تراجع أسعار الذهب والفضة في ظل فوضى السياسات الأمريكية.. الدولار يستفيد مؤقتًا من أزمات تصنعها واشنطن

0

ذمــار نـيـوز || متابعات ||

31 يناير 2026مـ –12 شعبان 1447هـ

شهدت الأسواق العالمية خلال الساعات الماضية هبوطًا حادًا وغير مسبوق في أسعار الذهب والفضة، في مشهدٍ اقتصادي لافت يعكس حجم الاضطراب الذي تفرضه السياسات الأمريكية على النظام المالي العالمي.

المعادن النفيسة، التي تُعد تاريخيًا ملاذًا آمنًا في أوقات الأزمات، تراجعت تحت ضغط موجة بيع واسعة وسيولة هاربة نحو الدولار، في واحدة من أكثر المفارقات دلالة على هشاشة الاستقرار الذي تزعمه واشنطن بقيادة ترامب.

وبحسب بيانات المعاملات الفورية، هبط سعر الذهب بنحو 11% ليصل إلى 4786.85 دولارًا للأوقية، فيما تكبدت الفضة خسائر أشد، متراجعة بأكثر من 30% إلى 80.49 دولارًا للأوقية، في تقهقرٍ حاد أعاد الأسعار من قمم تاريخية سجلتها خلال الأشهر الماضية وسط تقلبات عنيفة في الأسواق العالمية.

 

موجة بيع تقودها الفوضى الأمريكية.. الدولار كملاذ قسري:

الانخفاض الحاد جاء في ظل موجة بيع واسعة لجني الأرباح بعد الارتفاعات القياسية السابقة، مع تفاقم حالة عدم اليقين التي خلقتها السياسات الأمريكية على المستوى النقدي والسياسي والعسكري والاقتصادي العالمي.

التقلبات المرتبطة بتغيّر التوقعات بشأن السياسة النقدية الأمريكية، واحتمالات إعادة تشكيل قيادة الاحتياطي الفيدرالي، أعادت خلط أوراق الأسواق، ودَفعت المستثمرين إلى إعادة التموضع بحثًا عن السيولة السريعة، وسط غياب رؤية مستقرة تقودها واشنطن لإدارة الاقتصاد العالمي.

ورغم التوترات السياسية والأمنية العالمية، بما في ذلك التحشيد الأمريكي المتواصل ضد الجمهورية الإسلامية في إيران، والتلويح بحروب إقليمية، والسياسات التصادمية التي ينتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه أوروبا والعالم عبر الرسوم الجمركية وابتزاز الشركاء الاقتصاديين، اتجهت السيولة مؤقتًا نحو الدولار والسندات الأمريكية.

المحللون يؤكدون أن هذا السلوك يعكس واقعًا قسريًا فرضته السياسات الأمريكية لخلق حالة سيولة تجبر رؤوس الأموال على الاحتماء بأدوات تسيطر عليها واشنطن، بينما تتسبب نفس السياسات في إشعال الأزمات التي تهدد الاستقرار العالمي.

 

الفضة تدفع ثمن الحروب الاقتصادية.. التراجع كإنذار مبكر:

أما الفضة، فقد تكبدت خسائر أشد نتيجة ارتباطها الوثيق بالطلب الصناعي، في ظل مخاوف متزايدة من تباطؤ اقتصادي عالمي تغذيه الحروب التجارية الأمريكية، وتهديد سلاسل الإمداد جراء القرصنة الأمريكية في الكاريبي، وانعكاسات التحشيدات البحرية للولايات المتحدة في المنطقة، وتزايد القيود الجمركية التي تُضعف التصنيع والإنتاج.

ويرى اقتصاديون أن ما يجري قد يصنّف ضمن تصحيح فني بعد موجة صعود حادة، لكنه يحمل إنذارًا مبكرًا بشأن مستقبل الأسواق إذا استمرت واشنطن في إدارة العالم بمنطق التصعيد والضغط بدلًا من الاستقرار والشراكة.

فالذهب والفضة ما تزالان ملاذات آمنة، لكن سلوك الأسواق يعكس مرحلة ترقّب حذرة، تراهن فيها رؤوس الأموال على أن التوترات التي تصنعها واشنطن ما تزال تحت السيطرة، دون الانزلاق الفوري إلى حرب شاملة أو أزمة مالية عالمية.

 

واشنطن مصدر الاضطراب.. أهداف قيد “الالتفاف”:

هبوط الذهب والفضة في هذا التوقيت الحساس يكشف كيف أصبح النظام المالي العالمي أسير سياسات أمريكية قصيرة النظر، تُنتج الأزمات ثم تحصد مكاسب مؤقتة عبر الدولار.

وفي حال تحوّلت التوترات التي تغذيها واشنطن إلى مواجهة مفتوحة أو أزمة اقتصادية شاملة، فإن المعادلة مرشحة للانقلاب سريعًا، ليعود الذهب والفضة بقوة إلى واجهة الملاذات الآمنة، كدليل على فقدان الثقة بالنظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة، وليس كظاهرة طارئة في الأسواق.

وفي المقابل أيضًا، قد تسعى الولايات المتحدة مؤقتًا إلى استثمار هذا الواقع عبر تعزيز هيمنة الدولار وجذب السيولة العالمية، قبل أن تعود الأسواق تدريجيًا إلى استقرارها، ما يسمح لواشنطن بالاستفادة لاحقًا من عودة الأمور إلى نصابها. ومع ذلك، فإن أي مكسب مؤقت لا يُخفي حقيقة أن السياسات الأمريكية هي أصل الأزمة، وأن ثبات الأسواق يعتمد على الحد من تدخلاتها التصعيدية.