، لأن “هذا هو الوجه الحقيقي لمن أخبرنا الله عنهم بأنهم «يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا».
وما اقترفه المجرمون اليهود، يضعنا أمام عجز لغوي تام؛ إذ تفتقر لغات العالم إلى مصطلحات قادرة على توصيف ذلك المستوى من الهول والفظاعة، لقد تجاوز الخبث والإجرام والدناءة الصهيونية كل المقاييس الإنسانية، لتعكس حقداً دفيناً على البشرية جمعاء، وصورة من الانحطاط لا يدركها إلا من قرأ حقيقتهم في كتاب الله، ورأى واقعهم الذي تخجل منه حتى الغرائز البدائية.
بريق الخداع وسقوط أسطورة النموذج الغربي
تُقدم “الحضارة الغربية” للعالم، وللعرب تحديداً، في ثوبٍ من التقدم والرقي، بوصفها الراعية الأولى لحقوق الإنسان، والواحة التي تنشر الديمقراطية وتعتني بالمرأة والطفل، بل وتمتد رعايتها حتى للحيوان، لقد استطاع الغرب بإيعاز وتخطيط صهيوني، أن يرسم لنفسه في أذهان الكثير من أبناء أمتنا صورةً جذابة وفائقة السحر، حتى غدا المجتمع الغربي لدى البعض هو القدوة والمنتهى، مما أدى إلى حالة من الهزيمة النفسية جعلت الكثيرين يتبنون أنماط حياتهم وتفكيرهم تحت وهم “العصرنة والتطور”.
إن النجاح الحقيقي الذي حققه الصهاينة يكمن في قدرتهم الفائقة على الجمع بين النقيضين؛ ممارسة أبشع صور الإجرام والوحشية والسادية، التي كشفت ملفات “إبستين” جانباً يسيراً من قذارتها، وفي الوقت ذاته، تقديم أنفسهم للعالم كنموذج حضاري مشرق وفريد، وهذا التضليل الممنهج هو الذي سمح لهم باختراق مجتمعاتنا العربية والإسلامية وتزييف وعيها.
لقد كان الهدف الأساسي من هذا الخداع هو عزل الأمة عن “ثقافة القرآن”؛ ذلك النور الذي يكشف حقيقتهم، ويفضح حقد المجرمين ضد الإنسانية، ويبين مستوى عدائهم المتجذر للعرب والمسلمين، وما نراه اليوم في غزة ولبنان وسوريا، وما يوجه من تهديدات لليمن وإيران، ليس إلا أحدث نماذج هذا العداء الصارخ، إنها حربٌ تُشن ضد كل من يرفض الخضوع لهذا الشذوذ والانحطاط، وكل من يقف عائقاً أمام طموح الهيمنة الصهيونية التي تسعى لاستعباد الأمة ومسخ هويتها.
منهجية الجرمية الصهيونية من منظار القرآن الكريم
اليهود هم أساتذة الفساد والإفساد في هذا الكون، والمتتبع لتاريخهم يدرك جلياً أنهم يمثلون بؤرة الإفساد الكبرى في هذا الوجود؛ وهذه ليست مجرد استنتاجات عابرة، بل هي حقيقةٌ سطرها القرآن الكريم بشهادةٍ إلهية لا تقبل التأويل، لقد اتسم تاريخهم بجرأةٍ منقطعة النظير على الله ورسله، حيث وصف القرآن الكريم تاريخ بني إسرائيل بالتفصيل، كاشفًا عن بعض جوانب فسادهم وسلوكهم السلبي في عدة مواضع.
فقد أشار إلى قتلهم للأنبياء بغير حق ومعاداتهم لآيات الله، وقد وثق القرآن الكريم هذا المسار الإجرامي في آياتٍ عدة، واصفاً مآلهم وما استحقوه من خزي، يقول الله في كتابه الكريم: «وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ».
وفي موضعٍ آخر، يكشف القرآن زيف ادعاءاتهم بالإيمان وتناقضهم الصارخ؛ فبينما يزعمون اتباع ما أُنزل عليهم، تأتي الحجة الدامغة لتسألهم بلسان الحق: «قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ».
هذا المنهج العدائي لم يستهدف الأنبياء فحسب؛ بل امتد ليشمل كل من يدعو إلى الحق والعدل والمساواة بين البشر، وهو ما أكدته سورة آل عمران في وعيدٍ شديد: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ». إن هذا التسلسل القرآني يوضح أن الإجرام الصهيوني المعاصر، الذي نراه اليوم في صور الابتزاز الأخلاقي والحروب والمؤامرات، ليس إلا امتداداً طبيعياً لتلك الروح العدوانية التي كفرت بآيات الله، واستباحت دماء الأنبياء، وسعت دوماً لإسكات أصوات القسط والعدل في الأرض.
توقيت الفضيحة وأسرار التوظيف الاستخباري
إنَّ الإفراج المفاجئ من قِبل وزارة العدل الأمريكية عن هذا الكم الهائل من الوثائق، التي بلغت قرابة ثلاثة ملايين وثيقة، مدعومةً بآلاف المقاطع المرئية ومئات آلاف الصور، لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتباره إجراءً قانونياً روتينياً؛ بل هو تحركٌ استراتيجي مدروس يقبع خلفه أهدافٌ وغايات تتجاوز حدود القضاء.
ففي خضم الصراعات البينية وتناقض المصالح داخل أروقة “الدولة العميقة”، تتكشف أجزاء من الحقيقة لتكون بمثابة صرخة تحذير وتوعية لمن لا يزال يمتلك جزء من عقل أو بقية من حس سليم في أمتنا العربية والإسلامية.
ولهذا؛ فإن كل المشاهد والوثائق التي نشرت، تكشف بوضوح “عقيدة العمل” لدى الموساد والدوائر الصهيونية؛ فهي منظومة تحترف تحويل الرذيلة إلى سلاح سياسي، ففي اللحظة التي يتقرر فيها إخضاع مسؤول ما، سواء كان وزيراً، أو رئيساً، أو سفيراً، يُستدعى لمواجهة “سجله الأسود”، حيث يُقال له بلسان الحال: “تفضل.. هذه ملفاتك”.
وهكذا يُدار المشهد؛ حيث تُستخدم هذه “الأدوات الرخيصة” والموثقة بدقة لسلب إرادة القادة وتحويلهم إلى مجرد أدوات تنفيذية تخدم مآرب كيان العدو الصهيوني وتضمن مكاسبه في مختلف الدول والبلدان، وما نراه اليوم هو سقوط للأقنعة، يكشف أن خلف واجهات “الدبلوماسية” و”القيادة” العالمية تكمن خيوط من الابتزاز القذر؛ ممّا يفرض على أبناء الأمة ضرورة اليقظة وفهم طبيعة العدو الذي لا يكتفي باحتلال الأرض، بل يسعى قبل ذلك لاحتلال الضمائر والسيطرة على القرار عبر الإسقاط الأخلاقي الممنهج.
معركة الهويةوالتضليل الصهيوني للأمة الإسلامية
إنَّ خفايا ملفات “إبستين” لا تكشف فقط عن انحطاط الحضارة الغربية، بل تجلي حقيقة الحقد الصهيوني المتجذر؛ وهو حقدٌ لا يستهدف المسلمين فحسب، بل يمتد ليشمل البشرية جمعاء، ومع ذلك، يظل العداء للأمة الإسلامية هو الأشد ضراوة، كما أكد القرآن الكريم؛لأن اليهود يعرفون أن المسلمين وحدهم لديهم المشروع الحضاري والرسالة الإلهية التي لو عادوا إليها لاستطاعوا إيقاف فسادهم وعبثهم وإجرامهم العالمي.
ومن هذا المنطلق، يُكثف الصهاينة وأدواتهم من الغربيين والعملاء هجماتهم على المجتمعات العربية والإسلامية، وهي هجمةٌ لا تقتصر على الميادين العسكرية والأمنية، وإنّما تتعداها إلى “الحروب الناعمة” والغزو الثقافي، ويبذلون جهوداً جبارة لإفساد الشعوب وإضلالها، سعياً لسلخها عن هويتها ودينها، وتحقيقاً للمسعى الذي حذرنا منه القرآن الكريم بقوله: «يُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا السَّبِيلَ».
وبالنتيجة؛ فإنَّ هذا الاستهداف الممنهج يعكس مخاوفهم الحقيقية؛ فهم يدركون تمام الإدراك أنَّ عودة المسلمين إلى جوهر القرآن وحقيقة الإسلام تعني بزوغ أمةٍ عصيةٍ على التدجين، قادرةٍ على كشف زيفهم وهزيمة مشروعهم، والحد من آثار فسادهم الكارثية التي تكتوي بنارها البشرية كافّة؛ لذا، تظل العودة للأصالة الإيمانية هي الدرع الحصين والسبيل الوحيد لاستعادة زمام المبادرة التاريخية.
