النفط المنهوب.. كيف جمدت سياسات العدوان رواتب اليمنيين ؟ (استطلاع)

4

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
31 يناير 2026مـ – 12 شعبان 1447هـ

تقريــر ||محمد ناصر حتروش

على مدى أكثر من عشرة أعوام، تتعرض الثروة النفطية والغازية اليمنية لواحدة من أخطر عمليات النهب المنظم في تاريخ البلاد الحديث، في جريمة اقتصادية كبرى تتجاوز آثارها فقدان مورد سيادي استراتيجي، لتصيب بنية الاقتصاد الوطني في الصميم، وتنعكس بصورة مباشرة على معيشة المواطن اليمني، وقدرة الدولة على الإيفاء بأبسط التزاماتها، وفي مقدمتها صرف مرتبات موظفي الدولة وتوفير الخدمات الأساسية.

قبل العدوان، شكّل قطاع النفط والغاز العمود الفقري للاقتصاد اليمني، ومصدر التمويل الرئيس للموازنة العامة، حيث كانت عائداته تمثل النسبة الأكبر من الإيرادات العامة والنقد الأجنبي، غير أن سيطرة دول العدوان وأدواتها على منابع الإنتاج وطرق التصدير، وتحويل العائدات إلى خارج القنوات السيادية، حوّلت هذه الثروة من رافعة تنمية إلى أداة حصار وتجويع، تُستخدم للضغط السياسي والاقتصادي على الشعب اليمني.

في هذا التحقيق يرصد موقع أنصار الله أبعاد نهب الثروة النفطية من خلال سرد الأرقام والحقائق الواردة في تقارير وأبحاث اقتصادية، معززا بتصريحات خبراء اقتصاديين ومسؤولين مختصين، لتوضيح حجم الخسائر المباشرة وغير المباشرة، وكيف انعكس ذلك على الرواتب والخدمات، وعلى الواقع الاقتصادي والاجتماعي في اليمن.

النفط قبل العدوان… أرقام تكشف حجم الخسارة
يضع وكيل وزارة المالية أحمد حجر صورة واضحة لحجم وأهمية قطاع النفط والغاز قبل العدوان، موضحًا أن إنتاج النفط عام 2014م بلغ نحو 74 مليون برميل، كان نصيب الحكومة منها قرابة 36 مليون برميل، صُدّر منها حوالي 19 مليون برميل، فيما وُجّه نحو 17 مليون برميل للاستهلاك المحلي. وبحسب هذه الأرقام، بلغت عائدات صادرات النفط والغاز في ذلك العام نحو 6.4 مليارات دولار.

ويشير إلى أن شركات النفط والغاز كانت تستحوذ على أكثر من 50% من هذه العائدات، يتم تحويل معظمها إلى الخارج، ومع ذلك ظل القطاع يمثل نحو 22% من الناتج المحلي الإجمالي، وأكثر من 24% من عائدات الاقتصاد من النقد الأجنبي، ونحو 45% من إيرادات الخزينة العامة. هذه المؤشرات تفسر -بحسب حجر- لماذا حرص العدوان على السيطرة على هذا القطاع بكونه شريان التمويل الرئيس للدولة.

ويؤكد وكيل وزارة المالية أنه بعد العدوان لم تعد هناك بيانات رسمية عن حجم الإنتاج أو العائدات، نتيجة السيطرة الكاملة لدول العدوان على عمليات الإنتاج والتصدير، وتوريد العائدات إلى البنك الأهلي السعودي، والتصرف بها خارج أي إطار سيادي يمني.

وتكشف هذه الأرقام أن النفط شهد استهدافًا ممنهجًا لمصدر الدخل الأهم، ما أدى إلى إخراج عشرات المليارات من الدولارات من الدورة الاقتصادية الوطنية، وحرمان الخزينة العامة من مورد كان يغطي الجزء الأكبر من باب الأجور والمرتبات، ويؤمن الحد الأدنى من الاستقرار المالي.

الخسائر الاقتصادية أرقام صادمة
وحول هذه الجزئية يوضح الخبير الاقتصادي رشيد الحداد أن نهب الثروة النفطية يُعد جريمة اقتصادية جسيمة، إذ كانت عائدات النفط تمثل أكثر من 70% من موارد الحكومة ونحو 60% من إجمالي الإيرادات العامة، وهو ما يفسر الارتفاع الكبير في عجز الموازنة العامة بعد خروج هذه الإيرادات عن سيطرة الدولة.

ويقدّر الحداد الخسائر الإجمالية التي تكبدها اليمن جراء العبث بالثروة النفطية بأكثر من 20 مليار دولار كخسائر مباشرة، تشمل نهب العائدات وتعطيل الإنتاج في عدد من القطاعات، إلى جانب تراجع الإنتاجية بسبب توقف الصيانة الدورية للآبار.

ويشير إلى خسائر غير مباشرة تمثلت في تعطيل الاستكشافات، وخروج الشركات الدولية، وتحويل الإيرادات إلى أداة بيد دول العدوان لمعاقبة الشعب اليمني، مؤكدا أن كل الجهود التي بُذلت في مسارات السلام كانت تهدف بالأساس إلى استعادة هذه الإيرادات، كونها تمثل القناة الرئيسية لتمويل الباب الأول من الموازنة الخاص بالأجور والمرتبات.

وتعكس هذه المعطيات كيف تحوّل النفط من مورد سيادي إلى أداة ابتزاز سياسي، وكيف أدى غيابه إلى شلل مالي انعكس مباشرة على توقف الرواتب، وتآكل القدرة الشرائية، واتساع رقعة الفقر، في بلد كان يعتمد بشكل شبه كامل على هذا المورد لتمويل نفقاته الأساسية.

الأثر الاجتماعي والخدمي… المواطن يدفع الثمن
بدوره يربط الخبير الاقتصادي سليم الجعدبي بين الأرقام الاقتصادية والواقع المعيشي، موضحًا أن تأثير نهب النفط تم عبر آليتين: مباشرة وغير مباشرة، فالآلية المباشرة تمثلت في عدم قدرة حكومة صنعاء على دفع مرتبات الكادر الوظيفي في القطاعات الحيوية، وعلى رأسها الصحة والتعليم، وعدم القدرة على توفير الاحتياجات الأساسية للمستشفيات والمدارس. أما الآلية غير المباشرة فتجلّت في التدمير المباشر للمنشآت الخدمية عبر القصف، بما في ذلك المستشفيات والمراكز الطبية ومراكز علاج السرطان وشبكات ومحطات الكهرباء، إضافة إلى منع استخدام محطة الكهرباء الغازية في مأرب لتغذية المناطق الواقعة تحت سيطرة حكومة التغيير والبناء.

ويقدّر الجعدبي إجمالي قيمة النفط والغاز المنهوب، إضافة إلى ما تم تعطيل إنتاجه، بنحو 56 مليار دولار، وهو مبلغ يكفي – بحسب تقديره – لتغطية مرتبات أبناء الشعب اليمني لنحو 28 عامًا.

وتُظهر هذه الأرقام أن الخسارة لم تكن مالية فحسب، بل إنسانية وخدمية بامتياز، حيث أدى تجفيف الإيرادات إلى تراجع الإنفاق الاستثماري، وتوقف مشاريع البنية التحتية، وتدهور الخدمات الأساسية، ما جعل المواطن الحلقة الأضعف في معادلة النهب والحصار.

في المحصلة يؤكد هذا التحقيق أن نهب الثروة النفطية اليمنية لم يكن مجرد استيلاء على مورد اقتصادي، إنما سياسة ممنهجة اتخذها تحالف العدوان بهدف تجفيف منابع الدولة وإضعاف قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه شعبها. وبين أرقام الإنتاج والعائدات قبل العدوان، وتقديرات الخسائر خلال سنوات النهب، تتضح صورة اقتصاد مُستنزف، وخدمات منهكة، ومواطن حُرم من أبسط حقوقه.

ومع استمرار هذا الواقع، تظهر الحاجة إلى مسار وطني جاد لاستعادة الثروة السيادية، وتعويض الشعب اليمني عن الخسائر والأضرار، بالتوازي مع البحث عن بدائل اقتصادية، وتعزيز الاكتفاء الذاتي، واستغلال الثروات الوطنية بما يخدم التنمية والاستقرار، فالثروة النفطية -كما يؤكد الخبراء- ليست مجرد أرقام في تقارير، بل حق سيادي، وركيزة أساسية لكرامة الشعب ومستقبله.