أبعاد المخطط السعودي البريطاني بعد سقوط الهيبة الأمريكية في البحر الأحمر

2

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
1 فبراير 2026مـ – 13 شعبان 1447هـ

أقرّ مجلس الأمن الدولي مؤخراً تمديداً أخيراً لمدة شهرين لولاية البعثة الأممية، تنتهي مطلع أبريل المقبل، وذلك بعد 7 سنوات على إنشائها؛ حيث تأسست في يناير 2019 بموجب قرار عن المجلس عقب توقيع اتفاق “ستوكهولم”، والذي نتج عنه وقف العمليات العسكرية في محافظة الحديدة.

وأثار إنهاء مهمة البعثة الأممية تساؤلات كثيرة عن الأسباب والتداعيات، وما السيناريوهات المحتملة لذلك، ولا سيما أن التحالف يحضر لمعركة جديدة في اليمن، قد تكون الحديدة المطلة على البحر الأحمر أهم أهدافها.

وتقود بريطانيا وأمريكا وكيان العدو الصهيوني هذا التوجه، بالتنسيق مع المملكة العربية السعودية، بهدف تفكيك آخر ما تبقى من “كوابح” دولية في الساحل الغربي لليمن، وهو قرار اصطدم بالرفض الروسي الذي حذر من أن هذا الانسحاب القسري سيخلق فراغاً أمنياً خطيراً يهدد الاستقرار في البحر الأحمر، وهو ما تتفق معه الصين التي تبدي تخوفاً على المسار الإنساني.

ويرى الخبير العسكري، العقيد مجيب شمسان، أن هذا التوجه يعكس حالة من اليأس الاستراتيجي الغربي؛ مؤكداً أن: “الأمريكي والبريطاني وصلا إلى نتيجة مفادها أن الاستمرار في العمل العسكري عبر المدمرات وحاملات الطائرات هو كلفة أكبر، كون الحماية لهذه القطع التي تحولت إلى موقع الدفاع باتت أكبر من الفعالية العسكرية الميدانية؛ لذا بدأ التفكير في إعادة توظيف الأدوات الإقليمية (السعودية) كخيار أخير لتحمل الأعباء وحماية العدو الإسرائيلي”.

وبالتوازي مع هذه الرؤية العسكرية، يرى الباحث والكاتب السياسي علي مراد أن هذه الخطوة هي تطبيق حرفي لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكية، حيث يقول: “الأمريكيون تحدثوا صراحة عن ‘نقل الأعباء إلى الحلفاء’ الذين عادوا وسموهم ‘شركاء’؛ فالأمريكي لا يريد أن يتورط مباشرة بعد فشله، فيأتي بالبريطاني والسعودي ليكونا في الواجهة، وهذا يعني أن السعودية تقول لليمنيين إنها مستعدة لتلقي ردود الفعل والضربات نيابة عن أمريكا وكيان العدو الإسرائيلي”.

وبناءً على ذلك، يبرز التنسيق السعودي البريطاني كأداة لتغيير قواعد المعركة من المواجهة العسكرية التي خسرتها القوى الغربية في البحر، إلى “الخنق الاقتصادي” والحصار المطبق، وهو ما عبر عنه بوضوح المنظر السعودي المقرب من دوائر القرار في الرياض “سليمان العقيلي”، حين اعتبر أن الحصار الاقتصادي أثبت فاعلية تفوق الضربات العسكرية المباشرة.

إن هذا المخطط يهدف بالدرجة الأولى إلى فك الحصار الخانق الذي فرضته القوات المسلحة اليمنية على الكيان الصهيوني، وهو الحصار الذي نجح في عزل ميناء “أم الرشراش” (إيلات) وألحق خسائر فادحة باقتصاد العدو الإسرائيلي، متجاوزاً كافة التقنيات الدفاعية الأمريكية والبريطانية على مدى مسافات تزيد عن 2000 كيلومتر. ولأن صنعاء أثبتت قدرتها على التحكم الذكي في الملاحة، من خلال استهداف السفن المرتبطة بالعدو فقط مع تأمين مرور باقي السفن، فإن القوى الغربية تسعى لخلط الأوراق عبر تحويل المواجهة المقبلة إلى “مواجهة عربية-عربية” في الدول المشاطئة للبحر الأحمر، بدلاً من أن يظل ميدان نزال بين اليمن وكيان العدو الصهيوني والتحالفات الغربية المساندة له.

ومن هنا، تبرز تصفية بعثة الأمم المتحدة كخطوة أولى لإطلاق يد الفصائل الموالية للتحالف في الساحل الغربي للقيام بعمليات قرصنة ومضايقة للملاحة ونسبها لصنعاء، أو استخدام القواعد الثابتة كمنطلقات لاعتداءات جديدة تحت مظلة بريطانية وسعودية. علاوة على ذلك، يعكس هذا التحرك رغبة أمريكية في السيطرة المباشرة على أسواق الطاقة العالمية عبر إبقاء السعودية في الواجهة كدرع دفاعي يمتص الضربات اليمنية، وتجنيب المصالح الأمريكية التبعات الكارثية، وهو ما يمثل استغلالاً للمقدرات السعودية التي باتت مرهونة بالكامل للرؤية الأمنية الصهيونية.

إن ما يحدث اليوم هو عملية “تفريغ” لاتفاق ستوكهولم من محتواه، ونقض صريح للتفاهمات الدولية، مما يضع الشعب اليمني أمام مرحلة جديدة من المواجهة تفرضها رغبة واشنطن ولندن في تحويل البحر الأحمر إلى منطقة نفوذ خاضعة للهيمنة الصهيو-أمريكية. وبالنظر إلى توقيت هذه الخطوة، فإن التفكيك الممنهج للدور الأممي في الساحل الغربي لا يمكن قراءته بمعزل عن الفشل الذريع لعملية ما سمي بـ “تحالف الازدهار”؛ فهي تأتي كـ “خطة بديلة” وانتقامية من موقف صنعاء المبدئي في معركة “طوفان الأقصى”.

وفي هذا الإطار، يوضح العقيد شمسان أن التحالف الجديد يسعى لـ: “تحويل الصورة من مساندة غزة إلى صراع ‘عربي-عربي’ يتعلق بالأمن البحري، بدلاً من أن تظل العمليات اليمنية مهددة لكيان العدو، وهو ما يخدم الرؤية الصهيونية بجعل البحر الأحمر بحيرة يهودية خالصة”. بينما يضيف علي مراد محذراً من تداعيات هذه المقامرة السعودية: “السعودية عندما تقبل أن تكون أداة في هذا المشروع، فهي تضع اقتصادها ومنشآتها في مقتل، خاصة وأن صنعاء التي أذلت أقوى قوة بحرية عالمية لن تتردد في الرد على الأدوات التي تحاول استبدال الفشل الأمريكي بفشل جديد”.

لقد عجزت البوارج وحاملات الطائرات الأمريكية عن تأمين عبور سفينة واحدة متجهة للعدو، وتحولت هيبتها إلى حطام تحت ضربات الصواريخ اليمنية؛ لذا يسعى التحالف (الأمريكي-البريطاني-السعودي) عبر إنهاء البعثة الأممية إلى تحويل الساحل اليمني إلى “درع بشري وجغرافي” لحماية سفن العدو. والهدف الجوهري هو الاستعداد لمعركة واسعة ضد صنعاء، تهدف إلى استعادة السيطرة على المضائق الاستراتيجية عبر منح الخيانة صبغة محلية؛ ليكون المقاتلون المحليون هم خط الدفاع الأول، مما يقلل الكلفة السياسية والعسكرية على واشنطن ولندن والكيان الغاصب.

وتعد هذه الخطوة امتداداً مباشراً لمعركة “طوفان الأقصى”، حيث يُسخّر الحصار الاقتصادي وعسكرة الساحل كأدوات “عقاب جماعي” للشعب اليمني بسبب تجرؤه على كسر الهيمنة الصهيونية في المنطقة، في محاولة لفك الارتباط بين جبهة الإسناد اليمنية وقطاع غزة، وضمان تحويل البحر الأحمر من ساحة نصر للمقاومة إلى منطقة معزولة تخضع لرقابة رادارية وعسكرية بريطانية-سعودية مشتركة، تمهد الطريق لإعادة فرض الوصاية على القرار السيادي اليمني وحماية شريان الحياة للعدو الإسرائيلي الذي بات يختنق اقتصادياً تحت وطأة الحصار اليمني الاستراتيجي.

ومع ذلك، فإن القراءة العسكرية والميدانية تؤكد أن الرهان على الأدوات القديمة التي فشلت طيلة سنوات الحرب هو رهان خاسر، خاصة وأن القدرات اليمنية اليوم باتت أكثر تطوراً وتأثيراً، وأن الرد اليمني على أي محاولة لعسكرة الساحل أو تشديد الخنق الاقتصادي لن يتوقف عند حدود الجغرافيا اليمنية، بل سيطال عمق الدول المنخرطة في هذا المخطط.

إن الحقيقة الثابتة التي يحاول العدوان على اليمن ومشغليهم الهروب منها اليوم هي أن قرار البحر الأحمر بات يمنياً بامتياز، ويفرض معادلات قوة رادعة في المنطقة؛ وإن سقوط المؤسسة الدولية في فخ التبعية للاستعمار يضع السعودية وبريطانيا وأمريكا وكيان العدو في مواجهة مباشرة مع شعب يمني لن يساوم على أمنه البحري أو ثوابته تجاه فلسطين.